إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

قضيتنا .. آخر ما كتب الإمام الشهيد حسن البنا

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث

" قضيتنا " .. آخر ما كتب الإمام الشهيد حسن البنا


محتويات

مقدمة: فهمي أبوغدير

بـِسْــمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ

سعدت بصحبة أستاذي ال أستاذ البنا في مكة موسم حج 1367 هـ 1948 م وتوثقت الصلة بيني وبين أحد النجديين المتحركين المتصلين.. نصحني لله ألا أعود لمصر هذا العام الاعتقالات والسجون والمنافي والمحاكمات والمشانق والاغتيالات في انتظاركم  ! ! وعهد الله أنني أجوب معك نجد والحجاز داعين إلى درب الإخوان المسلمين.. تبسم الأستاذ البنا عندما سمع بذلك.. "ألا تعلم أن الحكومة السعودية لم تسمح لي بالحج هذا العام إلا بعد أن تعهدت بعدم الخطابة والكلام في السياسة" "قلت بلي.. " فكيف تسمح بالدعاية لالإخوان؟ أما الذي سنلقاه في مصر فكم يؤرقني مجرد التفكير فيه ما دام على رأس الحكومة صاحب العقل (المصفح) كان الله في عون الإخوان في مصر. عاد فضيلته في أخر نوفمبر 1948 وكنت في استقباله مع الحاج عبده قاسم السكرتير العام للجماعة وصحبته إلى المركز العام حيث هدأ النفوس وحذّر من خطورة الاصطدام وبادر بمقابلة وكيل الداخلية (عبد الرحمن عمار) ليوضح له وجه الحق فيما ظن بالإخوان.. وحاول أن يقابل النقراشي فلم تتم المقابلة.. وسط كل من يعرف أن له صلة بالحكومة ومفكرة الإخوان سنة 1368 التي وجدت في جيبه عشية اغتياله توقفنا على المحور الذي دارت حوله تحركاته.. أرسلني بصحبة الشيخ أحمد شريت إلى نائب دائرتنا الانتخابية (الأستاذ حامد جودة) رئيس مجلس النواب والمشرف على جريدة السعديين (الأساس) اعتذرنا عن المهمة إذ كنت هاجمته في آخر عدد ظهر من الجريدة اليومية في 2/12/1948 فقال (قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون) أحسن الرجل استقبالنا وهش لنا ورحب.. وعندما فاتحناه بمهمتنا اعتذر وصمم على ذلك.. رجعنا نقص قصتنا مع نائبنا.. فقال "إن قرار الحل في الطريق.. وكيل الداخلية يعد مذكرة بمبررات الحل فصبر جميل والله المستعان".

في 8/12/1948 صدر الأمر العسكري رقم 63 لسنة 1948 بحل "جمعية الإخوان المسلمين" فورًا نشرته الصحف ومعه مذكرة وكيل الداخلية معدًد تهمًا نسبها لالإخوان وطبع الأمر والمذكرة بالمطبعة الأمرية وزعها على التجار والموظفين والطلبة والعمال ونشر في عدد خاص بالوقائع المصرية العدد 168 لسنة 120 وأذيع بالراديو (وضم أخيرًا إلى تحقيق مقتل النقراشي) وفي الحال عطلت الحريات وتم الاستيلاء على المركز العام وقبض على جميع من فيه عدا المرشد إذ لم يصدر أمر اعتقاله ! ؟ ؟ صادروا أموال الإخوان الخاصة في البنوك وشركاتهم ومؤسساتهم ومدارسهم ومستوصفاتهم واخرج البوليس بالقوة عشرين مريضاً داخلياً بمستشفي الإخوان الشعبي بالعباسية كان معمولاً لهم عمليات جراحية لم تلتئم بعد..

بادر المرشد بكتابة مذكرة رد بها على وكيل الداخلية فند كل ما جاء بها والقمة الحجر. ولكنها لم تنشر بل كل من وجدت معه قبض عليه لمحاكمته أو اعتقاله وإذًا للرأي الآخر ! !

لقد حكم بالإعدام على أكبر هيئة إسلامية وقضي على شخصها المعنوي ولم يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم وبعد عشرين يومًا في 28/ 12/ 1948 قتل الحاكم العسكري في وزارة الداخلية وهو يهم بدخول المصعد قتله طالب بكلية الطب البيطري اسمه ( عبد الحميد أحمد حسن ) وكان مرتديًا بدلة ملازم.

كل الوسائل والأساليب لم تحمل القاتل على الاعتراف بشيء وقابله شيخ الأزهر الشيخ الشناوي ليلا بسجن الأجانب حاوره وأطلعه على بيان علماء الأزهر بحرمة القتل وأن قاتل النفس مخلد في النار (نشر بأهرام 3 / 1 / 1949 وضم إلى تحقيقات قضية مقتل النقراشي) ومع ذلك لم يهتز.. قالوا له أن الأستاذ البنا لا يقر الجريمة ولا يرضي عنها.. لا حظوا أن هذا القول شد انتباهه فبيتوا أمرهم بليل ولجأوا إلى الأساليب الملتوية ليحصلوا من الأستاذ البنا على استنكار للجريمة بقصد التأثير على القاتل عساه يحل عقدة لسانه كان الاتصال قد تم بين بعض الوزراء و فضيلة المرشد - عن طريق صالح باشا حرب رئيس الشبان المسلمين - بشأن التعاون حتى تهدأ الحال في وقت كانت آلاف الأسر قد سجن أو اعتقل عائلها ومرتبات الموظفين وأجور العمال قد حجزت وأوقفت والأموال الخاصة في البنوك قد جمدت والمنازل فتشت ونهب الزبانية ما بها من نقود واستولت الحكومة على المتاجر والشركات والمؤسسات والويل كل الويل لمن يقدم لهم المساعدة.. كيف تعيش هذه الأسر وأن استمرت الحال فستكون كارثة.

هكذا كان يردد الإمام الشهيد الذي بات يشعر بوطأة المسئولية وثقلها. إنه يعتبر نفسه المسئول عن هؤلاء إنه مؤرق متألم، حزين حائر فلا هو بقادر على أن يقدم لهم العون وإن استطاع فأنى له ذلك والحكم العرفي له بالمرصاد ولا يسمح له بشيء بل يعتقل كل من اتصل به.. فهل إلى إنقاذهم من سبيل؟؟ لقد أقلقه أن أبناءه وإخوانه قد تدهورت صحتهم بسبب إلقائهم على الأسفلت في الأقسام والمعتقلات وبسبب حرمانهم من الغذاء والغطاء.. ويا ويل من يقدم لهم شيئًا من ذلك وإن استطاع بعضهم بأسلوب أو بآخر أن يقدم لهم شيئا فلا يصل إليهم بل يأخذه ويتمتع به غيرهم من الزبانية.

كيف يحيي هؤلاء هذه الحياة إنهم لم يتعودوها وليس في طاقتهم أن يتحملوها.. وكلما سمع المرشد بشيء من ذلك غص وتألم..

وقد وصفه الكاتب الأمريكي في كتابه حسن البنا الرجل القرآني بقوله : "وكان لابني لحظة عن محاولة استخلاص أنصاره من الأسر وكان يبلغ به الأمر مبلغه.. فيستيقظ في الليل ويضع كلتا يديه على أذنيه ويقول: أنني أسمع صياح الأطفال الذين غاب آباؤهم في المعتقلات".

وعدوه بالإفراج عن بعض المعتقلين وطالبوا منه كشفا بأسماء المطلوب الإفراج عنهم كما وعدوه بإعادة المفصولين إن كتب يستنكر الجريمة.. في هذا الجو وتحت تأثير الرغبة الملحة في إنقاذ أبنائه المعذبين المهددين بالخطر في حياتهم وأرزاقهم، كتب - وهو سليم دواعي الصدر - يستنكر الجريمة كأسلوب.

وفي 13/1/1949 شرع "شفيق إبراهيم أنس" في نسف الدولاب الذي وضعت فيه أوراق تحقيق قضية سيارة الجيب فقبض عليه وعلى 300 أخ من القاهرة واتخذت الصحف من الحادث مادة للتشنيع بالإخوان فخرجت بعناوين ملونة مثيرة تصف الحادث بأنه شروع في نسف محكمة الاستئناف كلها ومكتب النائب العام ووكلائه والقضاة والموظفين والمتقاضين لتستعدي هذه الفئات ضد الإخوان. ولما كان المرشد لا يعلم عن الحادث إلا ما كتبته الصحف ولم يكن التحقيق قد أظهر الحقيقة بعد!! في ظل هذا الجو وهذا التهويل المزيف طلب السادة الوزراء منه أن يكتب استنكاراً آخر لكي يمكنهم الإفراج عن المعتقلين طبقا للكشف المقدم منه فكتب يستنكر الجريمة في شتى صورها وتسلمه (الناغي) الذي أسرع ليعطيه لقريبه رئيس الوزراء فتلقفه وكيل الداخلية ولكنه لم ينشر.. وبعد اغتيال المرشد بأيام خرجت جريدة السعديين (الأساس) على الناس بهذا الاستنكار منقولاً بالزنكوغراف لتقول زوراً وبهتاناً : إن الإرهابيين هم الذين قتلوه وما قتله - علم الله - إلا رجال الداخلية لحساب السراي والسعديين كما أظهر تحقيق النيابة وحكم المحكمة.

وكتب فضيلته قبيل اغتياله آخر ما كتب في حياته (قضيتنا) موضحاً وجهة نظرة وقد نشر (الوثيقة الأولي).. الكثير منها بالصحف الحزبية أثناء المعركة الانتخابية سنة 1949 فساهم في إسقاط المرشحين من حزب السعديين عدا قلة منهم نجحوا بالغش والتزوير وكنت شخصياً أحد الضحايا فقد رشحت نفسي ضد الأستاذ حامد جودة عن دائرة (درنكة أسيوط) استجابة لطلب الإخوان فكانت فرصة طيبة لإعطاء الشعب فكرة واضحة عن الإخوان غايتهم ووسيلتهم والمبادئ والقيم التي يدعون لها وصورة مجسدة عما قام به حزب السعديين من وسائل الإجرام والإرهاب ولقد قوبل ترشيحي بقبول حسن مما دفع خصمي أن يدفع بسخاء للناخبين لأول مرة في تاريخه السياسي ويشهد الله أنني صارعته فصرعته ولكنه الغش والتزوير أظهر نتيجة لا تعبر عن الحقيقة وقد ذكر الأستاذ "محمد هاشم" وزير الداخلية الذي أجري الانتخابات أننا (لم نستطع الذهاب لمنازلنا إلا بعد أن أخطرنا السراي في ساعة متأخرة من الليل بسقوط مرشح الإخوان بأسيوط).

وفي 12/2/1949 14 ربيع الثاني 1368 ولمناسبة عيد ميلاد الملك المخلوع استدرجوا شهيد الإسلام إلى جمعية الشبان المسلمين ليسمع من "الناغي" أخباراً.. لكنه لم يسمع إلا طلقات الرصاص من رجال الداخلية تدوي وتصيب.

ثم يهربون في سيارة رئيسهم - مدير إدارة المباحث الجنائية - وتحت حمايته وراح الملك المخلوع - كما جاء في تحقيق النيابة - يتحدث إلى أصدقائه بالتليفون (حسن انضرب بالرصاص وحالته خطرة) ويرسل من يخلص عليه في قصر العيني ولكن رؤي أن يترك جرحه ينزف ففاضت روحه إلى بارئها وكان آخر كلامه : لا إله إلا الله.

وكذلك جاء في تحقيق النيابة أن السراي تلقت "التبريك" من وزارة الداخلية وقد حظي رجالها بالهدايا والمكافآت بعد أن كانوا قد صرفوا لهم من المصاريف السرية حوالي 1000 جنية خلاف الملابس التي اهديت لهم من السعديين الذين خلعوا ملابس الحداد.

وأراد وكيل الداخلية تشييع الجثة من المشرحة إلى المقبرة ولكن والد الشهيد تمكن بعد جهد من استلام الجثة لتجهيزها وتشييعها بدون احتفال، وزرعت الحلمية برجال البوليس الذين سدوا كل مدخل يؤدي إلى منزله ولعدم السماح بوصول رجال - أي رجال - قام الوالد نفسه بتجهيز الجثة وخرج النعش محمولا على أكتاف النساء!!!.

وبدأ تحقيق الحادث ولكن على استرخاء والقتلة يسرحون ويمرحون ورجل القسم السياسي (الجزار) يعين الجناة بإخفاء رقم السيارة التي هرب بها الجناة ويسخر لهذه المهمة القذرة -للأسف الشديد - أحد رجال التعليم الجامعي بقصد تجهيل رقم السيارة لإبعاد الشبهة عن الجناة كما جاء بمذكرة رئيس النيابة الأستاذ "فؤاد سري" وقد قامت جريدة المصري بجهد في هذا الشأن يذكر فيشكر إذ نشرت الرقم الصحيح للسيارة التي هرب بها الجناة مما عرضها للمصادرة والفضل في ذلك يرجع إلى الأستاذ أحمد أبو الفتح الأستاذ مرسي الشافعي و محي الدين فكري.

وفي يوليو 1949 آخر رمضان 1368 سقطت وزارة عبد الهادي، وأشاع الملك المخلوع : أن هدية العيد للشعب هي إسقاط وزارة الإرهاب  ! ! وجاءت وزارة سري الأولى تخفف من الإرهاب الحكومي.. فبدأت تفرج عن المعتقلين وتخفف من القيود.

انتقلت إلى القاهرة للعمل مع الشيخ الباقوري مرشد الإخوان المؤقت والمرحوم منير الدلة أمين الصندوق وانتهي بي المطاف إلى مكتب العباسية.. كنت استقبل فيه أقارب المعتقلين والمسجونين المتهمين وباشرت خدمة قضايا (مقتل النقراشي، سيارة الجيب، الأوكار، الشروع في قتل حامد جودة) نشتري الملف المطبوع من قلم النسخ بمحكمة الاستئناف فتنسج منه (بالرونيو) العديد من النسخ التي تسلم لحضرات الزملاء المحامين الذين نوكلهم للدفاع عن المتهمين.. هذا الأمر جعلني اقرأ كل كلمة في هذه الملفات فأتيحت لي فرصة دراسة القضايا بتعمق فظهر لي بوضوح أن اتهام الجماعة بالانحراف وبقلب نظام الحكم بالقوة اتهام مفتعل وملفق مزيف..

إن الأستاذ البنا قبل اغتياله كتب يقول:

(إن الدليل القاطع الدامغ ينادي ببراءة الإخوان من هذا الاتهام، فهذه دورهم وشعبهم وأوراقهم وسجلاتهم ومنشآتهم قد وضعت كلها تحت يد البوليس فلم يعثر في شيء منها على ورقة واحدة تصلح أن تكون دليلا أو شبه دليل على هذا الانحراف المزعوم - الوثيقة الثانية)

أمام هذا التحدي الصريح راح وكيل الداخلية يجري من رئاسة الوزراء إلى مكتب النائب العام ليعلن أنه عثر على أوراق خطيرة فيها الدليل على قلب نظام الحكم ومبايعة رئيس الجماعة خليفة للمسلمين ! أراد أن يربط (بالقوة لا بالفعل) هذه الأوراق بعجلة سيارة الجيب.

