إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

دفاع لم يسمع

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
دفاع لم يسمع في قضية الشهيد سيد قطب وزملائه من سيد قطب


محتويات

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
دفاع لم يسمع

هذا دفاع لم يسمع…

دفاع عن شباب من زهرة شباب مصر.

مئات وألوف، تضم سجون مصر.

مئات وألوف، تضمهم سجون مصر.

كل ذنبهم أنهم قالوا في مصر لا.

وحكام مصر اليوم لا يريدون لا.

أربعة عشر عاما مضت على مصر منذ عام 1952 ولم يخطئ علي أرضها حاكم، ولم يصدر عنهم أمر يستوجب المعارضة أربعة عشر عاما كاملة كل شيء في مصر خلالها صواب.

بل تخطى منطقة الصواب فأصبح وحيا وإلهاما.في مصر اليوم آلهة والآلهة لا يناقشون ولا يعترض عليهم.كل من فكر في مصر اليوم مجرد التفكير في وجهة نظر مخالفة فهو معارض فإذا حدث بها غيره كان متآمرا.

فإذا كتبها كان داعيا لانقلاب.الرأي في مصر اليوم جريمة.مصر اليوم تساق في ركاب اليسار الشيوعي.فإذا كان رأي اليسار الماركسي أن اليونان في قبرص على صواب والأتراك مخطئون فاليونان على صواب والأتراك مخطئون.

ولو ذبح الأتراك وشهد لهم مراقبوا هيئة الأمم.وإذا قتل المسلمون في كمشير بيد الهنود وكان رأي اليسار الماركسي في مصر أن الهند صديقة غير منحازة فهي على صواب.فالهند على صواب وليمت المسلمون في كشمير.

وإذا كان رأي اليسار الماركسي أنه لابد أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا على أرض اليمن دفاا عن مصالح الدول الإشتراكية والثورية.فحزب اليمن حق.

من خالف ذلك فليختف فورا ولو كان كمال الدين حسين نائب رئيس الجمهورية.على ضوء ذلك يمكن أن نفهم المحاكمات الهزلية التي أقيمت للتشهير بسيد قطب.قضاة هذه المحكمة عسكريون ملتزمون قبل أن يجلسوا وبعد أن يستمعوا.

ولا يجوز فيها دفاع فالدفاع لا بد أن يخرج عن الالتزام الماركسي اليساري وذلك اليوم في مصر جريمة.

لهذا طرد المحامون السودانيون الذين حضروا إلى مصر ليدافعوا عن سيد قطب وكانوا بذلك ينفذون توصيات مؤتمر المحامين العرب الأخير الذي عقد في القدس وأوصى بالسماح للمحامين العرب بالدفاع عن المتهمين السياسيين في البلاد العربية الأخرى لقد طردوا لأنهم محامون لا يلتزمون إلا الحق الذي يقتنعون به بغض النظر عن رأي اليمين أو رأي اليسار.

وفي مصر اليوم رأى واحد لا يعارض حتى لو كانت المعارضة داخل قاعة المحكمة دفاعا عن النفس وفي إطار القانون.

كل من ترافع من المحامين المنتدبين بدأ فمدح سيادة الرئيس والثورة والثوريين والمنجزات والخط الإشتراكية فأعلن أولا الالتزام ثم سب المتهمين جميعا وهذا لعمر الحق في الدفاع نهج جديد.

وبدأ بعد السباب والمديح يتعرض لمسائل تفصيلية تاركا القانون والشرعية.وتحوي الصفحات التالية الدفاع الذي لم يسمع.لأنه في مصر اليوم لا يسمع إلا أبواق الدعاية وعملاء اليسار.

إذا كانت هناك جريمة حرمان شعب بأسره خلال أربعة عشرة عاما من التعبير والتفكير والاعتراض والإسهام في اختيار صورة الحياة التي يرتضيها المواطنون لأنفسهم وللأجيال التي تليهم.

هذا هو الدفاع الذي أعده المحامون الذين منعتهم السلطات المصرية من أداء واجبهم في الدفاع عن سيد قطب.

وينقسم هذا الدفاع إلى أبواب ثلاثة:

الأول: بيان لظروف الاتهام والأسباب الحقيقية وراء افتعال هذه المحاكمات في هذه الفترة بالذات.
الثاني: عدم شرعية القوانين التي يحاكم بها هؤلاء المتهمون وبطلان تشكيل المحاكم التي يحاكمون أمامها.
الثالث: الرد على مزاعم اللجنة التشريعية وافتراءات رئيسها وبيان بطلان كافة الاعترافات المملاة على هؤلاء المتهمين لصدورها نتيجة إكراه وتعذيب وحشي.