إذن - فاتهام الجماعة بقلب نظام الحكم يستند على هذه الأوراق ! ! فتطوعت بالدفاع عن المتهم صاحب هذه الأوراق، وبينت في مرافعتي أن الإخوان ما فرقت دعوتهم أبدًا بين السياسة والدين ومن ظن أن الإسلام لا يعرض للسياسة فقد ظلم نفسه وظلم علمه بالإسلام.. وأن الأوراق المضبوطة كتبها طالب يخطئ في فهم آيات كتاب الله ويخلط بين السلطان والخليفة وأن ما بها من آراء ليست بآراء إسلامية فهو يقول على الله ما لا يعلم أنه حاطب ليل حمل حطبًا فيه أفعى وهو لا يدري فلدغته ولدغتنا.. إنها بمستواها وعباراتها وبما فيها من آراء لا تصلح أن تكون دستورًا تحكم به الجماعة بعد قلب نظام الحكم أنها تصلح فقط أن تكون مقالاً إنشائيًا لينشر في مجلة الطلبة.

وكان أول الغيث الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات بالقاهرة التي نظرت قضية سيارة الجيب 17/3/1951 في القضية 3249 / 1950 الوايلي 227 / 950 ك كان الحكم - فعلاً - باكورة الأحكام العادلة التي تعتبر بحق عنوان الحقيقة لقد برأت الإخوان من تهمة الانحراف عن الدين إلى السياسة فقالت أن الاتهام (لا يتفق مع الحقيقة المعلومة من أن الإسلام دين ودولة) ورددت قول شهيد الإسلام (من ظن أن الإسلام لا يعرض للسياسة وأن السياسة ليست من مباحثه فقد ظلم نفسه وظلم علمه بالإسلام أما عن تهمة قلب نظام الحكم المستندة على مقال موكلي سليمان مصطفي عيسي فقد استبعدتها المحكمة قائلة: "هذا الذي ذهب إليه الاتهام فيه تحميل لألفاظ المقال أمورًا لا تحتملها وفيه استنتاج لا أساس له على الإطلاق.. وتصبح تهمة الاتفاق الجنائي على قلب نظام الحكم لا سند لها من واقع التحقيق أو الأوراق".

وقد أدانت الحاكم العسكري بالعبث والتدخل في التحقيقات في غية النيابة وسجلت وقوع تعذيب على المتهمين: (.. فإن حريات الأفراد يجب أن يكون لها حدود تقيها من العبث أيًا كان مصدره وألا يترك أمر استجواب المتهمين - المقبوض عليهم - فوضي يتولاه تارة المحقق وطوراً الحاكم العسكري صاحب السلطان الأكبر وذلك في غيبة المحقق وعلى غير علم منه وبدون إخطاره بما تم بشأن الاستجواب.. وتري المحكمة أن كتابة الطلب الخاص بالاعتراف.. قد شابته عوامل غير عادية قد تكون تعذيباً كما زعم المتهم أو على الأقل إغراءً وتحريضًا.. لا تعول عليه المحكمة.. وأن هذه المحكمة تري أن إطلاق يد رجال البوليس في معاملتهم للمتهمين.. هذه السلطة المطلقة لا تتفق وما كفله القانون للمتهم من حرية الدفاع عن نفسه والإدلاء بأقواله قي جو بعيد عن شتى المؤثرات).

وفي يونيه سنة 1951 أصدرت وزارة الداخلية قراراً بشراء دار المركز العام لالإخوان المسلمين ولما كان القرار باطلاً ومخالفاً للقانون ومجافياً للعدالة رفع المرحوم عبد الحكيم عابدين دعوى يطلب وقف تنفيذ هذا القرار الباطل المجافي لأحكام القانون وقد استعرضت المحكمة موضوع الدعوي وانتهت فيه إلى مبادئ قانونية عادلة نكتفي منها بما يعنينا في هذا المجال:

المبدأ الأول: أن جمعية الإخوان المسلمين تكونت في ظل ذلك الحق الأصيل في تكوين الجمعيات الذي أعلنه الدستور وقرر قيامها فاكتسبت صفتها القانونية كما تمتعت بشخصيتها المعنوية منذ تكوينها وفق المبادئ المقررة وبذلك استوت في ظل أصول القانون الخاص - خلقاً سويًا متكاملاً.

المبدأ الخامس: أن جمعية الإخوان المسلمين كشخص معنوي باقية رغم صدور الأمر العسكري 63 لسنة 1948 محتفظة بكينونتها القانونية ويحق لها بسقوطه أن تسترد نشاطها وتعود إلى سيرتها ومنهاجها.

المبدأ التاسع: أن يد الحكومة على أموال جمعية الإخوان المسلمين يد عارضة فهي في حراسة المندوب الخاص وبسقوط الأمر العسكري بانتهاء مدته ترتفع يده وتبطل سلطته.

وأدانت وزارة الداخلية واعتبرت قرار شرائها للمركز العام قد وقع على غير محل صحيح واستند إلى أساس باطل ومن ثم يكون المدعي محقًّا في طلب وقف تنفيذه بشأن دار اشتراها الإخوان بأموالهم وقد اشترك فيها صغيرهم وكبيرهم وغنيهم وفقيرهم رجالهم ونساؤهم بل ساهم في ثمنها سيدات فضليات بحليهن ومصاغهن - أن المحكمة حكمت بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه الخاص بدار الذكريات دار الجماعة ودار الدعوة القائمة إلى يوم الدين وقد أصدرت هذا الحكم في 17/9/1951 دائرة وقف التنفيذ برياسة المستشار (محمد سامي مازن) وقد أحالت في حيثياتها إلى الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة في قضية سيارة الجيب. وبعد سنة من صدور هذا الحكم الخاص بدار الذكريات أصدر وزير العدل - بعد خلع الملك - كتابًا سريًّا رقم 683 في 17/9/1952 لندب مستشار من مستشاري محكمة استئناف القاهرة لتحقيق قضية الجناية رقم 19 لسنة 1949 عسكرية عابدين الخاصة بمقتل المغفور له الشيخ حسن البنا وذلك استجابة لطلب حضرة النائب العام. بدأ التحقيق يأخذ طابع الجد وقبض على المتهمين وظهر بوضوح ثبوت الجريمة على رجال الداخلية بتدبير الأميرالاي (محمود عبد المجيد) وتحريضه ومساعدته.. وكان ذلك لحساب السراي والسعديين الذين خلعوا ملابس الحداد ودغت جزار المباحث العامة بتضليل العدالة هو ومن سخره.. - كما ثبت أنه صرف لهذا الشأن حوالي "1000" ألف جنيه من المصروفات السرية - قدمتهم النيابة للمحاكمة مقبوضاً عليهم.

وكان الأستاذ المرشد قد رفع الدعوة 190 لسنة 53 أمام مجلس الدولة يطلب إلغاء الأمر العسكري 63 لسنة 1948.

وفي 30/6/1952 أصدرت الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري حكمها بإلغاء الأمر العسكري 63 لسنة 1948 وقالت بما قالته محكمة جنايات القاهرة التي نظرت قضية سيارة الجيب وكشفت عما في مذكرة وكيل الداخلية من زيف وتغيير للحقائق وانتهت إلى إلغاء أمر الحل فقد تجاوز مصدره الحدود والحقوق وانحراف عن الدستور والقانون وعبث بالحريات وصادر الأموال

وفي سنة 1954 أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها بإدانة قتلة الشهيد من رجال الداخلية وبقبول الدعوة المدنية وحكمت بإلزام الحكومة بالتعويض المطلوب بالتضامن مع رجالها المتهمين. وهكذا تواكبت الأحكام المختلفة لتلتقي جميعها عند براءة هيئة الإخوان مما نسب إليها. فالجماعة إذن لم تنحرف عن أغراضها المبينة في قانونها الأساس ولا هي ناهضت نظام الحكم ولا هي حاولت قلبه بالقوة والإرهاب فذلك استنتاج لا أساس له على الإطلاق وأن متطوعيها كانوا مثال البسالة وحسن المران والقيام بالواجبات وقد شهد قائدا حملة فلسطين أمام محكمة الجنايات بسمو روحهم المعنوية وإلمامهم بفنون حرب العصابات وأن العدو كان يتفادى مواجهتهم لحرصهم على الموت - وسجلت الأحكام - وهي في نظر القانون عنوان الحقيقة - أن الحوادث التي حدثت وإن كانت وقعت من بعض المنتمين إليها إلا أنه لا يجوز أن تتحمل الهيئة وزرها وإثمها؛ وأدانت الحكومة بالافتراء ومخالفة الحقيقة فيما ذهبت إليه من اتهام الجماعة ودمغت الحاكم العسكري بتجاوزه كل الحدود والحقوق وانحرافه عن الدستور والقانون حين حل جمعية الإخوان وقضى على شخصها المعنوي وأعدم حياتها القانونية وصفى أموالها التي تتكون منها ذمتها المالية وألغت ما أصدر من أوامر عسكرية بهذا الخصوص.

وتوجت هذه الأحكام بصدور المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952 الخاص بالعفو الشامل عن جميع الجرائم السياسية التي وقعت ما بين 26/8/1936 و 23/7/1952 - وكان العفو الشامل يمحو – بقوة القانون – الجريمة وعقوباتها الأصلية والتبعية، وجميع الآثار المترتبة عليها.

لذلك: أعيد الإخوان إلى وظائفهم التي فصلوا منها بل صرفت لهم مرتباتهم عن المدة التي أوقفوا فيها عن العمل لأنهم يستحقون التشجيع بل التمجيد على ما قاموا به من أعمال استهدفوا بها الصالح العام ألم تقل عنهم الأحكام أنهم من ذوي الأغراض السامية التي ترمي إلى تحقيق الأهداف الوطنية.

إن صوت الإمام الشهيد يدوي في سمع الزمن:

لو أن الأمور تسير في حدودها الطبيعية أن تنتظر الحكومة نتيجة التحقيق.

ولو فعلت لجنبت البلاد الجور والظلم والإرهاب الحكومي وترويع الآمنين ولحافظت على سيادة القانون ولأبقت على حريات الأفراد وحقوقهم - ولحقنت الدماء ولأبقت على فلسطين عربية.

ولكنها لم تفعل وأصغت إلى المستعمرين المجتمعين في فايد لتسمع تضليلهم وتطيع أوامرهم فأعدمت أكبر هيئة إسلامية وصادرت الأموال الخاصة وقضت على الحريات واعتقلت الآلاف وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح وأهدرت الكرامات وضيعت ثمرة انتصار الجيش ومكاسبه الاستراتيجية في فلسطين بقبول الهدنة وقضت على هيبة الجيش وسمعته إذ سلمته أسلحة وذخائر فاسدة وتركته محاصراً في الفالوجا.

والحق أن الجيشُ مني بخسائر فادحة أفقدته معنوياته بسبب الأسلحة الفاسدة والقرارات والأوامر السياسية!!! فقد ثبت من تحقيق النائب العام (محمد عزمي) أن الملك المخلوع وبطانته وحاشيته كانوا يتجرون بالأسلحة الفاسدة : إدارة الجيش تدفع الثمن والعمولات تقيد باسم فاروق ببنوك أوربا ورجال الجيش لهم الدمار ولتنفجر فيهم الذخائر والأسلحة الفاسدة تفتك بأرواحهم وتودي بحياتهم ولتحاصر بعض كتائبه كيف لا ! ! وأسرار الجيش وخططه كلها عند الإسرائيليين، كانت الأوامر تصدر من القاهرة طبقا للأوضاع السياسية تأثرًا بأوامر السادة المحتلين وبرغبات أصدقاء وصديقات السراي من البنات الاسرائيليات!!!.

كانت الأوامر سياسية وليست عسكرية ودون نظر إلى أوضاع المحاربين وأرواحهم ودون نظر إلى سمعة مصر وجيش مصر، وقد نقل عن قائد الحملة اللواء فؤاد الصادق باشا أنه قال:

"لم يتعبني شرتوك إسرائيل بقدر ما أتعبني شراتيك القاهرة أن ما حدث من شراتيك القاهرة يهزم أعظم جيوش العالم".

أراد اللواء المواوي أن يستفيد من تجارب متطوعي الإخوان وقد خاضوا الكثير من المعارك الموفقة رأى هو وقواده وضباطه معه بعيونهم استبسال الإخوان ولمسوا معنوياتهم العالية فليستفيدوا من خبرتهم في حروب الليل وحرب العصابات والهجوم ومعاملة المستعمرات، إنهم يحرصون على الموت في سبيل الله فالقتال عندهم - كما قال أحد قواد الصهاينة - ليس وظيفة يمارسونها وفق الأوامر الصادرة إليهم بل هو هواية يندفعون إليها بحماس وشغف جنوني، إنهم يقاتلون ليموتوا، إننا لم نهاجم (صور باهر) لأن فيها قوة كبيرة منهم، إن الهجوم على مثل هؤلاء مخاطرة كبيرة ونحن لا نحب مثل هذه المغامرة المخيفة . إنهم ضحايا تعساء لوعد الإسلام لهم بالجنة التي تنتظرهم بعد الموت.

رأي اللواء المواوي في أكتوبر سنة 1948 بعد حصار الفالوجا أن يمد الإخوان الموجودين بفلسطين بكتيبتين جديدتين..، سجلت محاضر جلسات محكمة جنايات القاهرة التي نظرت قضية سيارة الجيب أن اللواء المواوي قد أعد خطة ليستعيد بها (الأسدود والمجدل) وليفك حصار (الفالوجا) أرسل بالخطة لرئاسته، وأوفد الشيخ فرغلي للجامعة العربية للتنسيق بينها وبين وزارة الحربية لإمداده بكتيبتين 1600 من الإخوان. بناء على ذلك استدعى عزام باشا إلى الجامعة الصاغ محمود لبيب قائد كتائب المجاهدين ليجتمع بالأميرالاي (أحمد بك منصور) ضابط الاتصال الذي اشترط في الكتيبتين أن تكونا من الإخوان بالذات، ويقول الصاغ محمود لبيب للمحكمة:

"أخذني (ضابط الاتصال) معه لوزارة الحربية حيث قابلنا البكباشي (صلاح صبري) مدير مكتب وزير الحربية الذي سألني : هل أخبروك بالمهمة : قلت نعم على أتم الاستعداد وكنا في يوم الأحد وتعهدت بأن يكون المتطوعون في هايكستب صباح الخميس، وقصدت المركز العام لالإخوان المسلمين واتصلت تليفونيا بالمناطق أن ترسل كل شعبة متطوعًا من الإخوان يكون صباح الخميس بالهايكسبت". يا خيل الله اركبي!!

ولكن شيئًا من ذلك لم يتم؛ لأن النقراشي رفض كل ذلك وأمر بعدم التنفيذ ؟ ! وأصدر أمراً بالقبض على الشيخ فرغلي في 24/10/1948 وأخيراً تبين للنقراشي أن الشيخ مريض في مستشفي صدناوي فوضعت على حجرته بالمستشفي حراسة مشددة من 25/11/1948.

هل يعقل أن يسمح النقراشي بتنفيذ خطة المواوي والمستعمرون في فايد في 10 نوفمبر عام 1948 يستعجلون قرار حل الإخوان، وجريدة مصر تقوم بحملة تحريض مكثفة، فليبق الجيش محاصرًا بل يقتل جميعه وليحتل الصهاينة فلسطين وليسرح قائد الحملة المواوي في 11 نوفمبر 1948، وليقبض البوليس على سيارة الجيب في 15 نوفمبر 1948 بما فيها ومن فيها بعد أن كانت تغدو وتروح تحت سمع البوليس وبصره، ولتصدر الأوامر بتعيين اللواء أحمد فؤاد الصادق قائدا لحملة فلسطين ليعتقل متطوعي الإخوان فلهم الفناء والتعذيب والاعتقال والقبض والتنكيل والمحاكمات.

ولكن ليس من رأى كمن سمع، فلما رأي القائد الجديد متطوعي الإخوان وعرفهم على حقيقتهم، وأن أمر الحل لم يؤثر على روحهم المعنوية لم يعتقلهم بل أرسلهم - بعد قرار الحل – ليحموا العريش، واشتركوا في الدفاع عن موقع 86 في دير البلح.

ويقول أحمد فؤاد باشا للمحكمة:

"وأعطيتهم واجبا من الواجبات الخطرة فكانوا في كل مرة يقومون بأعمالهم ببطولة استحقوا من أجلها أن أكتب لرياسة مصر أطلب لهم مكافأة بنياشين، ولشجاعة بعضهم في الميدان ذكر اسمه في الأوامر العسكرية واتصلت بالحكومة.. وطلبت منها مساعدة هؤلاء بأن يعطوهم أعمالاً عند عودتهم، ويعاونوا أسرهم.. وعندما طلب مني اعتقالهم رفضت ووضعتهم تحت حراستي الخاصة.. وعوملوا معاملة كريمة لأنني اعتبرهم زملاء ميدان.. فهل عاملتهم الحكومة معاملة كريمة؟.

لقد حُلَّت جماعة الإخوان المسلمين في 8/12/1948 وغُيّبت في السجون والمعتقلات آلاف الشباب من الإخوان حتى لا يعارضوا وقف القتال النهائي والانسحاب من الميدان. واغتالت المرشد العام لالإخوان المسلمين (في 12/2/1949) حتى لا يناهض توقيع الصلح والهدنة الدائمة في رودس (في 24/2/1949) تحت تمثال آدم أو حواء - لا أدري - مع إسرائيل لتتكرم بالسماح لأبنائنا المحاصرين في الفالوجا أن يعودوا لأرض الوطن وليدخلوا القاهرة وعلى رأسهم الضبع الأسود وأركان حربه.. بين هتافات الجماهير وأهازيج المستقبلين ولتصدح الموسيقي وتعزف الحان العزة والنصر والفخار بدلاً من الحان الذل والهزيمة والعار.

ولا حول ولا قوة إلا بالله،،

فهمي أبو غدير


تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أكمل المؤمنين وسيد المجاهدين وعلى آله وصحبه أجمعين.

قضيتنا بين يدي الرأي العام المصري والعربي والإسلامي والضمير الإنساني العالمي

لقد سمع الرأي العام المصري والعربي والإسلامي قضية الإخوان المسلمين من جانب واحد، هو جانب الحكومة التي اعتدت على هذه الهيئة بإصدار أمر عسكري بحلها وهو الجانب الذي يملك كل وسائل الدعاية من الصحف الخاضعة للرقابة كل الخضوع، ومن الإذاعة التي تديرها وتهيمن عليها الحكومة ومن الخطباء في المساجد الذين هم موظفون حكوميون، ولكن هذا الرأي العام لم يسمع من الطرف الآخر.. لم يسمع من الإخوان المسلمين الذين حُرموا كل وسائل الدفاع عن أنفسهم وشرح قضيتهم للناس فصودرت صحفهم وعطلت أقلامهم وكممت أفواههم واعتقل كل خطيب لهم واعتبر كل اجتماع خمسة منهم في أي مكان جريمة أقل عقوبتها السجن ستة أشهر.

لهذا كان من الواجب أن نتقدم بهذا البيان للرأي العام المصري والعربي والإسلامي والضمير الإنساني العالمي حتى لا يقع الخطأ ويظلم في الحكم ويحكم بسماع خصم واحد وقد قيل : إذا جاءك خصم وعينه مقلوعة فلا تحكم حتى تري خصمه فقد تكون عيناه الاثنتان مقلوعتين.

وإنا لنرجو بعد هذا أن يناصرنا الرأي العام على من اعتدوا علينا وأن يطالب بكل شدة برفع هذا الظلم الصاروخ عنا وإطلاق حرية الدعوة الصالحة النافعة : دعوة المبادئ السامية والأخلاق الفاضلة لتقوم بنصيبها في خدمة المجتمع الإنساني المتعطش لهذا الغذاء من الروحانية وسمو الأخلاق.


الفصل الأول: نماذج من المظالم الواقعة على الإخوان المسلمين

فهل يعلم هذا الرأي العام أن الأمر العسكري بحل الإخوان المسلمين قد وضع واستخدم ونفذ بالصورة التي أنتجت هذه المظالم التي تقشعر من هو ضم لها الأبدان وهذه بعض نماذج منها:

1- الاعتقال

اعتقل بالأمر العسكري إلى تاريخ هذا البيان (1000) ألف شخص في القاهرة والأقاليم وقد وزعوا على معتقلات.. وسجون الأقسام وسجون المديريات والمراكز في الريف وهؤلاء المعتقلون ليسوا متهمين في شيء ولا موجهة إليهم أية تهمة وهم ما بين أستاذ الجامعة كالأستاذ "حسين كمال الدين" أو في الأزهر كالأستاذ "بهي الخولي" أو في المعاهد العليا كالأستاذ "عبد العزيز كامل" "وأحمد كامل سليم" أو في دار العلوم كالأستاذ "أحمد عبد العزيز جلال" أو في معاهد التعليم على اختلاف درجاتهم ومنهم المحامون الكبار والتجار الفضلاء والعمال الأوفياء والطلاب النجباء وليس فيهم أبدا متهم ولا مجرح.

وقد طبقت على هؤلاء المعتقلين قواعد هي الظلم المجسم لم يرها الناس ولم يعرفوها في أي نظام الاعتقال السياسي وعوملوا أسوأ المعاملة.

ينامون في الأقسام على الأسفلت ويعذبون فيها ولا يصل إليهم شيء مما يقدمه لهم أهلوهم أو ذوو قرباهم من طعام أو فراش وقد مضي على بعضهم.. وهم الذين لم يتعودوا أبداً هذه الحياة - أسابيع على هذا الحال في هذا البرد الشديد والجو القارس وقد مرض بعضهم بالنزلات الشعبية وبمختلف الأمراض، ولم يجدوا أي نوع من العناية الطبية حتى أصبح يخشى على حياة بعضهم وهم صابرون محتسبون.. والحكام عنهم غافلون والشعب لا يعلم حقيقة الحال!!.

فلقد أُوقف الموظفون منهم عن أعمالهم وحجزت مرتباتهم وصودرت أموالهم الخاصة في المنازل بالتفتيش وفي المصارف بالحجز وفصل العمال منهم عن أعمالهم ورفت الطلاب من مدارسهم، وأخذت عرباتهم الخاصة وآلات الراديو من منازل الكثير منهم وعطلت تليفوناتهم ووقع عليهم من أنواع الاضطهاد ما لا يعلم إلا الله. فمن أين تنفق ألف أسرة مصرية وقد سدت أمامها الموارد وأخذت عليها الطرق بهذه الصورة التي ليس لها أي نظير، وإذا علم أن أحد الأقرباء أو الأصدقاء تردد إلى هذه الأسر فعاد مريضها أو عال محتاجها كان نصيبه هو الآخر الاعتقال. ولم يراع في هذا الاعتقال أي معني من المعاني الإنسانية فكان يعتقل من البيت الواحد أربعة اخوة وثلاثة أصهار مثلاً أو أخوين وأصهارهما وهم كل من يستطيع أن يقوم علي هذا البيت فتعطل المصالح وتغلق المتاجر وتقفر المساكن من السكان فهل سمع الناس بمثل هذا حتى في معسكرات النازية حين كانت تعتقل اليهود وهل فعلت الحكومات المصرية عُشر هذا مع معتقلي الصهيونية والحرب علي أشدها؟؟ والله لا!!.

2- الفصل والنقل والتشريد

ولقد وقفت الحكومة من الموظفين الذين اتصلوا بالإخوان موقفا كله الخصومة والعداء ففصلت أكثر من 150 موظفاً من الموظفين الصغار الذين تعلم أنهم لا يستطيعون حولا ولا قوة في مقاضاتها أمام مجلس الدولة، وشردت من القاهرة وحدها إلى الوجه القبلي 500 موظفاً من مختلف المصالح ومن كل مديرية قريبًا من هذا العدد بين مدرسين وكتبه ورؤساء أقسام.. إلخ في الوقت الذي بدأت فيه المدارس وانتظم فيه الأبناء من الطلاب كل في معهده وأخذت أزمة المساكن في كل مكان بمخانق الناس وكل تهمة هؤلاء الموظفين الذين يستحقون عليها هذا العذاب أنهم اتصلوا بالإخوان المسلمين في يوم من الأيام ولقد أحدثت هذه الحركات اضطراباً في النفوس والأعمال فضلاً عن أنها فتحت الباب علي مصراعيه للوشاية والكيد والدس والانتقام واتخذها صغار النفوس سلاحاً للتنكيل بزملائهم في كل مكان، وصار كل من أراد أن ينتقم من موظف تقدم إلى إدارة الأمن العام بخطاب مجهول : أن هذا الموظف يعمل لالإخوان وما هي إلا ساعات حتى يرى نفسه في قنا أو أسوان من غير دليل أو برهان  ! فهل سمع الناس بمثل هذا الإجحاف في زمن من الأزمان؟؟

3- فصل الطلاب

ولقد أبعد عن كليات الجامعة والمدارس الثانوية نحو (1000) ألف طالب أو يزيدون ممن عرف أنه كان له صلة بالإخوان المسلمين وأغلقت في وجوههم معاهد التعليم واعتقل الكثير منهم وفصل الباقون وأصبحوا مشردين في الشوارع والطرقات في هذه السن التي تشتعل فيها قوة الشباب البدنية والذهنية وتنمو فيها كل عوامل النشاط والحيوية التي إن لم تعرف الخير فإنها ولا شك تنصرف إلى الشر والضرر والفساد.

4- مصادرة الأموال الخاصة والشركات

وكان من أعجب الأمور أن تصدر الأوامر العسكرية بمصادرة مرتبات وأموال عدد كبير من المواطنين لا لشيء إلا أنهم كانوا في يوم من الأيام أعضاء في الإخوان المسلمين فيذهب التاجر أو الموظف إلى المصرف لسحب بعض أمواله فيجد هناك الأمر العسكري قد سبقه بمنع البنك من صرف شيء حتى تصدر تعليمات أخرى مع أن هذه الأموال أمواله الخاصة أو مرتبه الشخصي فلا هي أموال هيئة أو أموال جمعية أو أموال مؤسسة ولكنها ماله الخاص ومع ذلك لم تفرق الأوامر بين عام وخاص!!.

وهناك شركات هي:-

  • شركة المناجم والمحاجر العربية..
  • شركة الإخاء الإسلامي بفرشوط..

وهذه كلها لا صلة لها بهيئة الإخوان أو مشروعات الإخوان ولا بمنشئات الإخوان ولكنها وضعت هذا الاسم من باب الدعاية التجارية وفيها رؤوس أموال ضخمة ومساهمين وضعوا كل ثروتهم فيها فشركة الإخوان للتجارة بميت غمر يملكها خمسة وضع كل شريك منهم ألف جنيه هي كل ثروته وبارك الله لهم في رزقهم وصاروا بشركتهم علي خير حال حتى نكبوا بهذا النكبة التي لم تكن تخطر لهم علي بال، وقد أثبتوا بالدليل القاطع أن هذه هي أموالهم الخاصة وأن لا صلة لها بأموال الإخوان ومع ذلك فقد صدر الأمر بوضع هذه الشركة تحت الحراسة.. وبقية الشركات لازالت إلى تاريخ هذا البيان مغلقة الأبواب.. ولقد بلغ عدد الموظفين المتعطلين بسبب إغلاق هذه الشركات 500 خمسمائة شخصًا ما بين موظف وعامل وأصبحوا الآن ولا مورد لهم يهيمون علي وجوههم في كل واد.

5- التفتيش والرقابة والإزعاج

وقد دأب البوليس منذ صدرت هذه الأوامر علي مضايقة كل من يظن أن له أقل اتصال بالإخوان بتفتيش منزله في غسق الظلام وترويع النساء والأطفال عدة مرات أو تفتيش متجره كذلك تم فرض رقابة علي التليفونات والخطابات والأشخاص والمنازل والتنقلات حتى علي السيدات تخنق الأنفاس وتقتل الحريات ويتنافى مع كل أمن وهدوء واطمئنان وكثيرًا ما يدعى الناس إلى المركز أو الأقسام وتوجه إليهم أسئلة في بلاغات كيدية أو اتهامات شكلية أو تافهة ولا يراد من ذلك كله إلا الإحراج والإعنات.

هذه بعض نماذج من المظالم الواقعة علي الإخوان المسلمين في هذه الأيام والتي لم ير التاريخ لها مثلاً في سالف الزمان وإذا عرف أن الإخوان المسلمين منتشرين في كل قرية وفي كل مدينة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان وأنهم هم وأقاربهم وجيرانهم وكل المتصلين بهم يعيشون في هذا الجو المضطرب أمكننا أن نتصور إلى أي مدى تعمل الحكومة نفسها على الإخلال بأمن الشعب وراحته وطمأنينته وهي المسئولة عن أن تدفع عنه الظلم وتوفر الهدوء والاطمئنان.

6- المحاكمات والتلفيقات

وتنص أحكام الأمر العسكري علي محاكمة كل خمسة من أعضاء الإخوان يجتمعون في مكان بقصد العمل علي تحقيق بعض أغراض الجماعة وذلك الشرط قلما ينظر إليه أحد وكانت النتيجة أن أصبح الإخوان الذين عاشوا في مجموعات الاخوة عشرين سنة لا يستطيع خمسة منهم أن يلقى بعضهم بعضا في أي مكان. لقد فتح هذا النص باباً واسعاً للدسائس والوشايات فيكفي أن يبلغ إنسان أن خمسة في دكان حلاق أو بقال أو في منزل صديق أو قريب حتى يداهمهم البوليس ويقبض عليهم ويسوقهم إلى السجن ثم النيابة العسكرية بعد عدة أيام ليحكم عليهم بعقوبة أقلها ستة أشهر فهل رأى الناس مثل هذه الأحكام في أي بلد من البلدان؟؟.


الفصل الثاني: بطلان اتهام الحكومة لالإخوان

لقد اتهمت الحكومة الإخوان المسلمين بثلاث إتهامات كلها باطلة:

اتهمتهم بأنهم عصابة إرهابية تشجع الجريمة وتهدد الأمن وتعبث بالقانون وبأنهم تحولوا من جماعة دينية إلى هيئة سياسية.

وأنهم يعملون في سياستهم علي قلب نظام الحكم.

وسنبين بالدليل والبرهان بطلان كل هذه الاتهامات وأنها ليست إلا ذريعة لستر السبب الحقيقي للعدوان على الإخوان.