الباب الأول: ظروف الاتهام

في عام 1953 أصدرت الحكومة المصرية العسكرية مرسوما بحل الأحزاب السياسية وتحريم قيامها أو السعي إلى إعادة تشكيلها ولم ينطبق هذا القانون في ذلك الوقت على سيد قطب لأن الحكومة كانت تعلم أنهم يمثلون القيادة الشعبية لمصر وأنها في حاجة إلى دعمهم الشعبي ولكن الأيام أوضحت أن الإخوان لم يكونوا على استعداد لكي يكونوا مجرد أداة مصفقة لإرضاء طموح الطبقة الحاكمة الجديدة فهم يطالبون بالحريات الدستورية وبالرجوع إلى الشعب في كل أمر من الأمور التي تقرر حاضره ومستقبله؛

فالشعب ليس بحاجة إلى وصاية وصي مهما علا شأنه أو ارتفع قدره، لأن الفرد زائل والشعب باق مستمر لا يزول وقد تبين هذا الموقف في كتابات الإخوان في الصحف وإلى الحكومة وفي اجتماعات المرشد العام مع رئيس الجمهورية.

وأمام شعور الحكومة بأن الإخوان ليسوا مؤيدين لقيام حكم فاشي عسكري لجأت الحكومات إلى إنشاء حزب سياسي اسمته هيئة التحرير لم يكسب من التأييد الشعبي إلا بمقدار ما يكسب حزب حكومي من تصفيق بعض الانتهازيين ولم يلق هذا الحزب من النجاح إلا بالقدر الذي لقيه حزب الشعب الحكومي الذي كان قد أنشأه صدقي من قبل إزاء هذا الوضع رأت الحكومة نفسها مضطرة إلى إخلاء المجال لهيئة التحرير وحدها؛

توهما منها أن التجاوب الشعبي يمكن خلقه بالقوانين والقرارات العسكرية وكان أن أصدرت الحكومة من 12 يناير 1954 قرارا بانطباق قانون حل الأحزاب السياسية على سيد قطب وحلت هيئتهم واعتقلت من الإخوان بضعة آلاف.

بإزاحة الإخوان من الطريق أخذت مجموعة عبد الناصر من الضباط الطامحين في السلطة تتحكم في مصر على نحو أثار الجيش والشعب وأغضب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء محمد نجيب الذي حاول فرض حكم دستوري فعزلته جماعة عبد الناصر وفصلته من رئاسة الجمهورية وأسندتها إلى البكباشي عبد الناصر..

ووقف صلاح سالم يعلل الطرد بأن محمد نجيب محب للظهور وبأنه سمح بنشر صورته في الصفحة الأولى من صفحات الأهرام خلافا لما أجمع عليه رجال الثورة ولكن الجيش والشعب تحركا وأعادا اللواء محمد نجيب إلى الرئاسة إلا أنه كان من الطيبة والسماحة بحيث ترك مجموعة الضباط الذين فصلوه معه في الحكم.

وفي تلك الفترة أرسل الأستاذ حسن الهضيبي كتابا إلى رئيس الجمهورية نشر بجريدة المصري في حينه أكد فيه ما سبق أن طالب به الإخوان المسلمون من إطلاق الحريات والرجوع إلى الشعب لتقريره مستقبله ومعارضا في اعتقال الناس دون محاكمة عادلة وقيام شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص بفرض سلطانهم على الشعب بقوة السلاح وإرهاب المباحث العامة والمخابرات والمباحث والجنائية إلى آخر هذه الأجهزة التي تعددت بصورة لم تكن تعرفها مصر قبلا.

ونتيجة للضغط الشعبي وتمرد سلاح المدرعات على الاتجاه الناصري أطلق سراح الإخوان المقبوض عليهم في 25 مارس 1954 إلا أن عصابة عبد الناصر قابلت ذلك بتسيير مظاهرات تهتف بسقوط الحرية والمتعلمين واتجهت هذه المظاهرات تهتف بسقوط الحرية والمتعلمين واتجهت هذه المظاهرات إلى مجلس الدولة لتعتدي على الدكتور السنهوري باعتباره أحد المطالبين بالحكم الدستوري والمعارضين للاتجاه الفاشي الاستبدادي.

ولم يجد المتحكمون وسيلة لإسكات هذا الصوت والتخلص من اللواء محمد نجيب إلا تلك المسرحية التي مثلت في الإسكندرية وانتهت إلى محاكمة عسكرية هزلية تولاها شخص عرف بالعته العقلي وانحدرت إلى درجة الإرهاب والإسفاف تدنت بها عن محاكمات دنشواي الشهيرة وأقصى اللواء محمد نجيب وطرد المئات من الضباط الأحرار من الجيش وأعدم من أعدم.