1- بطلان اتهام الجريمة والإرهاب

آراء سعادة وكيل الداخلية "عبد الرحمن بك عمار" أن يثبت على الإخوان هذا الاتهام فكتب مذكرة مطولة اعتبرها الحاكم العسكري أساساً لصدور الأمر بحل الإخوان وعملت الحكومة علي إذاعتها ونشرها علي التجار والعمال والطلاب في كل مكان وطبعت به ملحقا خاصاً للوقائع المصرية وقد أورد فيها وكيل الداخلية ثلاثة عشر حادثة أسماها جرائم ونسبها إلى الإخوان وقد كتب المرشد العام لالإخوان ردًا علي هذه المذكرة فند به كل ما جاء فيها ولكن هذا الرد لم ينشر طبعاً ولا يمكن أن تسمح الرقابة بطبعه ونشره علي الناس بل إن وجود صورة منه مع أحد كانت كافية لاعتقاله وسجنه.

وخلاصة هذا الرد أن هذه الحوادث لا تخرج عن أربعة أقسام.. بعضها مكذوب وبعضها مفترى لا أصل له كحادثة ضبط الإخوان بالإسماعيلية يتدربون علي صنع القنابل والمفرقعات وبعضها حكم فيه ببراءة الإخوان براءة تامة كالحادثة الأولي التي افتتح بها سعادة الوكيل مذكرته وهي الجناية العسكرية التي اتهم فيها اثنان من الإخوان وحكم ببراءتهما من هذا الاتهام.. وبعضها كان العدوان فيه علي الإخوان فلم يكونوا معتدين ولكن معتدى عليهم أفظع اعتداء كقضية مدرسة شبين الكوم التي استشهد فيها أحد طلاب الإخوان وحكمت المحكمة.. علي قاتله بخمسة عشر عاماً وتعويض قدرة ألف من الجنيهات.. وبعضها فردية عن دوافع شخصية أو عائلية لا صلة مطلقاً بينه وبين هيئة الإخوان أو إحدى شعبها في أي مكان.

فكيف تتخذ أمثال هذه الحوادث دليلاً علي إدانة يترتب عليها الحكم بالحل وهو الإعدام علي أكبر هيئة ظلت عشرين عاما تخدم المجتمع و الإسلام ويكفي لدحض هذه التهمة وإبطالها أن الإخوان عاشوا عشرين عاما طوالا يزداد نشاطهم في ظل القانون فلم يستطع أحد أن يعتدي عليهم إلا في غيبته وبسلاح الأحكام العرفية وهي سلطة استثنائية لم تمنح لمثل هذه الشئون والأحوال.

رد شبهات:

أما ما يوجه لالإخوان من شبهات في هذا الباب فهذا بيانه، ورد بغاية الوضوح والبيان.

1- ما وجد في بعض أماكن لالإخوان من أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات معروف سببه

وهو أن الإخوان كانوا هم الهيئة العاملة النشيطة التي ساعدت الهيئة العربية العليا في الحصول على أسلحة من مختلف الأماكن وساعدت إخوان فلسطين عند حضورهم إلى مصر لمشتري السلاح بكل ما استطاعت من مساعدة وساعدت الجامعة العربية رسمياً في هذا السبيل وجهزت معسكراً كاملاً باسم الإخوان في السويس ثم في النصيرات وفي البريج فهذه الأسلحة للمجاهدين من الإخوان أو الفلسطينيين أو الهيئة العربية - والحكومة نفسها تعرف ذلك ولم تكن تنكره حتى تغيرت سياستها عدة مرات فكانت أحياناً تطلق الحرية للناس وأحياناً تصادر ما يجمعونه بأموالهم من سلاح بعد إذنها لهم بذلك وأحياناً تسمح بسفر هذا السلاح للمجاهدين وأحياناً تمنع السفر إلى حين وهكذا - فهذا السلاح كان مدخراً لقضية فلسطين التي أفسدتها علينا سياسة الحكومات المترددة التي أسلمت نفسها للمطامع تارة وللغاصبين تارة أخرى حتى وصلنا إلى هذه النتيجة المحزنة التي لم يكن يتوقعها أشد المتشائمين. فالغرض من هذا السلاح معروف والسبب في عدم تسليمه تردد الحكومة وتناقض سياستها واستمرار الأمل في الاستفادة منه بيد المجاهدين في فرصة من الفرص فلم يكن عدة إرهاب ولا أداة عدوان.

2- حوادث الانفجارات في المحلات اليهودية

يجب أن نكون منصفين في الحكم وأن نسأل أنفسنا بخصوص هذه الحوادث هذه الأسئلة:

هل ثبتت هذه الحوادث على أحد بخصوصه إلى الآن؟ مع أنها لازالت رهن التحقيق. وعلى فرض ثبوتها على أحد فهل ثبتت صلة هذا الفاعل بالإخوان المسلمين؟ وما مدى هذه الصلة إن وجدت؟ وإذا فرضنا انه من صميم الإخوان فهل ثبت أن الهيئة أمرته بهذا أو شجعته عليه أو وافقت عليه أو أذنت له فيه؟؟.

هذه أسئلة يجب أن نجيب عليها قبل أن نحمل الهيئة النافعة العاملة تبعة هذا الاتهام. على أن هذه الحوادث في حقيقتها لا تخرج عن أنها أثر من آثار تحمس بعض الشباب بمناسبة الحرب وبمناسبة موقف المواطنين الإسرائيليين الجامد من مساعدة فلسطين العربية وموقف بعض المصريين منهم بالمشايعة والمناصرة وثبوت مساعدة كثير من العناصر اليهودية في مصر للصهيونيين في فلسطين مساعدة كبرى كان لها أثر بالغ في ترسيخ أقدامهم وتنظيم مستعمراتهم وإمدادهم بالسلاح والمال. وأمام هذه العوامل وفي غمرة السفور ومقتضياتها اندفع بعض الشباب إلى الأعمال وعليهم وحدهم تبعتها وأمرهم في ذلك لله.

3-حادثة الخازندار بك رحمه الله

لم يكن أحد أشد أسفاً على هذا الحادث من الإخوان لأنه ألقى عليهم هذه الشبهة التي ما كانوا يرضون لتلقي عليهم في يوم من الأيام ولا يتصور أنه كان بتدبير من الهيئة أو بإيعاز منها وكثيراً ما تكون الحوادث وحدها هي الدافع إلى مثل هذا العمل فقد جاءت أحكام الخازندار بك رحمه الله على الطلاب الذين ألقوا القنابل على أندية الإنجليز بالإسكندرية صارمة قاسية إذ حكم على كل طالب منهم بعشر سنوات مع أنه أصدر على "حسن قناوي" سفاح الإسكندرية - مثلا - بسبع سنوات. وكان الطلبة يتصورون أنهم يستطيعون بحركاتهم هذه أن يحققوا أهداف الوطن ويزعجوا الإنجليز فلا يتشددون مع المفاوضين المصريين ومثل هذه الأحكام - في عرفهم - تعوق نشاط هذه الحركة الوطنية فيما يعتقدون ومن هنا اندفع هذان الطالبان إلى هذا العمل ولسنا نسوق ذلك رضاً بما عملا أو دفاعاً عنهما بعد أن قال القضاء كلمته ولكننا إنما نسوقه لندفع عن هيئة الإخوان أن تكون هي مصدر التدبير أو الإيعاز.

4-حادث دولة النقراشي باشا

ولا زال بين يدي القضاء وقد وقع ولا هيئة تسأل ولا قيادة تدبر إذ كانت قيادة الإخوان بين معتقل أو مراقب وهو رد الفعل الذي كنا نتحاشاه ونتمنى أن لا يقع ولكن ما كل ما يتمني المرء يدركه وعواقب الأمور بيد الله.

5-حادثة المحكمة

لقد استنكر المرشد العام اشد الاستنكار وبعث بكلمة في هذا الصدد للجرائد فلم تنشر وألم له الإخوان في كل مكان أشد الألم ونعتقد أنه تدبير ضد الإخوان أريد به إفساد خطتهم التي كانت تقوم على التفاهم مع الحكومة والتي مهد لها المرشد العام بيانه الذي نشر في الجرائد قبل الحادثة بيومين اثنين ويجب - والحادث لازال تحت التحقيق - أن نذكر أنفسنا بالأسئلة الثلاثة الماضية وهي : هل ثبت أن هذا المقبوض عليه هو الذي ارتكبه مع أنه مصر على الإنكار وما مدي صلته بالإخوان ؟ ؟ وهل أمر به أو شجع عليه من قبل أحد منهم؟؟ على أن العدالة تقضي بأن كل الحوادث التي تقع بعد الحل إنما يسأل عنها معهم الحكومة التي تحرم على الإخوان أن يجتمعوا أو يتناصحوا أو يزنوا تبعة عمل من الأعمال.

6-خطابات التهديد

ولقد توالت خطابات التهديد إلى الحكام ودور الحكومة والمنشآت العامة وشجعت الحكومة نفسها -هذه الحركة بنسبها إلى الإخوان واتهامهم بها ظلما وعدواناً والنشر عنها في الجرائد حتى صارت عبثاً سخيفاً ومداعبة ثقيلة ومسلاة يتسلى بها الأطفال في المدارس ويزعجون بها الآمنين من الآهلين ومع هذا فلم يثبت إلى الآن أن خطاباً واحداً من هذه الخطابات كتبه أحد الإخوان وأن الإخوان ولا شك يستنكرون هذا الصغار ويحذرون من الإصغاء أو التأثير بمثل هذه الأوهام. وقد بلغت الجرأة بهؤلاء العابثين أن يوجهوا مثل هذه الخطابات إلى القصر الملكي باسم الإخوان - و الإخوان يبرأون إلى الله من كل من يلجأ إلى هذا الدس الحقير ويسألون الله تبارك وتعالى أن يحفظ جلالة الملك المعظم ويؤيد عرشه وأن يجعل عهده عهد أمن وطمأنينة وسلام وعدل وإنصاف آمين.

وبعد:

هذا البيان يتضح لكل منصف براءة الإخوان المسلمين من هذه التهمة تهمة الجريمة والإرهاب وبقي أن نوجه هذا السؤال: من المسئول الآن عن اضطراب الأمن ووجود هذه الحالة من القلق والذعر في جميع أنحاء البلاد ؟ ؟ وكيف السبيل إلى إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي من الهدوء والاستقرار؟. الحكومة بإقدامها على حل الإخوان المسلمين بلا مبرر ومبالغتها بعد ذلك في ظلمهم واضطهادهم وهم هذه المجموعة الضخمة من أبناء البلد واستمرارها في هذا الظلم والاعتداء هي المسئولة ولا شك عن هذا الاضطراب والسبيل إلى عودة الأمور إلى طبيعتها من الهدوء والاستقرار معبدة ميسرة مأمونة: هي إلغاء هذا القرار ورفع هذا الظلم عن هؤلاء المواطنين الأخيار وأخذ المجرم بجريمته في حدود القانون بالعدل والإنصاف، وبغير هذا ستظل هذه الحالة وتزداد وتكون الحكومة قد وضعت بيدها بذور ثورة لا يعلم مداها إلا الله.

وإن الإخوان لازالوا معتصمين بالحكمة والصبر مستسلمين لقضاء الله تبارك وتعالى راضين بحكمه ولكن العقلاء منهم يخشون أشد الخشية أن يفلت الزمام منهم إن استمرت الحكومة في الاعتداء على الأبرياء والتضييق على الأحرار الفضلاء ونهاية الضغط والانفجار وحق الدفاع عن النفس والمال حق مشروع في كل زمان ومكان.

بطلان اتهام الانحراف عن الدين إلى السياسة

وهذه التي طالما كتب فيها الإخوان وأطالوا وأسهبوا وخلاصة ما قيل ويقال إن هناك أربع نظرات يجب أن يتأملها المنصف قبل أن يصدر حكمه في هذا الاتهام :

الأولى: أن طبيعة الدين الإسلامي نفسه لم تفرق بين الدين والسياسة وتعرض الإخوان للسياسة سواء أكانت من حيث المطالبة بحرية البلاد وحقوقها أم وجوب الأخذ بنظم الإسلام الحنيف في أوضاعها الاجتماعية على اختلافها ففرض مستمد من الإسلام نفسه ومعتمد عليه وهو جزء من أجزاء هذا الدين لا انحراف فيه.

الثانية: أن الإخوان في الحقيقة قد اضطروا إلى ذلك اضطراراً بفعل الحوادث والظروف وحدها فقد كان نشوب الحرب العالمية الثانية وإعلان الأحكام العرفية وكبت الحريات وتوجيه الاضطهاد إلى الإخوان بحيث لم يكن منفذا للدفاع إلا مجلس النواب ثم كانت الهدنة بعد ذلك وتطلع الشعوب إلى استكمال استقلالها والحصول على حقها مع ضعف الهيئات السياسية في مصر وتفككها واختلافها.. كل ذلك دفع بالإخوان وهم هيئة شعبية كبري إلى هذا المسرح ومع هذا فقد أبلت أحسن البلاء في هذا الميدان وساهمت في قضية الوطن وقضايا البلاد العربية والإسلامية بأوفى نصيب ولو أخذ الساسة والحكماء بما أبدي الإخوان من آراء في علاج قضية فلسطين وحل قضية السودان لما وصل بهم إلى هذا الحال وقرارات ومؤتمرات الإخوان وهيئتهم التأسيسية ومذكراتهم ورسائلهم خير شاهد على صدق هذا الكلام

الثالثة: أن الإخوان لم يعملوا يومًا من الأيام على أساس المناورات الحزبية أو المغانم السياسية ولكنهم عملوا بروح الوطنيين المتجردين الذين ينظرون إلى المسائل من حيث نفعها للوطن إحساسًا بمصلحته وإن كانت طبيعة الحزبية السياسية لم تعفهم من مظاهر الخلاف والخصام ولكنهم مع ذلك لم يخرجوا عن حدود الدفاع المهذب وتمني الخير للجميع والترحيب بالوحدة والجماعة والدعوة إليها في كل حدث من الأحداث.

الرابعة: أن الإخوان حين اقتحموا هذا الميدان منذ سنة 1945 كانوا أمناء على مبادئهم وخطتهم ومشروعاتهم فأعلنوا بمناسبة صدور قانون الجمعيات الخيرية أنهم يفصلون تمام الفصل نشاطهم الاجتماعي الخيري عن نشاطهم الديني والوطني وظلوا يعملون في الميدانين في حدود النظام والقانون وسجلت جمعياتهم في وزارة الشئون الاجتماعية ولم تر حكومة من الحكومات في هذا الوضع انحرافاً عن الدين أو خروجا على القانون أو منافاة للنظام أو تنكرًا لمبادئ الجماعة نفسها حتى يقول سعادة وكيل الداخلية "إن هذه الجماعة قد خرجت على نظامها الأساسي" مع أن كل ما هناك تنظيم وتفصيل..

بطلان اتهام العمل على قلب نظام الحكم

وهذه في الواقع أعجب الاتهامات ولا ندري أي نظام حكم يعني هؤلاء المتهمين، إن نظام الحكم في مصر إما ديني وهو الإسلام الذي ينص الدستور على أنه دين الدولة الرسمي وما مدني وهو النظام الديمقراطي الذي يقوم على إرادة الشعب واحترام حريته والذي فصله الدستور تفصيلا فهل الإخوان المسلمون يعملون على قلب أحد هذين النظامين اللهم لا!! وألف مرة لا!! فإن أساس دعوة الإخوان هو الإسلام ولا وسيلة لهذه الدعوة ولا حماية لها إلا بالدستور الذي يكفل الحريات فكيف يوجه إلى الإخوان مثل هذا الاتهام والحق أن الذي قلب نظام الحكم فعلا هو هذه الحكومات التي أهملت أحكام الإسلام وعطلت روح الدستور.

هذه المنكرات الفاشية وهذه الدور المشيدة للهو واللعب والخمر والميسر والرقص والعبث والفساد وهذه الفرائض المهدرة التي لا يؤديها الكبار ليكونوا قدوة لغيرهم من الناس وهذه الأحكام المستمدة من غير كتاب احكم الحاكمين كل ذلك هدم للإسلام وقلب لنظام المجتمع الذي يؤمن بالإسلام وهذه المظالم الواقعة على الأفراد والجماعات وإهدار الحقوق وكبت الحريات ومنع المجالس والبرلمانات وتزييف إرادة الشعب في الانتخابات قلب لنظام الحكم المدني الذي يقوم على الدستور وليس المسئول عن ذلك الإخوان المسلمين ولكن الحاكمين المسيطرين. وإنما يريد الإخوان صلاح الحال واستقامة الأوضاع الدينية والدنيوية في هذا البلد الأمين بوسيلة معروفة مشروعة هي الدعوة والاجتماع والتربية وحسن التوجيه وذلك حق لكل مواطن لا يحول بينه إلا كل ظالم معتد جبار والله من ورائهم محيط.

على أنه إذا كان الكيد والألم من هذا الحال المقلوب وهذا الباطل الزائف الذي يلبس ثوب الحق زوراً قد وصل ببعض الشبان من الإخوان أو غير الإخوان إلى أن يتخيلوا أو يفكروا أو يظنوا أن في مقدورهم أن يغيروا هذا الوضع الفاسد بوسائل من العنف كاستخدام القوة فهؤلاء مسئولون عن نتائج تفكيرهم وليست هيئة الإخوان مسئولة عنهم أو عن غيرهم ما دام طريقها واضحاً ووسيلتها معروفة معلنة على الخاص والعام مقررة في قوانينها ونظمها ورسائلها لم تخرج عليها يومًا من الأيام.

ومن الإنصاف أن نقول لوجه الحق إن الحكومات المتعاقبة والتيارات السياسية في مصر مسئولة مسئولية كبري مع هؤلاء الشبان عن سلوكهم هذا الاتجاه فهي بتماديها في الباطل وكبتها للحق دفعتهم دفعاً إلى هذا السبيل ونحن لا ندافع بهذا القول عن هذا الاتجاه الذي لا نشجعه ولا نرضاه فأن خطتنا الصبر والمطاولة والتربية والتكوين والانتظار ولكنها كلمة حق يجب أن تقال لعل فيها تبصرة وذكري ونذيراً للغافلين عن تطورات النفوس وتقلبات الأحوال.


الفصل الثالث : السبب الحقيقي لإصدار أمر الحل وموقف الحكومة المصرية من الإخوان

وإذا كانت هذه الأسباب التي ذكرها سعادة وكيل الداخلية في مذكراته كلها باطلة وهذه الاتهامات التي وجهها لالإخوان غير صحيحة فما السبب الحقيقي لإصدار أمر الحل ووقوف الحكومة المصرية من الإخوان هذا الموقف الشاذ الذي لم تقفه من أحد حتى من الصهيونيين أعدائها المحاربين والجواب على ذلك أن هناك عدة أسباب منها:

1- الضغط الأجنبي

فلقد أقر سعادة وكيل الداخلية بنفسه للأستاذ المرشد العام أن مذكرة قدمت إلى النقراشي باشا من سفير بريطانيا وسفير فرنسا والقائم بأعمال سفارة أمريكا بعد أن اجتمعوا في فايد في 6 ديسمبر تقريبًا يطلبون فيها المبادرة بحل الإخوان المسلمين وذلك بالطبع طلب طبيعي من ممثلي الدول الاستعمارية الذين يرون في الإخوان المسلمين أكبر عقبة أمام الامتداد لمطالبهم ولشعبها في وادي النيل وفي بلاد العرب ومواطن الإسلام وليست هذه أول المرات التي طلب فيها مثل هذا الطلب بل هو طلب تقليدي كان يتكرر دائما على لسان السفير البريطاني في كل المناسبات لكل الحكومات وكانت كلها تحجم عن إجابته حتى في أحرج الأوقات فلقد طلبت السفارة من رفعة النحاس باشا في سنة 1942 (والحرب العالمية على أشدها والألمان على الأبواب) حل الإخوان المسلمين وتعطيل نشاطهم فأبى أن يجيبه إلى ذلك واكتفى بإغلاق الشعب كلها مع بقاء المركز العام إلى حين وكان في وسع دولة النقراشي باشا رحمه الله أن يرفض هذا الطلب أو أن يتفاهم مع الإخوان على وضع يريحهم ويريحه ولقد كان الإخوان على أتم الاستعداد لهذا التفاهم وبخاصة بعد عودة المرشد العام من الحجاز على أنه لم يفعل وخطا هذه الخطوة التي لا تدل إلا على أن مصر لازالت للأجانب قبل أن تكون لأبنائها وأنه لازال للأجانب كل النفوذ والسلطان في هذه الأوطان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

2-التمهيد للمفاوضات

كما أن من هذه الأسباب كذلك التمهيد لإجراء المفاوضات مع الإنجليز من جديد وقد علم الخاص والعام أن الإخوان هم أعظم العقبات ضد المساومة على حقوق البلاد والعبث البريطاني بها في مناورات المفاوضات وقد أشارت إلى ذلك الصحف الأجنبية بمناسبة قرار الحل فكان طبيعيا أن يمهد للمفاوضات المنتظرة بحل الإخوان وشغلهم بأنفسهم عن مجريات الأمور وتقلبات الأحوال وعن التطلع إلى ما يجري بالسودان من فظائع ومآسى ونكبات وها هي ذا بوادر السياسة ونتائجها بدأت في الظهور الآن وسيعيد التاريخ نفسه من جديد فتتآلف الأحزاب وتتم المفاوضات وتوقع المعاهدة وتصبح معاهدة المجد والفخار.

3-ستر الفشل في قضيتي فلسطين والسودان

ولقد فشلت الحكومة المصرية والحكومات العربية فشلاً ذريعاً في حل قضيتي فلسطين والسودان وتعلم الحكومة تمام العلم معرفة الإخوان الدقيقة ببواطن الأمور وأسباب هذا الفشل وتشعر بأنهم سيشددون عليها الحساب فأرادت أن تسبقهم إلى ذلك وأن تستر هذا الفشل بهذا الإجراء ولعلها كانت تتوقع أن يثور الإخوان في مصر أو يتمرد المتطوعون منهم في فلسطين فتحملهم تبعة ما يكون بعد ذلك ولكن الإخوان لا يسعهم في دينهم وإخلاصهم لوطنهم وأمتهم إلا أن يسدوا على الفتنة كل الثغرات فلم يكن منهم إلا ضبط الأعصاب وتحمل الصدمة بالصبر والثبات ومعالجة الأمور بالحكمة والإنارة والعافية للمتقين.

4-الإعداد للانتخابات القادمة

كما وقر في نفس القائمين بالحكم أنهم هم الذين سيجرون الانتخابات القادمة في هذا العام وأنهم بذلك يستطيعون أن يكتسبوا دورة برلمانية جديدة بالأساليب المعروفة في الانتخابات وهم يعلمون مدي تغلغل فكرة الإخوان في نفوس الشعب ومختلف طبقاته وبخاصة في القرى والريف فكان طبيعياً أن يحسبوا حساب منافستهم في هذا الميدان وأن يحاولوا بمثل هذه الضربة أن يباعدوا بينهم وبين بعض الجمهور ويشوهوا جهادهم هذا التشويه على ملأ الناس وهكذا تلعب الروح الحزبية دورها في مثل هذا الشأن الخطير النتائج العميقة الآثار.

5-الأصابع الخفية

ولا ننسي في هذا المضمار عمل الأصابع الخفية والدسائس من ذوي الغابات الذين خاصموا هذه الدعوة من أول يوم وتربصوا بها الدوائر حتى أمكنهم منها الفرصة وساعدتهم الظروف فاحكموا الخطة ودأبوا على التدبير والكيد حتى وصلوا في النهاية إلى ما يريدون فاليهودية العالمية والشيوعية الدولية والدول الاستعمارية وأنصار الإلحاد والإباحية كل هؤلاء من أول يوم يرونه في الإخوان ودعوتهم السد المنيع الذي يحول بينهم وبين ما يريدون من تحلل وفوضى وإفساد ولا يألون جهدا في معاداتهم بكل ما يستطيعون وهم لم يستطيعوا كتمان شعورهم هذا ولا إخفاء سرورهم وفرحهم لنجاح خطتهم حين أعلن قرار الحل فأقاموا المآدب والولائم وتبادلوا التهاني وجعلوه يومًا من أيام المواسم والأعياد. وهكذا أقرت الحكومة المصرية بهذا التصرف أعين الضالين المضلين بالعدوان على المؤمنين العاملين وإلى الله المشتكى والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون وتلك الأيام نداولها بين الناس ولله عاقبة الأمور.



الفصل الرابع : ماذا قدم الإخوان لوادي النيل وبلاد العروبة ووطن السلام؟

وحتي نقرب للتصور والأفهام مبلغ الخسارة الفادحة التي أصابت الوطن و الإسلام بتعطيل نشاط الإخوان المسلمين ولو إلى حين نضع بين يدي الرأي العام هذه الصورة المصغرة جداً من آثار جهاد الإخوان خلال عشرين عاما مضت حافلة بأعظم الأعمال.

1-فكرة جديدة وشعور جديد:

لقد أعلن الإخوان في الناس أن الإسلام نظام اجتماعي كامل فهو ليس دينا فقط بالمعني الذي قررته النظم الأوربية في الأذهان مقتصراً على المعابد والصوامع والخلوات ولكنه: دين ودولة ونظام كامل للحياة بتناوله كل شيء في مجتمع المؤمنين به والمفتدين له وليست هذه الفكرة جديدة في الحقيقة لأنها طبيعة الإسلام الذي جاء به رسول الله سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم عن ربه فانشأ دنيا وأحيا أمة وأقام دولة وأسس حضارة دونها كل الحضارات السابقة واللاحقة ولكن الجديد هو إحياؤها في النفوس ولفت الأنظار إليها بعد أن كادت تصبح في زوايا النسيان والإهمال بسبب غلبة الثقافة الغربية والخديعة بما جاءت به من نظم وإصلاحات وقررته في الأذهان من مبادئ وأوضاع تفصل بين الدين والدنيا في مختلف شئون الاجتماع.

2-جيل جديد:

ولا شك أن دعوة الإخوان انشأت جيلاً جديداً من الناس يعيش بفكرة ويعمل لغاية ويكافح في سبيل عقيدته ويعطي ولا يأخذ ويؤمن بالله واليوم الآخر ويتمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق ويؤثر البذل والتضحية في سبيل الله وابتغاء مرضاته ويعزف عن الشهوات الدنيا ومطامعها الزائلة ويتميز في المجتمع بذوق خاص وحكم خاص وفلسفة عالية بطبقها الصغير ويوضحها الكبير ويشترك في الشعور بها أبناء الفكرة على السواء وأن اختلف أسلوب التعبير.

لقد كان المواطن المصري يكره الغربة وينفر من الهجرة ويفر من الموت ويخاف من تبعات الجهاد لا في قصور في طبعه - فهو أفضل الطباع - ولا عن نقص في نفسه - فهي أعلى النفوس - ولكن على ضعف في أساليب التربية وسوء في معاني التوجيه وخلو من الأهداف والآمال فجاءت دعوة الإخوان تحارب هذا كله بالتربية القويمة والتوجيه الصحيح ووضع الهدف الواضح المستنير أمام هذه النفوس المشرقة بطبعها ومواريثها وعمق إيمانها فنشأ جيل عزيز كريم مغامر لا يبالي أن يذهب إلى أقصي الأرض في سبيل مختار على قصر المدة واضطراب الظروف والأحوال بهذه فيلقى الموت باسماً كأنه يزف إلى عروس ويقدم لالجهاد ما يملك من طريف ولقد ظهرت هذه الخصائص بأوضح صورها في المتطوعين من الإخوان في فلسطين أولئك الذين أتوا بالأعاجيب وكانوا أمثال الشجاعة والنزاهة والعفة والأمانة وحسن الأخلاق وقاموا دليلا عمليا على نجاح أسلوب الإخوان في تخريج الرجال وبناء الأجيال يقطع لسان المكابرين ويأخذ السبيل على المجاهدين.

3-مدارس ومعاهد ومساجد:

ولقد تألف لالإخوان في مصر وحدها (2000) ألفا شعبة وفي السودان خمسين فكانت كل دار من دورها معهداً للثقافة الشعبية ولقد أسس الكثير منها المنشآت العلمية والدينية وبعض المدارس والمعاهد الليلية والنهارية فأحدثت حركة ثقافية كانت منار التقدير والإعجاب.

4-شركات ومصانع ومنشآت اقتصادية:

لقد وجهت هذه الدعوة الشبان إلى الميدان الاقتصادي وساعدت على إنشاء عدة شركات تتبعها عدة مصانع كان يعمل فيها أكثر من 500 شاب ما بين موظف وعامل وأخذت روح المغامرة الاقتصادية تدب في نفوس الكثيرين من غيرهم وكانت هذه المعامل الشركات تمثل فكرة اجتماعية طيبة هي فكرة تضامن العامل مع صاحب العمل بروح الاخوة الإنسانية مع المساهمة الاقتصادية أيضاً فالعامل مساهم في المصنع وله جزء من رأس المال وبذلك قضى تماماً في هذه البيئة على أسباب الخلاف وكانت تجربة موفقة ناجحة كل النجاح.

5-صحف وجرائد ومجلات:

ولقد أمدت الدعوة المجتمع المصري بغذاء ثقافي بما نشرته من صحف وجرائد ومجلات وكتب فكانت هناك جريدة الإخوان اليومية ومجلة الإخوان الأسبوعية ومجلة الشهاب الشهرية إلى مجموعة من الكتب القيمة تسابق في تأليفها ونشرها ُكَّتاب من الإخوان في التاريخ والأدب والاجتماع.

6-مؤسسات طيبة وأندية رياضية وبر وإحسان:

وكان لجماعات أقسام البر والخدمة الاجتماعية فضل كبير في إنشاء عيادات ومستوصفات في كثير من الأحيان وإنشاء مستشفي شعبي في حي العباسية مع توجيه الشباب إلى العناية بالناحية الرياضية والاتصال بالأندية في هذه الناحية مما جمع بين طب الوقاية وطب العلاج ودرس مشروع التأمين الصحي للأعضاء وكان على وشك النفاذ وكان لالإخوان بعد هذا فضلا بتنظيم الإحسان والصدقات في كثير من القرى والبلدان.