وكان من نتيجة هذا الجور الإرهابي العنيف أن آثر الشعب السوداني لانفلات من طوق الحكم الناصري الفاشي فعلى الرغم من أن الحزب الاتحادي كان قد نجح في الانتخابات بأغلبية ساحقة إلا أن الجماهير السودانية عادت فطالبت بالانفلات من ربقة الحكم العسكري الذي خشيت أن تدخل في أساره فتعيش في إرهاب يذل الرجال ويحني الظهور.

ظن حكام مصر بعد إقصاء محمد نجيب وإيداع الإخوان في السجون إن الأمن قد استتب لهم وأن الشعب سوف يسير وراءهم وانصرفوا إلى تنشئة جيل الثورة ممن لم يعاصر حكما قبل حكمهم.

وأممت الحكومة المصرية قنال السويس في سنة 1956 وتعرضت مصر بعدها لهجوم عسكري من انجلترا ضد هذا الاعتداء وأيقن المعتدون أنهم يحاربون شعبا يدافع عن وطنه بغض النظر من خلافاته الجذرية مع حكامه فتوقف القتال وانسحبت الجيوش المهاجمة فاستغل عبد الناصر ذلك للدعاية الشخصية في البلاد العربية؛

وأصرت سوريا على الوحدة مع مصر عام 1958 وخرجت إلى الوجود الجمهورية العربية المتحدة ترنو نحوها الأبصار وتهف حولها القلوب آملة في نشوء قيم حضارية جديدة ترتفع بكرامة الإنسان وتؤمن بحريته وتثق في الإنسان العربي الذي استطاع تحقيق الوحدة فترفع عنه وصاية الأوصياء وتعهد إليه بالأمر يدبره حسب إرادته التي كانت من النضج والوعي بحيث حققت الوحدة

ولكن الأمل خاب جميعه إذ سرعان ما زحف رجال المباحث والمخابرات على سوريا وبدأت سوريا تشهد حكما استبداديا رهيبا لم تعهده في أحلك عهودها وحلت المنظمات الشعبية وضربت التكتلات الوحدوية ذاتها وتكشفت حقيقة الحكم الناصري للشعب السوري كما تكشفت قبلا لشعب السودان وبدأت أسهم الرئيس ونظامه البوليسي والعسكري في الهبوط ووقع الانفصال.

وكان نزول الأسهم مقترنا باتجاه حكام القاهرة إلى الماركسية المادية تحت اسم اشتراكية عربية بل كان نتيجة حتمية لهذا الاتجاه الذي ينافي دين المنطقة ومشاعرها وتقاليدها.

ولم يفق حكام القاهرة أمام هذه النكسة في تاريخ الشعوب العربية كلها بل أصروا على موقفهم واتخذوا المطلق باسم الثورية وشكل حزبه الوحيد الجديد الذي اسماه الاتحاد الاشتراكي وجعله وارثا لحزبيه السابقين هيئة التحرير والاتحاد القومي اللذين لم يكن نصيبهما إلا فشل مريع بعد أن أعرض عنهما الشعب فعبر عن سخطه عما يعانيه من إرهاب وطغيان وعن تضامنه مع قيادته الشعبية الإسلامية المودعة غياهب السجون.

والمطلع اليوم على أقوال السيد عبد الناصر يجد أن مصير حزبه الأخير لم يكن بأحسن حالا من مصير حزبيه السابقين.

وعلى أساس ذات المبدأ وضع الميثاق الذي كتب بقلم ماركس العقيدة ليصور وجهة نظر الحاكم الفرد المطلق في تاريخ البلاد وحاضرها وحتمية مستقبلها ؟؟؟ واعتبر هذا الميثاق إطار السياسة للدولة ومدار دراسات مفكريها وأساس تربية جيل الثورة في المدارس والجامعات؛

وبالرغم من الضجة التي أقامتها أجهزة الإعلام والنشر للميثاق والكتب الطويلة والمقالات التي وضعت لشرح الإشتراكية العلمية والحتمية التاريخية للحل والاشتراكي الماركسي فقد ظلت هذه النظرية غريبة عن مشاعر جماهير الشعب العربي وأذهان مثقفيه وقليل من العرب في مصر وخارج مصر من كلف نفسه تصفح الميثاق وشروحه وأقل منهم من أتم قراءته.