7-وحدة جامعة:

وفوق هذا كله فقد كانت دعوة الإخوان في الحقيقة وحدة جامعة للعناصر الحية العاملة المخلصة في كل بلاد العروبة ومواطن الإسلام وكانت بذلك تمثل أحسن تمثيل الجامعة العربية الشعبية أو الجامعة الإسلامية بعبارة أوسع فهي حلقة الاتصال بين الهيئات والجامعات الإسلامية في كل هذه البلاد والتواصل والتراسل دائم بينها في كل وقت وبخاصة أمام الظروف الطارئة والأحداث الجسام ومن هنا ساهمت الدعوة في كل الحركات التحررية للبلاد العربية والإسلامية فاتصلت بسوريا و لبنان في محنتهما حتى جلا عنها الفرنسيون وتم لهما الاستقلال وأبلت في قضية فلسطين أحسن البلاء وشاركت الباكستان في شعورها وأملها وألمها حتى ظهرت إلى الوجود وكان لها في الحركة الإندونيسية الأثر المحمود حتى أن الحزب الإسلامي أعلن إنضمامه لالإخوان وظلت الدعوة كذلك تناضل مع أحرار شمال أفريقيا في سبيل حقهم المغصوب إلى الآن فضلاً عن تنبيهها الأذهان إلى حقوق الأقليات الإسلامية في مختلف الأوطان فكانت بذلك وحدة بين المسلمين أينما كانوا أساسها وحدة الألم والأمل ولحمتها العمل والإيمان. هذا بعض ما قدم الإخوان المسلمون للأمة خلال كفاحهم المبارك فهل من الأحزاب والهيئات من سلك هذا السبيل أو قدم مثل هذا المنهاج والإنتاج ويا ويح أمة تقدر على الهدم ولا تحسن البناء وإنا لله وإنا إليه راجعون.



الفصل الخامس : خطوات التفاهم قبل الحل وبعده

إننا نعلم أن خصوم هذا الوطن كثيرون وهم له بالمرصاد وان الأمة في هذه الظروف أحوج ما تكون إلى كل ذرة من جهود أبنائها حاكمين ومحكومين وكل دقيقة من وقتهم تصرف في النافع المفيد من الأعمال وقد قدرنا التبعة التاريخية الجسيمة التي يتحملها من يتسبب في صرف الشعب عن واجبه في هذه الأوقات ولهذا تحملنا الصدمة العنيفة التي لم نكن نتصورها بصبر عجيب وتلقيناها بهدوء وثبات وحاولنا أن نمهد السبيل للحكومة لتراجع نفسها وتعيد الأمور إلى نصابها وبذلنا جهد المستميت في سبيل تفادي الكارثة والعمل على حصر نتائجها السيئة في أضيق نطاق وكل ما ترجوه من وراء ذلك أن نعذر إلى الله والناس ولكن المسئولين هداهم الله أبوا إلا أن يضاعفوا مظاهر الظلم ويسيروا في طريق الاعتداء إلى النهاية ويبالغوا في التنكيل بالأبرياء.

من حق الرأي العام علينا أن نطلعه في هذا البيان بما اتخذنا من خطوات للتفاهم حتى يتحمل المعتدون وحدهم أمامه تبعة النتائج التي تترتب على مسلكهم وحتى يعمل المخلصون الغيورون معنا على النصح لهم بالعدول عن خطئهم ومن الإنصاف أن نقول للضارب كف قبل أن نقول للباكي أسكت والله نسأل أن يهدينا جميعاً سواء السبيل.

لقد اتصل المرشد العام لالإخوان بالحكومة عقب عودته من الحجاز ليوضح لهم وجه الحق وليتفاهم معها على ما تريد فأوصدت الباب واستعان في ذلك ببعض من لهم بها صلة فأبت إلا ما اعتزمت من قرار ولم يقل هذا من عزمه فوالى اتصالاته بكل الجهات ولكن الحكومة كانت قد صممت فلم يفد معها نصح الناصحين ولا مشورة المخلصين.

وفوجئت الأمة بهذا القرار الخطير - قرار حل الإخوان - الذي خسرت به البلد - إلى حين - هيئة من انشط الهيئات العاملة لخيرها ولم يكن أحد يتصور أن ملحقاته وتنفيذه سيكون بهذه الصورة التي لم ير التاريخ لها مثيلا مع ألد الخصوم والأعداء وصبر الإخوان صبر الكرام تقديرًا للظروف والتبعات واستأنف المرشد العام اتصالاته بالوزارة والمسئولين وكان كل ما يطلبه من الحكومة أمرين اثنين:

( أ ) رفع المظالم التي وقعت على الناس بلا سبب في أموالهم بالمصادرة وفي أعمالهم بالتعطيل وفي أنفسهم بالسجن والاعتقال.

( ب ) إطلاق حرية الدعوة في الوقت المناسب بالأسلوب الذي لا ينال من هيبة الحكومة ولا يعطل من نشاط الاخوة.

وفي نظير ذلك يتعهد المرشد العام ورؤساء الإخوان أن يكونوا أعوانا صادقين للحكومة في استقرار الأمن واستتباب النظام.

ومن كل هذا فقد أبت الحكومة كل الإباء أن تقبل حتى فكرة التفاهم على أي أساس وفوجئت الأمة بالكارثة الثانية كارثة وفاة النقراشي باشا الذي خسرت بها البلاد رجلا من زعماء نهضتها وهي أحوج ما تكون إليه وجاءت وزارة دولة إبراهيم عبد الهادي باشا ودعت إلى الوحدة القومية وبدأت عهدها هذا البدء الكريم فاتصل المرشد العام ببعض أصحاب المعالي الوزراء ووجد منهم استعداداً كبيراً للتعاون على الخير حتى تستقر الأمور وتهدأ الحال وكان هذا الاتجاه في الحقيقة أفضل علاج وأنجع دواء ولكن ذوي الأغراض الذين لا يعشون إلا على الصيد في الماء العكر لم يعجبهم هذا فاتخذوا من حادث محاولة نسف مكتب النائب العام ذلك الحادث الذي لا ذنب لالإخوان فيه ولا علم لهم به بل اعتبروه موجهاً لهم قبل أن يكون موجها لغيرهم وذريعة للمناداة بالويل والثبور وعظائم الأمور ووضع العراقيل في وجه دعاة التفاهم والإصلاح والانطلاق في سبيل البغي والظلم والتنكيل والاعتداء واخذوا يعتقلون الأبرياء من غير حساب حتى بلغ من اعتقلوهم في يومين اثنين على أثر الحادث أكثر من ثلاثمائة شخص ليس فيهم متهم أو مجرح وكان هذا التصرف كافياً للعدول عن خطة التفاهم مع الذين يعمدون للمراوغة كسباً للوقت وتمكناً من الانتقام، ولكن الأستاذ المرشد أبي ذلك ولم ييئس وعاود اتصالاته بكل من يعرف أنهم يستطيعون أن يفعلوا شيئا لدرء هذه الأخطار ولكن النتيجة كانت الإسراف في الظلم والاعتداء وكانت الطامة الكبرى التفكير في أن ينتقل هؤلاء المعتقلون إلى الطور وهكذا رفضت الحكومة مصافحة اليد التي امتدت إليها بالسلام وأصرت على أن تمضي في خطة الاعتداء والظلم والخصام وكانت الأولي خيرا لهم لو كانوا يعقلون.


الفصل السادس: معنى هذا الموقف ونتائجه

ومعني هذا الموقف بوضوح أن الحكومة المصرية قد عمدت إلى نخبة ممتازة وصفوة كريمة من أعز أبناء هذه الأمة المثقفين المؤمنين الأطهار ذوي المصالح والأعمال يقل عددها عن نصف مليون من الأنفس غير من يتصل بهم من الأقارب والأصهار والأصدقاء وذوي الأرحام وحكمت عليهم جميعا بأنهم مجرمون متشردون لا يستحقون أن يعيشوا في بلدانهم عيشة المواطنين الآمنين وصبت عليهم جام غضبها وسوء انتقامها فاستلبت حريات الكثير بالاعتقال بل بالنفي والتغريب والإبعاد وشردت الكثير بالفصل والانتقام وصادرت أموالهم وأعمالهم وممتلكاتهم بعد أن احتجزت حقوقهم وكرامتهم وحرياتهم وأشاعت عنهم بين مواطنيهم بكل وسائل الدعاية المختلفة والاتهامات التي لو صحت لكانت مصر بعد ذلك بلد الإجرام وموطن المجرمين لا ينازعها في ذلك منازع.. فأوجدت بيدها في الأمة الموحدة طبقة جديدة وطائفة مظلومة مهضومة متميزة عن بقية المواطنين بهذا الطابع طابع الظلم والكبت والاضطهاد في سبيل العقيدة والإيمان.

ومن هذه الطائفة؟؟ هي الإخوان المسلمون فلذة أكباد هذا الوطن وخيرة شبابه ورجاله والجزء الشاعر الواعي في هذا الجسم الخامل المريض.

ولم كل هذا؟؟ لاتهام باطل لم يقم عليه دليل ووهم كاذب لم يحققه برهان وخوف داهم لا مبرر له وحجة أوهى من بيت العنكبوت وطريق الأمن والسلامة أمامهم لو أرادوا أن يسلكوه ولا يكلفهم شيئًا إلا أن يكونوا عادلين والعدل أساس الملك كما يقولون.

ومن الذي يفعل هذا ويحكم به؟؟ الحكومة المصرية التي أخفقت في المفاوضات مع الإنجليز فقطعتها وذهبت إلى مجلس الأمن فعادت منه بخفي حنين وتركت قضية الوطن على رفوفه العالية في زوايا الإهمال والنسيان وتجاهلت الإنجليز بعد ذلك تجاهلاً تماماً وتركتهم يفعلون ما يريدون حتى أضاعت بهذا التجاهل واتبعت سياسة التردد والاضطراب في قضية فلسطين قبلت الهدنة الأولى فأضاعت بهذا القبول كل شيء وحرمت الجيش المصري الباسل ثمرة انتصاره وأفقدت الوطن ملايين الجنيهات وآلاف الرجال فضلا عن فقدان الكرامة وسوء الحال والمال.. ودللت يهود مصر فلم تتخذ معهم أي إجراء مع مواقفهم من مناصرةٍ أعداء الوطن وخصوم البلاد والتي يعيش آمنا في ظلها كل أجنبي آفاق ومتشرد طريد وعابث عربيد آمنا مطمئناً على نفسه وماله وعبثه وفساده وتحمي حانات المسكرات وبيوت العاهرات ودور المنكرات وأبواب المراقص والبارات والتي عجزت كل العجز عن إنقاذ شعبها من براثن الفقر والمرض والجهل والعطل والغلاء الفاحش الذي يئن منه الأقوياء فضلاً عن الضعفاء والتي لا يؤيدها ولا يسندها إلا نفر قليل ضئيل من أصحاب المصالح الشخصية فهي في وادٍ والأمة في وادٍ.

هذه الحكومة التي تطارد الإخوان المسلمين وهم الشعب وتحكم عليهم بالإجرام والنفي والتشريد ومصادرة الأموال والأملاك والحريات ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح وكانت الكلمة للحق لا للقوة لحَاكَمْنا كم نحن أيها المفرطون على هذا التفريط ولحاسبناكم على هذا العجز أشد الحساب ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وبأي سلاح هذا؟؟ بسلاح الأحكام وبالسلطة الفردية الاستثنائية التي وضعت في يد الحاكم العسكري بحدود وقيود وكانت الغاية من تخويلها إياها (حماية الجيوش والمحافظة على سلامتها) فجاوز في استخدامها كل حدود وتناسى كل قيد واستغلها في عكس ما وضعت له تماماً وحمي بها أعداء الجيش وحارب بها أصدقاء الجيش وزملاءه في السلاح.

من الذي يقول إن الأحكام العرفية التي فرضت لحماية الجيش من اليهود تطبق بأفظع صورها على الإخوان المسلمين أصدقاء الجيش وأعداء اليهود - لقد هم المتطوعون من الإخوان بالتوقف حين بلغهم قرار الحل الذي كان له في نفوسهم أسوء الأثر ولكنهم راجعوا أنفسهم وتذكروا أنهم في ميدان جهاد وأن هذا التوقف ضار بموقفهم بموقف الجيش معهم فعدلوا عنه واكتفوا بأن سجلوا احتجاجهم أمام قوادهم وعادوا إلى ميادين جهادهم فهل كان الحاكم العسكري بتصرفه هذا يحمي الجيش أم يعرض سلامته للخطر.

إن الحاكم العسكري قد اعتدى على القانون:

أولاً: بتخطيه أصول المحاكمات العادية وعدم انتظاره كلمة المحاكم فيما يوجهه إلى الإخوان من اتهامات باطلة، كما اعتدي على الأحكام العسكرية.

ثانيًا: بسوء استخدامها في غير ما وضعت له وفرضت من أجله وهو بذلك قد ظلم ظلماً لم يعرفه الناس حتى في عهد محاكم التفتيش التي كانت تستر طغيانها بستار صوري من الإجراءات والمحاكمات ولا تجرؤ أن تواجه الرأي العام بقرار كل سنده إرادة فرد يخطئ ويصيب.

يا حضرات السادة الحكام - لن ترضي هذه الجماعة لنفسها أن تضع لكم تقرير مصيرها ولن تسمح لكم بأن تقبلوا الحقائق وتعتدوا على الحريات وتصادروا الأموال والممتلكات وتظلموا الأبرياء بالباطل وإنها لتحملكم أمام الرأي العام نتائج ما يحدث عن هذا العدوان وعلى الباقي تدور الدوائر. "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (الشورى: الآيات 41-42).


خاتمة

فإلى حضرات أصحاب الفضيلة العلماء الرسميين والخطباء والأئمة والمفتين والقضاء الشرعيين والوطنيين.

وإلى رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب وإلى الشيوخ والنواب المحترمين.

وإلى رؤساء الأحزاب والهيئات والجماعات وأعضائها الموقرين وإلى الأساتذة من الكتاب المبرزين ورجال الصحف وحملة الأقلام النابهين وإلى كل ذي غيرة ورأي في وادي النيل السعيد وفي بلاد العروبة العزيزة وموطن الإسلام الحنيف.

ونوجه هذا البيان ونبسط بين أيديهم جميعًا هذه القضية ليتصوروا مبلغ الظلم والعدوان الذي وقع علينا وليكونوا عند مهاجمتنا بعد أن يتبينوا عدالة قضيتنا - أعوانًا لنا على استرداد حقنا من ظالمنا وليجاهدوا معنا في سبيل مقاومة هذا المبدأ الخطر وهو تحكم فرد في شعب واستخدام السلطة الاستثنائية في القضاء على الهيئات والأفراد والجماعات والمنشآت بلا عاصم من شرع أو قانون.

وليعذرونا إذا دفعنا الظلم إلى الانتصار، وأدى بنا الضغط إلى الانفجار فما كان من المعتدين من دافع عن نفسه ومن مات دون عرضه فهو شهيد ومن مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون دينه فهو شهيد.

لقد كتب أحد حضرات الفضيلة رؤساء المحاكم الشرعية مقالاً مطولاً خلاصته أن الإيمان قيد القتل وأن القتل سنة الخوارج وجزاؤهم القتل ونحن مع فضيلته في كل ما قرر من ذلك - وكان من تمام البحث واستيفائه أن يقول فضيلته : إن الحاكم الظالم جزاؤه العزل وأن الثائر على الظلم ليس من الخوارج في شيء وأن الأمة التي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها وبطن الأرض خير لها من ظهرها. ولقد أصدر حضرات أصحاب الفضيلة العلماء الرسميين بيانًا في تحريم القتل وجزاهم الله عن البيان جزاء الإحسان ونحن بما قالوا نقول ولما قرروا نسمع ونطيع وننتظر منهم بعد ذلك أن يردعوا الظالمين عن الظلم بالحكمة والموعظة الحسنة والنصيحة والقول اللين فالظلم ظلمات يوم القيامة ولعن الله قومًا ضاع الحق بينهم.

ولقد كتب الأساتذة "حامد جودة، وعباس العقاد وعبد القادر المازني" مقالات مطولة لم يكن في وسعنا أن نبين لهم فيها وجه الحق أو نرد على ما جاء بها من اتهام لحرماتنا ظلماً من حق الكتابة والنشر وبخاصة تلك السقطة أو النكبة التي ساقها الأستاذ العقاد - سامحة الله - عن الفتنة الإسرائيلية ولكنا مع ذلك نلتمس له العذر أمام دعايات الحكومة الداوية ومزاعمها الباطلة واتهاماتها الكثيرة ولكن نناشدهم الله والحق وشرف المهنة وكرامة الصدق والذمة ان يتحروا الحقيقة والا يهاجموا أحداً بعد اليوم بغير برهان فأفظع الجرائم الكذب والافتراء والتماس العيب البرآء (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)..

وعلى الذين يحرمون أسلوب (العمل المباشر) ونحن منهم - أن يدافعوا عن الحريات ويمهدوا السبيل أمام الدليل والبرهان والحجة والإقناع كذلك وحده هو الذي يحول دون الالتجاء إلى القوة والعنف ومن سُدَّ في وجهه باب الحلال المشروع لم يجد أمامه غير الحرام الممقوت والخير دواء الشر (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) .

وإنا نشهد الله تبارك وتعالي على سمو مقاصدنا، ونبل غاياتنا، وشرف وسائلنا، وبراءة ساحتنا. وإنا لا نريد بهذه الأمة إلا الخير والصلاح ونسأله تبارك وتعالي أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين وسنجاهد في سبيل حقنا ما وسعنا الجهاد فإن أعوزتنا الحياة الشريفة العزيزة فلن يعوزنا الموت الكريم المجيد (وسينصر الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).

والله أكبر ولله الحمد..

الإخوان المسلمين

رد فضيلة الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين على مذكرة عبد الرحمن عمار بك عن جماعة الإخوان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد، فقد تقدم سعادة وكيل الداخلية عبد الرحمن عمار بك بمذكرة ضافية بتاريخ 8/12/1948 عن تاريخ الإخوان المسلمين وغايتهم ووسيلتهم، وطلب في نهايتها اتخاذ التدابير الحاسمة لوقف نشاط هذه الجماعة التي تروع أمن البلاد في وقت هي أحوج في الداخل وجيوشها في الخارج.

وقد اتخذ دولة الحاكم العسكري من هذه المذكرة سبباً لإصدار الأمر العسكري بحل (جمعية الإخوان المسلمين) ومصادرة أنديتهم وأموالهم وأملاكهم ونشاطهم في جميع أنحاء البلاد واعتقال رؤسائهم وكثير من أعضاء هيئتهم بالجملة في كل مكان، وإعلان حرب عنيفة لم توجه إلى الصهيونيين الذين شرعت الأحكام العسكرية وأذن بها من أجل اتقاء شرهم.. وإقراراً للحق أردت أن أناقش ما جاء في هذه المذكرة ليرى الرأي العام المصري والعربي والإسلامي تفاهة هذه الأسباب ومدي العدوان الذي وقع على أكبر مؤسسة إسلامية شعبية نافعة في مصر أدت للوطن وللدين أجل الخدمات طوال عشرين عاما كاملة.

بطلان دعوى الإجرام والإرهاب

يقول وكيل الداخلية في مذكرته "ولقد تجاوزت الجماعة الأغراض المشروعة إلى أغراض يحرمها الدستور وقوانين البلاد فهدفت إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب ولقد أمعنت في نشاطها فاتخذت الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميها" وأخذت سعادته بعد ذلك يستشهد ببعض الحوادث ويورد" بعض أمثلة قليلة لهذا النشاط الإجرامي كما سجلته التحقيقات الرسمية وذكر ثلاث عشرة حادثة كلها مردودة ولا توصل إلى ما يريد سعادته من إدانة هيئة الإخوان المسلمين ووصف نشاطهم القانوني المثمر بأنه نشاط إجرامي.

وهذا القول منقوض من أساسه فلم يكن الإجرام يوماً من الأيام من وسائل هيئة الإخوان المسلمين فان وسائلهم ظاهرة معروفة: فهذه المحاضرات والدروس والرسائل والصحف والأندية والدور والمساجد والمنشآت ناطقة بأن وسائل هيئة الإخوان المسلمين لم تتعارض مع القانون في يوم من الأيام. ويكفي للرد على سعادة الوكيل أن القانون حمى هذا النشاط عشرين سنة ولم يستطع أحد الاعتداء عليه إلا في غيبة القانون وفي ظل الحكم العرفي الاستثنائي الفردي البحث - والذي ينص الدستور في المادة 155 بأنه اذا عطل الحريات فان ذلك لا يكون إلا تعطيلاً مؤقتاً ينتهي هذا التعطيل بانتهاء الأحكام العرفية أما ما عدد سعادته من الحوادث فها هي ذي حقيقتها في وضعها الصحيح:

أولاً: الجناية العسكرية العليا رقم 883 لسنة 1942 قسم الجمرك وقد كان موضوع الاتهام فيها الدعاية للمحور وشاء ذوو الأغراض أن يقحموا فيها الإخوان المسلمين وادعي أحد المتهمين بأنه عرض على الأستاذ البنا شخصياً أنواعاً من السلاح والعتاد الألماني وأن الأستاذ البنا سر بذلك ورحب بالحصول على هذه الأسلحة وأن الوسيط في ذلك أخوان من أخوان طنطا وقد قبض عليهما فعلاً وقضيا في السجن ثمانية أشهر ونصف وماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟؟.

كانت النتيجة أن كذب هذا المدعي نفسه حينما ضيق عليه المحقق الخناق وهدده بالمواجهة وحكم ببراءة الأخوين براءة نقية واضحة كاملة فهل تصلح مثل هذه النتيجة تكأة للاتهام أمام سعادة وكيل الداخلية وهو من رجال القانون!!.

ويتصل بهذه القضية ما ذكره سعادة الوكيل من موافقة الأستاذ حسن البنا على تقرير لأحد إخوان طنطا وكتابته بخطه أنه بما ورد فيه. وعرض الموضوع على هذه الصورة فيه انتقاص للحقيقة فلقد كان التقرير مطولا وكانت إشارتي عليه بالموافقة على بعضه وتعديل بعضه ولو كان في هذا التقرير ما يؤاخذ عليه لحوكم صاحبه ولما صدر قرار المحكمة ببراءته فقد كان أحد المتهمين المقبوض عليهما في الجناية السابقة.

ثانيًا: الجناية رقم 679 لسنة 1946 قسم ثان بور سعيد ويعلم الخاص والعام أن الإخوان المسلمين كانوا معتدى عليهم فيها ولم يكونوا معتدين فقد أخذوا على غِرّة وحوصرت دارهم وحرق ناديهم الرياضي ولم تثبت إدانة أحد منهم في شيء ولم يكن القتيل الذي قتل خصمًا من خصوم الإخوان ولكنه كان صبياً في الطريق - جعله الله لأهله ذخراً - ولكن سعادة الوكيل يأبى إلا أن يجعله خصماً من خصوم الإخوان ليوهم الناس أنهم يعتدون على خصومهم بالسلاح.

ثالثًا: بتاريخ 10 ديسمبر سنة 1946 ضبط بعض أفراد الهيئة بمدينة الإسماعيلية يقومون بتجارب لصنع القنابل والمفرقعات وهي واقعة لا أصل لها بتاتا فيما أذكر وأني أسائل سعادة الوكيل : من هؤلاء الأشخاص وهل حوكموا وبماذا حكم عليهم لأن الإخوان بالإسماعيلية معروفون كفلق الصبح ولا أذكر أن أحداً منهم وجه إليه هذا الاتهام في يوم من الأيام.

رابعًا: والشخص الذي أدين في قضية الجناية رقم 767 لسنة 694_ قسم عابدين بمناسبة حوادث 24/2/1946 لم يثبت أنه أمر بهذا من قبل الإخوان أو اشترك معه فيه أحد منهم وقد كانت هذه الحوادث شائعة في ذلك الوقت بين الشباب بمناسبة الفورة الوطنية التي لازمت المفاوضات السابقة ولقد حدث بالإسكندرية أكثر مما حدث بالقاهرة وضبط من الشبان عدد أكبر وصدرت ضدهم أحكام مناسبة ولم يقل أحد أنهم من الإخوان المسلمين فتحميل الهيئة تبعة هذا التصرف لاحق فيه ولا مبرر له.

خامسًا: حادث اشتباك الجوالة بمأمور الوايلي يوم 29/6/947 حادث عادي ولم يكن اعتداء بالمعنى الذي صوره سعادة الوكيل فقد اعترض المأمور ورجاله سير طابور نظامي من جوالة الإخوان المسلمين وأراد منعهم بالقوة واشتبك قائدهم وأشيع بينهم أن المأمور قد مزق المصحف الذي يحمله أحدهم فثارت نفوسهم ثم انتهى الأمر بالتفاهم كما تنتهي عادة مثل هذه الاحتكاكات بين الجمهور والبوليس في أي اجتماع من الاجتماعات يتصرف فيه رجل البوليس بغير الكياسة واللياقة والمناسبة للموقف.

سادسًا: الجناية رقم 4726 لسنة 1947 ثبت أن الذي أتهم فيها غير مسئول عن عمله وسقط الاتهام ضده ولازال في المستشفى إلى الآن فما وجه الاستشهاد بها في مذكرة رسمية وهل تكون هيئة الإخوان مسئولة عن عمل شخص يتبين أنه هو نفسه غير مسئول عن عمله.

سابعًا: هؤلاء الخمسة عشر الذين ضبطوا في 19/1/1948 بعضهم من الإخوان ومعظمهم لا صلة له بالإخوان أصلاً ولقد برروا عملهم بأنهم يستعدون للتطوع لإنقاذ فلسطين حينما أبطأت الحكومة في أعداد المتطوعين وحشد المجاهدين الشعبيين وقد قبلت الحكومة منهم هذا التبرير وأفرجت عنهم النيابة في الحال فما وجه إدانة الإخوان في عمل هؤلاء خصوصاً لوحظ أنه نص في قرار النيابة بأن الحفظ كان لنيل المقصود وشرف الغاية..

ثامنًا: والجناية رقم 1407 لسنة 1948 كوم النور كان الاشتباك في حادثتها لأسباب عائلية بحتة لا صلة لها بالرأي وإن كان كل فريق من الفريقين ينتمي هيئة من الهيئات وكثيراً ما يقع مثل هذا الاشتباك في القرى بين من لا صلة لهم بحزب أو هيئة.

تاسعًا : وما نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد فرغلي في المذكرة لازال رهن التحقيق ومن الإنصاف انتظار ما يسفر عنه ولكن المعروف رسميا وعند الجميع أن الشيخ محمد فرغلي هو رئيس معسكر النصيرات أولاً ومعسكر البريج ثانيًا بجوار غزه وأنه تطوع لالجهاد من فبراير سنة 1948 إلى الآن ولازم متطوعي الإخوان في هذه المنطقة طوال هذه الفترة وأسندت إليه قيادتهم وأقرته قيادة الجيش المصري على ذلك كما أن فضيلة الشيخ محمد فرغلي كان من أعضاء المجاهد الكبير "عبد القادر بك الحسيني" وكان ممن يسهلون له مهمة الحصول على ما يريد فالاتهام قبل التحقيق ظلم صارخ وقد آلت الشيخ فرغلي النيابة ثم أفرجت عنه وإن كان الأمر العسكري قد صدر بعد ذلك باعتقاله.

عاشرًا: وحادي عشر: أما ما يتصل بحوادث كفر بداري ومنية البراموني فالثابت والمعروف أن أساس النزاع وأصل الاتهام فيها أن عمدة كل منهما يريد ألا تقوم في القرية أية جماعة يكون لها مظهرًا وكيانًا وكلا العمدتين صهر للآخر وخطتهما في ذلك واحدة وقد كان الإخوان هدفًا لاضطهادهما اضطهادًا قاسيًا ولولا ما في أنفسهم من إيمان- لما ثبتوا له ساعة من نهار.

ثاني عشر: وخطابات التهديد التي ذكرها سعادة الوكيل تحدث فيها سعادته مع الأستاذ صالح عشماوي ورد عليه مدير الجريدة رسميًا بخطاب مسجل نفي فيه بشدة هذا الاتهام ورجاه أن يقف موقفاً حازماً مع هذه الشركات التي تتهم المصريين بالباطل وإنا لنرجو أن يتفضل سعادته ببيان مقدار هذه الأموال التي امتصها الإخوان بالفعل وسعادته يعلم تمام العلم أن الإخوان ليسوا هم الذين يحسنون امتصاص أموال الشركات أو غير الشركات.

وقد انتقل سعادته بعد ذلك إلى اتهام الهيئة بإثارة الشغب في معاهد التعليم وهي تهمة باطلة يشهد ببطلانها الأساتذة أولاً ورجال الأمن بعد ذلك لو خلوا إلى أنفسهم واستنطقوا ضمائرهم غير متأثرين باتجاه خاص - ولقد كان كثير من الناس يعيبون على طلبة الإخوان الإغراق في الهدوء والمبالغة في الانصراف إلى الدرس فيجيبون بأن واجبهم الأول أن يكونوا طلاباً ولقد تخرج في ظل الدعوة مئات الطلاب من مختلف المعاهد فكانوا من أوائل الناجحين في شهاداتهم وكانوا من أفاضل الموظفين في أعمالهم. والحوادث التي ذكرها سعادة الوكيل لا تنتهي أبداً ما يريدونها لا تسأل عنها هيئة الإخوان المسلمين فقد كان ولا يزال معلوماً أن عنصراً جديداً طرأ على المعاهد والمدارس بعد الحرب الماضية كان له أثر عميق في توسيع الخلاف وتعميقها بين الطلاب واستغلال التعصب للحزبية السياسية أسوأ استغلال ودفع المواقف إلى العنف والاحتكاك والله يشهد والمنصفون أن طلاب هيئة الإخوان المسلمين كانوا هم أكبر ملطف لحدة هذه الظاهرة وأول المناهضين لها والواقفين في وجهها وفي كل هذه الحوادث كان أعضاء هيئة الإخوان المسلمين في موقف المدافع دائماً ولازالت جميعا تحت التحقيق ومن الثابت أن الطالب الذي استشهد في مدرسة شبين الكوم هو أحد طلاب الإخوان المسلمين وقد أخفت المذكرة عمداً هذه النقطة ليظهر الإخوان بمظهر المعتدي مع أنهم المعتدى عليهم..

وعرضت بعد ذلك إلى حادث الخازندار بك وكل ذنب الإخوان المسلمين فيه أن أحد المتهمين أشاع أنه سكرتير خاص للأستاذ البنا مع أن هذه الصلة لم تثبت في التحقيق وإن أصرت المذكرة على وصفها بالثبوت مع أنه على فرض ثبوتها فلا يمكن أن تتخذ سببا لإدانة هيئة الإخوان المسلمين. وقد حمل سعادة الوكيل - في مذكرته - الإخوان المسلمين تبعة حوادث 4/12/1948 في الجامعة وكلية الطب وحوادث 6/12/1948 بالمدرسة الخديوية مع أن المعروف أن هذه الحوادث بدأت مظاهرات سلمية بمناسبة موقف حاكم السودان العام من مصر والمصريين وبعثة المحامين ثم تطورت بعد الاحتكاك برجال البوليس إلى تلك النتائج المؤسفة حقاً ولم يكن دور الإخوان فيها أظهر من دور غيرهم من الطلاب والمقبوض عليهم الآن معظمهم من غير الإخوان ولم يعلن بعد قرار الاتهام ولم يثبت أن لهيئة الإخوان يداً في التحريض على هذا الذي حدث فتحمل الإخوان هذه التهمة سبق لكلمة القضاء.