وأقحمت القوات المصرية في حرب اليمن في قتال عنيف ضار أباح فيه العربي المسلم دم العربي المسلم بغية تحقيق نصر خارجي يسند الحكم العربي المسلم دم العرب المسلم بغية تحقيق نصر خارجي يسند الحكم الذي يعاني الانهيار بعد فشل الإشتراكية في الداخل والوحدة العربية في الخارج؛

وكم كان أولى بهذا الدم الذكي أن يراق لإغلاق خليج العقبة في وجه إسرائيل شريان حياتها ومنفذ تجارتها إلى آسيا وأفريقيا هذا الخليج الذي لم يفتح على مصراعيه إلا في عهد الفاشية العسكرية الحاكمة في مصر كما كان أولى بهذا الدم أن يراق لمنع تحويل مجرى نهر الأردن حتى لا ينفتح النقب أمام المزيد من المهاجرين اليهود بعد زراعته.

ووقفت الماركسية الدولية خلف حرب اليمن تدعمها بالمال والسلاح ولم يعد الأمر خافيا على أحد بعد أن نشرت تفاصيل ذلك على صفحات الجرائد حتى أن هيكل نشر بجريد الأهرام أن زيارة جمال عبد الناصر لموسكو قد غطت تكاليف حرب اليمن وهكذا تحول الجنود المصريون إلى مخلب قط للشيوعية ينفذون خططها بحرب تستنزف طاقاتنا ودمائنا وتمزق وحدتنا بما يتيح لإسرائيل مزيدا من النمو والتدعيم.

وفشلت مشاريع التصنيع وتقلص الإنتاج الزراعي ولم تنجح حملة اليمن فزاد الساخطون في الجيش والشعب وزاد من سخطهم عدم توافر حاجياتهم السياسية والإنسانية على نحو لم يروا له مثيلا من قبل ولأول مرة في تاريخ مصر تقبل حكومتها بمحض إرادتها جيوشا أجنبية تدنس جزءا من أرضها كي تؤمن لإسرائيل المرور من خليج العقبة في الوقت الذي تخوض فيه جيوشها المعارك الطاحنة ضد عرب مسلمين في اليمن؛

ونسب الناس كل هذه المصائب المتوالية على تبعية حكام مصر لأوامر موسكو ومذهبها الشيوعي وما أدى إليه من إنشاء طبقة جديدة انتهازية لا تؤمن بالقيم الخلقية ولا تؤمن بالشعب ولا يؤمن الشعب بها.

وفي أول أبريل سنة 1965 كتبت مجلة الأكونومست في تقريرها الأجنبي تقول إن رئيس الجمهورية العربية المتحدة بدأ يحس بتجمع أعدائه وأنه بدأ حملة اعتقال بين المعارضين له حتى بلغ من اعتقلهم إلى يوم 31 مارس مائة وخمسين شخصا وعندئذ أعلن رئيس الجمهورية موقفه من المعارضة حين نوقش في الاتحاد الاشتراكي في أبريل سنة 1965 عن رأيه في إفساح المجال أمام وجود معارضة تصحح الأخطاء وتنبه إليها؛

فكان جوابه أن في البلاد تنظيما معارضا يفوق في قوته وتماسكه الاتحاد الاشتراكي ذاته ولو أن رئيس الجمهورية أراد أن يعبر عن الواقع تعبيرا صادقا لقال أن في مصر تيارا قويا يرتبط بالشعب لا يؤمن بشيوعيته التي يسميها الإشتراكية العلمية.

وهذا شيء صحيح أحسه الشيوعيون المتحكمون في الأجهزة الحساسة من الدولة والذين يحاولون السيطرة على الدولة كلها عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربي أحسه هؤلاء الشيوعيين حني رأوا شروحهم للاشتراكية لا تلقى قبولا بينما تصدر كتب تحمل الفكرة الإسلامية أو تدعو إلى مبادئ الحرية أو تتبنى تقاليد البلاد ومشاعر أهلها فتلقى رواجا مثل كتب سيد قطب التي تلقى قراء في كل مكان في مصر وفي البلاد العربية؛

وركز حقد هؤلاء على الأخص في سيد قطب الكاتب الإسلامي الذي كان آخرها كتابه معالم في الطريق أذنت الحكومة بنشر هذا الكتاب ثم هالها إقبال الناس عليه وعندئذ تنبهت إلى أن علة انتشاره أن يرفض تحكم فرد أو أفراد في الناس ويدعو إلى نبذها هذا التحكم لأن فيه العبودية لغير الله وهذا القول عند الشيوعيين والحكام العسكريين منتهى الأضرار بمركزهم والهدم لفلسفتهم؛

خاصة إذا قاله رجال من رجال الفكر سبق أن اتخذت الثورة كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام هاديا لها في خطواتها الأولى نحو الإصلاح رجل من رجال الفكر له قراؤه العديدون في مصر وفي البلاد العربية كلها.