أما حادث سيارة المتفجرات فقط ضبط فيه عدد كبير من الشباب من مختلف الهيئات ولازال التحقيق يدور فيه بتكتم شديد ويقول وكيل الداخلية (أن ملابسات هذا الحادث كشف أن جماعة من الإخوان المسلمين يكونون عصابة إجرامية.. إلخ) ومقتضى هذا القول لو أن الأمور تسير في حدودها الطبيعية أن تنتظر الحكومة نتيجة التحقيق فإذا ثبت على هؤلاء المقبوض عليهم أخذوا بجرمهم ومن غير المعقول أن تؤخذ الهيئة بتصرفات بعض أعضائها وتقول المذكرة نفسها : أنهم كونوا من أنفسهم عصابة أخرى تتنافى أغراضها ووسائلها مع أغراض الجماعة ووسائلها القانونية السليمة "ومن هذه المناقشة الهادئة يتضح لكل منصف أن جميع هذه الحوادث العادية الفردية لا يمكن أن تكون دعوة الإخوان بهذا اللون وقد مكثت عشرين عامًا صافية نقية، أو تنهض دليلا على أنهم عدلوا عن وسائلهم القانونية إلى وسيلة إجرامية وبالتالي لا يمكن أن تكون بمفرداتها أو بمجموعها - وقد حشدتها المذكرة هذا الحشد المقصود سبباً في هدم بناء إصلاحي ضخم جنت منه مصر والبلاد العربية والإسلامية أبرك الثمرات بل إن الدليل القاطع الدامغ ينادي ببراءة الإخوان المسلمين من هذا الاتهام فهذه دورهم وشعبهم وأوراقهم وسجلاتهم ومنشآتهم وقد وضعت كلها تحت يد البوليس في جميع أنحاء المملكة المصرية فلم يعثر في شيء منها على ورقة واحدة تصلح أن تكون دليلاً أو شيه دليل على هذا الانحراف المزعوم - بل لم تجد الحكومة أمامها إلا المدارس تقدمها للمعارف والمشافي والمستوصفات تقدمها لوزارة أن الصحة والمصانع والمعامل تقدمها لوزارة الصناعة والتجارة وكفي بهذا شرفًا وإشادة بمجهودات الإخوان الإصلاحية النافعة لهذا الوطن العزيز".

" وبعد" من تمام الفائدة بعد هذه المناقشة الهادئة أن نتناول بعض هذه النقاط التكميلية بشيء من البيان والتوضيح:

بين الدين و السياسة

أشارت مذكرة وكيل الداخلية إلى أن الإخوان اتخذوا من الدين وسيلة لخوض غمار السياسة وأنهم أرادوا بذلك الوصول إلى الحكم وقلب النظم المقررة في البلاد وكل من اتصل بالإخوان ودرس نظمهم يعلم تمام العلم بطلان هذا الاتهام وكل ما هنالك أن الإخوان كهيئة إسلامية جامعة مزجت الوطنية بروح الدين واستمدت من روح الدين اسمي معاني الوطنية ولم تبتدع ذلك ابتداعا ولم تخترعه اختراعاً وإنما هي طبيعة الإسلام الحنيف الذي جاء للناس دينا ودولة وكل مواقف الإخوان في ميدان السياسة مواقف وطنية خالصة بريئة كل البراءة عن حسب الدنيا أو الرغبة في الوصول إلى الحكم أو الغنيمة تهدف إلى إصلاح النظم المقررة في البلاد حتى تتفق مع دينها وعقيدتها ونص دستورها الذي ينادي بأن دينها الرسمي هو الإسلام.. وليس الأوراق التي توجد بأيدي الأفراد وفي حيازتهم حجة على هيئة عاشت تعمل وتجاهد في حدود ظاهرة عشرين عاماً كاملة ؛ ولكن الحجة هي قوانين الهيئة ولوائحها ونشراتها التي اعتمدتها جهات الاختصاص ومنذ صور القانون رقم 49 لسنة 1945 الخاص بتنظيم جماعات البر والأعمال الخيرية حدد الإخوان المسلمون نواحي نشاطهم تحديداً واضحاً دقيقا ووضعوا لكلتا الناحيتين نظامًا دقيقًا ولوائح مفصلة اعتمدتها وزارة الشئون الاجتماعية وفيها بيان غايتهم ووسيلتهم كاملة وساروا في حدود هذه الأوضاع يلتزمونها بكل دقة إلى الآن وليس من هذه الوسائل : الجريمة ولا الإرهاب كما تريد المذكرة أن تقول.

الإخوان و فلسطين

ولعل الذي يسر للحكومة سبيل هذا الاتهام وسهله عليها وأوجد بين يديها بعض الشبهات لا الأدلة عليه هو عمل الإخوان وجهادهم في سبيل فلسطين وإن كان هذا من انصع الصفحات وأمجدها في تاريخ دعوتها - فقد احتاجت فلسطين الشقيقة إلى السلاح قبل التقسيم بأشهر ونشطت في جمعه بعض الهيئات وأذنت الجهات المختصة من طرف خفي بهذا الجمع وشجعت الإخوان على التعاون مع تلك الهيئة باعتبارهم أقدر الناس على بذل هذه المعونة لانتشار شعبهم وامتداد دعوتهم إلى كل مكان فأبلي الإخوان في ذلك أحسن البلاء وكانوا عند حسن الظن بهم.

وأعلن التقسيم ونشبت الثورة في فلسطين والتحم العرب واليهود في معارك شعبية ولالإخوان في فلسطين أكثر من عشرين شعبة في الشمال والوسط والجنوب وتدفق سيل الأهلين من الفلسطينين يريدون شراء الأسلحة من مصر وفتحت الحكومة المصرية لهم الباب وعقدت في الجامعة العربية عدة اجتماعات وألَّفت لجنة لمساعدة هؤلاء الأهلين حتى يحصلوا على ما يريدون وقبل الإخوان رسمياً في هذه اللجنة وتطوع بعض شبابهم لهذه الغاية وتركوا مصالحهم وراءهم ظهرياً وبذلوا في ذلك غاية المجهود وقد بذلوا كل ما يستطيعون واحتملوا كثيراً من التضحيات المالية في هذا السبيل وبخاصة بعد أن عدلت الحكومة عن خطتها وصادرت كثيراً من المشتريات التي اشتريت لأهالي فلسطين بمعرفتهم أو عن طريق وكان جزاء هؤلاء الإخوان الإخوان أخيراً السجن وسوء الحساب وأقرت الجامعة العربية فكرة التطوع فتقدم إليها الآلاف من شباب الإخوان يريدون الموت في سبيل الله، وظلت الحكومة والجامعة مترددتان بين الإقدام والإحجام والحماسة تشتد والنفوس تغلي مما دعا المركز العام إلى أن يبعث بمائة إلى معسكر قطنه بسوريا وهي كل ما استطاع أن يقنع المسئولين هناك بقبوله ولكن ذلك لم يُشفِ غُلة الإخوان فاستأذنوا في إقامة معسكر خاص لهم بالقرب من العريش يمارسون فيه التدريب استعداداً لدخول فلسطين وأُذن لهم بذلك وأقاموا معسكراً كبيراً للعدد منهم يزيد عن المائتين يمدهم فيه المركز العام بكل ما يحتاجون من أدوات وتمرين وسلاح وعتاد بإذن الحكومة وعلمها حتى تدريبهم ودخلوا فلسطين في مارس 1948 أي قبل دخول القوات النظامية بأكثر من شهرين واحتلوا هناك معسكر النصيرات جنوبي غزة وكان لوجودهم هناك أحسن الأثر في رد عدوان اليهود وطمانينة السكان وتحركت الحكومة وهيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين واعدت معسكرها بهايكستب لتدريب المتطوعين تقدم إليه أكثر من ألف أخ انتخبت منهم أكثر من ستمائة على دفعات جهزتهم الحكومة ودخلوا مع القوات النظامية ووزعوا على مختلف الجهات وظفروا بحمد الله بتقدير كل من عرفهم أو اتصل بهم أو رأي حسن بلائهم وإخلاص جهادهم فقد رابط الإخوان في "صور باهر" وفي "بيت لحم" وعلى مشارف "القدس" واقتحموا "رامات راحيل" في جبهة الوسط واحتلوا معسكر النصيرات والبريج ونسفوا مستعمرة "ديروم" واشتركوا في معارك "عسلوج" وحاصروا "المستة وبيروت اسحق" وترددت نقطهم الثابتة والمتحركة في كل مكان في جبهة الجنوب وأستشهد منهم قرابة المائة وجرح نحو ذلك وأسر بعضهم وكانوا مثال البسالة والبطولة والعفة والشرف وحب الاستشهاد فكان طبيعياً أن تحصل الحكومة على بعض عتاد لم ينقل وأن تجد في بعض الأماكن بقايا من هذه المخلفات ولكن ليس معني هذا أبداً أن الإخوان المسلمين المؤمنين المجاهدين المحسنين قد أصبحوا خطراً يهدد سلام الأهلين في الداخل وهم دعاتهم وسلامة الجيوش في الخارج وهم زملاؤهم.

الدوافع الحقيقية في موقف الحكومة

مستحيل أن يكون الدافع الحقيقي لهذه الخطوة الجريئة من الحكومة مجرد الاشتباه في مقاصد الإخوان أو اعتبارهم مصدر تهديد للأمن والسلام وهو ما لم يقم عليه دليل ولا برهان ولكن الدافع الحقيقي فيما تظن هو انتهاز الأجانب فرصة وقوع بعض الحوادث مع اضطراب السياسة الدولية وقلق الموقف في فلسطين وتردد سياسة مصر بين الإقدام والإحجام فشددوا الضغط على الحكومة وقد صرح بذلك سعادة عمار بك نفسه وأقر بأن سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا قد اجتمعوا في فايد وكتبوا لدولة النقراشي باشا في صراحة بأنه لابد من حل الإخوان المسلمين وكان في وسع دولته أن يزجرهم عن مثل هذا التدخل في شأن داخلي بحت وأن ينظرهم حتى تظهر نتيجة التحقيقات أو أن يتعاون مع المسئولين في الإخوان على إزالة هذا الوهم من أنفسهم ولكنه بدلا من ذلك استجاب لهذه الرغبة الأجنبية وأصدر قرار الحل فأشمت الأعداء وأحزن المؤمنين الأتقياء.. وهكذا يقيم الشواهد كل يوم على أن مصر للأجانب قبل أن يكون لأهلها منها نصيب وأن خلاصة شعبها لا مانع من أن تقدم حرياتها قربانا لإرضاء السفراء ورعايا الدول التي طالما ناصبتنا العداء وأنزلت بنا البلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ويكون لما يشاع من قرب الاتفاق بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية أصل في هذه الخطوة - أيضا - كما قد يكون للموقف الحزبي والتأهب للانتخابات القادمة دخل كذلك والعلم بالحقيقة عند الله.. ولله عاقبة الأمور.

التعسف في التنفيذ

ولقد كان الأمر العسكري غريبا في نفسه وفي طريقة تنفيذه فلا يمكن أن يقول إنسان بأن حل هيئة من الهيئات يستلزم اتهام كل ما يتصل بها أو حمل أسمها بالجريمة والعدوان ومصادرته في حريته وماله وعمله ومهاجمته في كل مكان ولئن جاز في عرف الأحكام العسكرية أن تحل الهيئات فما بال الشركات التي لا صلة بينها وبينها إلا مجرد الاسم مع تمام الفصل في كل الأعمال ونواحي النشاط:

إن شركة المناجم والمحاجر العربية - وشركة الإعلانات الغربية - وشركة الإخوان للنسيج وشركة دار الإخوان للصحافة - وشركة دار الإخوان للطباعة - وشركة مدارس الإخوان بالإسكندرية. كلها شركات لا صلة لها بالهيئة جمعت رؤوس أموالها من أفراد بصفتهم الشخصية فكيف يصبح في ذهن أحد أن تصادر أموالها لا لشيء إلا أنها تحمل اسم الإخوان.

وهذه العشرات من كرام الشباب لماذا يعتقلون بغير جريرة ولا سبب وتمنع عنهم أدواتهم الضرورية ويلقي بكثير منهم في سجون الأقسام مع المجرمين أمثال (صبيحة وعنتر والسيشاوي) وغيرهم من أرباب السوابق ومعتادي الإجرام ويتركون فريسة للبرد والجوع ولا يسمح لهم أن يقدم لهم الغذاء والغطاء وهذه الصحف الشخصية التي ليس لها صلة بالهيئة ولا تدعو لفكرتها من قريب أو بعيد لماذا تصادر ويصادروا أصحابها وعمالها في أعمالهم وموارد رزقهم - ولقد ضربت الرقابة الشديدة حول مسكن المرشد العام وأحيط بسياج من رجال البوليس الملكي مزودين بموتوسيكل حتى إذا دخل أو خرج خارج أدركوه فقبضوا عليه كائنا من كان وذهبوا به إلى أحد الأقسام حيث يقضي ليلة أو ليلتين أو ما شاء له حضرات الضباط ثم يعمل له بعد ذلك تشبيه وتحر ويطلق سراحه أو يظل معتقلاً إلى ما شاء الله. هذا الأسلوب من الحرب والتعسف لم تسلكه الحكومة مع الصهيونيين ولا مع أشد الأعداد عداوة للوطن والحرب على أشدها ولم يعمد إليه الإنجليز أبان الحرب الماضية ولكن لجأت إليه الحكومة مع الإخوان المسلمين في هذا لبيان.

حكم هذا الحل في فعله وآثاره

كان هذا القرار نعلم - باطلاً شكلا لأنه ليست هناك جماعة اسمها جماعة الإخوان المسلمين وإنما هناك جماعات اسمها أقسام البر والخدمة الاجتماعية لالإخوان المسلمين وهناك هيئة الإخوان المسلمين العامة ولا شيء إلا هذين الاسمين.

وباطلاً موضوعًا لأنه تجاوز لحقوق الحاكم العسكري الممنوحة له في مرسوم الأحكام العرفية - ومنافٍ لروح الغاية التي فرضت من أجلها هذه الأحكام ومحال أن تطبق الأحكام التي فرضت للصهيونيين على خصوم الصهيونيين الألداء.. لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبري تهيأ لها شباب هذا الجيل من أبناء الوطن وأفضل العقائد وترك في النفوس أعمق الآثار.

وسيقول التاريخ كلمته ويُظهر المستقبل القريب آيته ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ) (الرعد: من الآية 17).

حسن البنا


للمزيد

ملفات متعلقة للإمام البنا

كتب هامة متعلقة بالإمام البنا

كلمات خالدة للإمام حسن البنا

متعلقات أخرى للإمام البنا

مقالات متعلقة عن الإمام حسن البنا

تابع مقالات متعلقة

مقالات متعلقة بالإمام البنا

تابع المقالات المتعلقة

.

وصلات فيديو للامام حسن البنا

.