وفي أغسطس سنة 1965 وقع رئيس الجمهورية اتفاقية جدة وإحلال السلام في اليمن وتعهد بسحب القوات المصرية وترك الشعب اليمني ليقرر مصيره وقد وقع هذا الاتفاق لأنه أحس أنه الحل الوحيد الذي يضمن له وقف النزيف المالي الذي يصب في حرب لا يعلم مداها ولا يفهم دواعيها وتذكر وهو يوقع هذا الاتفاق ماضيا عاشه هو وأصحابه حين وقعت مصر في عام 1949 الهدنة الدائمة في فلسطين وسحبت جيشها من هناك؛

ففكر الجيش في الانقلاب تم في عام 1952 تذكر هذا الماضي وخاف أن يتكرر حين ينقلب عليه ضباطه كما انقلب هو على من سبقه ومنعا لاحتمالات مثل هذا الانقلاب أصدر أوامره إلى رجال المخابرات للتخلص من المعارضين في الجيش وخارج الجيش حتى لا يتعرض لانقلاب يعلم أن الأمة كلها سوف تؤيده أملا في انفراج ضائقتها الاقتصادية والسياسية والفكرية.

وبدأ رجال المخابرات العسكرية والمباحث العامة البوليسية والشيوعيون في إعداد قوائم المعارضين الذي يخشى نشاطهم أو تفكيرهم أو مجرد مشاعرهم على بقاء الحكم العسكري وانتشار الفلسفة الماركسية التي رفضتها جميع طوائف الشعب حتى الشباب المثقفين الذين ظن الحكام أنه جيل الثورة

وفي هذه القوائم وعلى رأسها وضع الأستاذ سيد قطب وغيره من كتاب الإسلام والفكر الحر ودعاة الديمقراطية وظن واضعو هذه الأسماء أن هذا هو السبيل الوحيد لإفساح المجال أمام اشتراكية العلمية لتزحف فكريا على الشعب المتمسك بدينه وتقاليده؛

والذي يرفض كل مبدأ ملحد دخيل ووضعت في القوائم أسماء كل متدين أو متعقل أو صاحب رأي حر م ضباط الجيش ورجال البوليس والوزراء وهكذا كانت القوائم تشكيلة غريبة تدل على اختلاف نزعات من وضعوها كل ذلك والجو يبدو هادئا إلا من اعتقالات محدودة واتهام للصحف مصطفي أمين بالعمالة لأمريكا.

وفي أغسطس سنة 1965 وبعد اتفاقية جدة، توفي الرئيس السابق مصطفي النحاس رئيس حزب الوفد المصري وكان رحمه الله قد حكمت عليه الثورة المصرية أن يبقى في ظل من النسيان منذ قامت في سنة 1952 وظن الحكام أن جنازته ستمر دون أي مظهر من مظاهر التكريم له من الشعب.

ولكن حدث عكس ما توقع الحكام سار في الجنازة بضعة مئات الألوف من أفراد الشعب وصلى الناس على الجثماني في أكثر من مسجد وأخذوه بالقوة وبرغم إرادة البوليس للصلاة عليه في مسجد الحسين الذي يسميه المصريون سيد الشهداء وأصروا على نقله إلى ضريح سلفه الزعيم المصري سعد زغلول ولكن البوليس فرق الناس بالقوة ونقل الجثمان حيث دفنه في مكن لا يدريه أحد.

وأثناء الجنازة أهتم المخابرات بالتقاط صور السائرين فيها فرأوا في هذه الصور عجبا أزعج الحكومة وأظهر مدى سخط الشعب وتزحمه على الماضي الذي كان يشكو منه.

سار في الجنازة بطبيعة الحال كثير من الوفدين أنصار الرئيس مصطفي النحاس وسار كذلك معارضوه من رجال الأحزاب الأخرى وسار المثقفون والعلماء وأساتذة الجامعات والقضاة وسار عدد كبير من كبار رجال الجيش والشرطة المتقاعدين والعاملين وسار ألوف من العمال والفلاحين وصغار الموظفين الذين يظن الحكم الحالي أنه أنصفهم من ظلم سابق وسارت نساء موظفات عاملات ومتزوجات سار أناس كبار السن حضروا العهدين عهد ما قبل الحكم العسكري وبعده وهذا يبدو أمرا طبيعيا؛

ولكن غير الطبيعي أنه سار بجوارهم شباب من جيل الثورة شباب لا يذكر شيئا عن مصطفي النحاس وحكم الأحزاب ودستور ما قبل الثورة وكانت هذه الجنازة أول تحد شعبي للحكم الفاشي الناصري وكانت كذلك بداية حشد المعتقلين في السجون بالآلاف وبداية تحديد لون القوائم التي سيختار منها المتهمون بقضايا الانقلاب من بين المعارضين.

وبعد هذه الجنازة بأربعة أيام أعلن رئيس الجمهورية في موسكو أن هناك متآمرين على أمن الدولة من سيد قطب وصدر هذا الإعلان أثناء زيارة رسمية للاتحاد السوفيتي تلك الزيارة التي قال عنها رئيس تحرير جريدة الأهرام أنها غطت كل نفقات حملة اليمن التي استمرت ثلاث سنوات ومن المؤكد أن الصلة بين هذا الاتهام ومكان إعلان ظروفه ليست بخافية.

رئيس الجمهورية هو الذي له حق تشكيل محاكمة استثنائية تحاكم بإجراءات استثنائية يضعها هو ورئيس الجمهورية هو الذي يصدق على الأحكام التي تبقي سرية حتى يقول كلمته فيها فهو الذي يحكم فما جدوى المحاكمة ما دام رئيس الجمهورية هو الذي أصدر قرار الاتهام قبل التحقيق...

والدليل على أن الاتهام سبق التحقيق أمر لا يحتمل خلافا ذلك أن اتهام رئيس الجمهورية أعلن يوم 28 أغسطس سنة 1965 صراحة وبدأت بعده الجرائد المؤممة والإذاعة المملوكة للحكومة والتلفزيون المملوك للحكومة كذلك تجري محاكمات تكيل فيها التهم للإخوان وتحدد أفراد المتهمين وتبين تهمهم حتى كان يوم 17 أكتوبر سنة 1965 أي بعد قرابة شهرين من إعلان رئيس الجمهورية للاتهام فنشرت جريدة أخبار اليوم المصرية تصريحا لرئيس نيابة أمن الدولة يذكر فيه أن التحقيق في قضايا الإخوان لم ينته بعد وأن ما ورد في الصحف من اتهامات ليس إلا نتيجة خيال خصب غير مستقيم.

وتوالت وقائع على أن الشعب ضاق ذرعا بسياسة الحكومة في اضطهاد الإخوان واعتقالهم ظلما وعدوانا فكانت حوادث دامية في دمياط مات فيها رميا بالرصاص ثمانية عشر فردا من عمال الصيد وأعلنت الأحكام العرفية في المنطقة وتمت تحركات عسكرية ونفذت أحكام الإعدام في الشوارع وكانت حوادث قرية كرداسة فاشتبك الشعب مع رجال الجيش في معركة قتل فيها ثمانية من الجيش وعشرات من الشعب وقصفت القرية بعدها بالمدفعية؛

وكانت حوادث طنطا التي جمع بسببها أفراد الشعب جمعا من الشوارع لأنهم ضاقوا بالتفتيش والاعتقال الواقع على سيد قطب وغيرهم لغير جريمة ودون ضمانات وكانت تحركات في الجيش لم يعلن عنها كثير؛

ولكن أعلن ضمانات وكانت تحركات في الجيش لم يعلن عنها كثير ولكن أعلن أن إسماعيل الفيومي وزملائه من رجال حرس رئيس الجمهورية قيل أنهم قرروا اغتيال عبد الناصر ثم اختفى كل أثر للفيومي وسرت شائعات تقول أنه قتل وشائعات أخرى تؤكد أنه هرب بواسطة بعض كبار الضباط في الجيش.

وبدأت المحاكمات فجرت محاكمات سرية في دمياط وكرداسة وجرت محاكمات سرية داخل صفوف الجيش. ثم كانت المحاكمة العلنية فحوكم الصحفي مصطفي أمين بتهمة العمل لحساب أمريكا.وحوكم مصطفى أغا وجماعته بتهمة الشيوعية.وحوكم حسين توفيق وجماعته بتهمة المؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال رئيس الجمهورية.

وإلى هنا لم يظهر التحقيق شيئا مما نسب إلى سيد قطب وبقي الأمر بالنسبة إليهم أمر اعتقال وتعذيب واتهام ووعيد من رئيس الجمهورية وتشهير على صفحات الجرائد وعلى شاشة التلفزيون وتقرير هزيل عن قانون مخالف للدستور مهدر لحقوق الإنسان.

وبعد أن وقع ذلك كله قدم أفراد من سيد قطب بعد تحقيقات باطلة إلى محاكمة تقوم على قوانيني غير شرعية تخالف الدستور وتهدر إعلان حقوق الإنسان فما هي القوانين التي تمت على أساسها التحقيقات والمحاكمات؟

نكتفي هنا ببحث القانون رقم 119 سنة 1964.والقانون رقم 50 سنة 1965 الذين صدرا خصيصا لمحاكمات الإخوان.

الباب الثاني:عدم مشروعية القوانين التي تبيت عليها المحاكمات

الفصل الأول:عدم شرعية القانون رقم 119/ 1964

هذا القانون هو أول القوانين التي يساق بهما المتهمون السياسيون اليوم في مصر إلى المحاكم الاستثنائية ولا شك أن مناقشة مدى شرعية هذا القانون تقتضي أن نبدأ أولا بعرض نصوصه ثم نتعرض لها بالبحث موضحين أوجه مخالفتها لإعلان حقوق الإنسان ولدستور حكومة 23 يوليو نفسها.

أولا: نص القانون رقم 119 لسنة 1964

قرار بالقانون رقم 119 لسنة 64 بشأن التدابير الخاصة بأمن الدولة بعد الإطلاع على الدستور المؤقت.وعلى الإعلان الدستوري الصادر في 27 سبتمبر سنة 1962 بشأن التنظيم السياسي لسلطات الدولة العليا.

وعلى الميثاق الوطني.وعلى القانون رقم 34 لسنة 1962 بوقف مباشرة الحقوق السياسية بالنسبة لبعض الأشخاص.وعلى القانون رقم 163 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ.وعلى موافقة مجلس الأمة.

أصدر القانون الآتي:

يجوز بقرار من رئيس الجمهورية القبض على الأشخاص الأتي ذكرهم وحجزهم في مكان أمين:

  1. الذي سبق اعتقالهم في الفترة من 23 يوليو سنة 52 إلى 26 مارس سنة 1964.
  2. الذي طبق في شأنهم أحكام القانون رقم 34 لسنة 1962 المشار إليه والذين استثنوا من أحكامه.
  3. الذي طبقت في شأنهم أحكام القوانين الإشتراكية
  4. الذي فرضت على أموالهم وممتالكاتهم الحراسة وفقا لأحكام القانون رقم 162 لسنة 1958.
  5. الذين صدرت ضدهم أحكام من محاكم أمن الدولة الجزئية أو العليا يكون للنيابة العامة في تحقيق الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني مكررا من الكتاب الثاني من قانون العقوبات بجانب السلطات المخولة لها سلطات قاضي التحقيق ومستشار الإحالة ولا تتقيد في ذلك في المواد 51، 52، 53، 54، 55، 57، 77، 84، 92، 93، 97، 124، 125، 141، 142، 143، من قانون الإجراءات ومع ذلك يجوز للمتهم أن يتظلم من أمر حبسه للمحكمة المختصة إذا انقضى ثلاثون يوما من تاريخ آخر قرار صدر في هذا الشأن.

وتختص بنظر هذه الجنايات وما يكون مرتبطا بها من جرائم أخرى محكمة أمن دولة عليا ترفع الدعوة إليها مباشرة من النيابة العامة وتشكل هذه المحكمة من ثلاث من مستشاري محاكم الاستئناف.

ويجوز لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل هذه المحكمة من ثلاثة من مستشاري محاكم الاستئناف ومن ضابطين من الضباط القادة كما يجوز تشكيلها من ثلاثة من الضباط القادة وتطبق المحكمة في هذه الحالة الإجراءات التي ينص عليها رئيس الجمهورية في أمر التشكيل على أن يباشر الدعوى أمام المحكمة عضو من أعضاء النيابة العامة.

ولا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من هذه المحكمة ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية.

(مادة 3)

ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية فرض الحراسة على أموال وممتلكات الأشخاص الذين يأتون أعمالا بقصد إيقاف العمل بالمنشآت أو الأضرار بمصالح العمال أو تتعارض مع المصالح القومية للدولة.

(مادة 4)

لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية جهة كانت في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقا لأحكام هذا القانون.

(مادة 5)

مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد تنص عليها القوانين المعمول بها يعاقب كل من يخالف القرارات الصادرة من رئيس الجمهورية بالحس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

(انتهى)

أن هذا القانون عبارة عن مجموعة من القواعد المخالفة للأصول التشريعية وللدستور المصري نفسه فضلا عن المبادئ الإنسانية.

أولا: عدم شرعية ما نصت عليه المادة الأولى من جواز القبض والاعتقال.

أن هذه المادة تجيز لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارا بالقبض على الأشخاص الذين عددت المادة أوصافهم وحجزهم في مكان أمين وهذا الحق غير مقيد بأي قيد لا من حيث سبب القبض والاعتقال ولا من حيث مدة الاعتقال.

وبمراجعة فئات الأشخاص الذين نصت عليهم هذه المادة نجد أنها تضم:

  1. الذين سبق اعتقالهم في الفترة من 23- 7- 25 تاريخ انقلاب الجيش إلى 26- 3- 1946 تاريخ صدور القانون أي جميع المعارضين السياسيين للحكم العسكري أو من شك الحكم العسكري في ولائهم أو لأي اعتقالهم من باب الحيطة أو لأي سبب من الأسباب أو حتى دونما سبب.أي أن أشخاصا اعتقلوا مجرد اعتقال دون تهمة توجه إليهم أو محاكمة تجري لهم وأصبحوا بذلك ضحايا للحكم العسكري ومجني عليهم يحتاجون إلى من ينصفهم ويعوضهم عما أصابهم من جراء اعتقالهم من إهدار حرياتهم وكرامتهم وفقدان وظائفهم وخراب أعمالهم وتشرد عائلاتهم بدلا من أن ينصفوا يأتي القانون ليستبيح حقوقهم وحرياتهم لرئيس الجمهورية دون قيد أو شرط.
  2. هؤلاء الذين طبق في شأنهم أحكام القانون رقم 34 لسنة 62 الخاص بوقف مباشرة الحقوق السياسية والذين استثنوا من أحكامه هؤلاء أيضا الذين حرموا بقانون سابق لا يقل في عدم شرعيته عن هذا القانون من حقوقهم السياسية جاء هذا القانون لإنصافهم بحرمانهم من باقي حقوقهم المدنية واستباحة القبض عليهم واعتقالهم دون قيد أو شرط.
  3. ثم هؤلاء الذين طبقت في شأنهم أحكام القوانين الإشتراكية تلك القوانين التي حددت الملكيات العقارية وغيرها وأممت الشركات إلى غير ذلك من الإجراءات التي مست حق الملكية في الصميم والتي لا مجال لمناقشة شرعيتها في هذا البحث هؤلاء الذين حرمتهم هذه القوانين جزئيا أو كليا من حقوقهم في تملك ما كنوا يمتلكون جاء هذا القانون لينصفهم فحرمهم من باقي حقوقهم واستباح القبض عليهم واعتقالهم دون قيد أو شرط
  4. ثم هؤلاء الذي فرضت على أموالهم وممتلكاتهم الحراسة وفقا لأحكام القانون رقم 162/ 1958 وهو الخاص بحالة الطوارئ جاء هذا القانون ليبيح لرئيس الجمهورية وفي غير حالة الطوارئ أن يقبض على أشخاصهم ويقبض على أشخاصهم ويعتقلهم إلى أجل غير مسمى ودون قيد أو شرط
  5. ثم هؤلاء الذين صدرت ضدهم أحكام من محاكم أمن الدولة الجزئية أو العليا هذه المحاكم الاستثنائية غير الشرعية والذين قضوا العقوبة المحكوم بها عليهم عدلا أو ظلما وسواء طالت أو قصرت مدتها هؤلاء جاء هذا القانون ليبيح لرئيس الجمهورية القبض عليهم واعتقالهم لأجل غير مسمى قد يستمر أضعاف المدة التي حكم عليهم بها..

وهذا يتضح أن هذه الفئات الخمسة تجمعها الظروف الآتية:

  1. أنهم أصلا مجني عليهم من الحكم العسكري لأسباب سياسية أو اقتصادية أو شخصية فجاء هذا القانون ليضاعف بلاءهم.
  2. أن عدد الأشخاص الذين تشملهم هذه الفئات ضخم جدا يبلغ مئات الألوف وتتوزعه طوائف الشعب وفئاته على اختلاف أنواعها.
  3. ومن نافلة القول أن نكرر أن إباحة القبض على هؤلاء الأشخاص واعتقالهم دون توجيه تهمة أو إجراء محاكمة فيه كل الإهدار لحقوق الإنسان الأساسية التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ثانيا: عدم شرعية ما نصت عليه المادة الثانية (فقرة أولى وثانية) من سلطات استثنائية للنيابة العامة.

فقد أعفت هذه المادة النيابة العامة من التقيد بالمواد 51، 52، 53، 54، 55، 57، 77، 82، 84، 92، 97، 124، 521، 141، 142، 143، من قانون الإجراءات.
ويكفي مجرد عرض نصوص هذه المواد ليتبين أن المادة قد أهدرت جميع الحقوق المعترف بها في كافة الشرائع والقوانين للمتهم بل عطبت أغلب نصوص التشريع المصري في الإجراءات الجنائية وبذلك أصبحت التحقيقات خاضعة لأهواء المحققين دون تقيد بأي نص من نصوص القوانين المصرية نفسها.

ثالثا: عدم شرعية ما نصت عليه المادة الثانية (فقرة ثانية ورابعة وخامسة من محاكم استثنائية)

قررت هذه المادة اختصاص ما أسمته محكمة أمن دولة عليا بالجرائم المنصوص عليها في الأبواب الأولى والثاني والثالث مكررا من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وما يكون مرتبطا بها من جرائم أخرى وهذه الجرائم هي الجنايات المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج والجنيات المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج والجنايات المضرة بأمن الحكومة من جهة الداخل والمفرقعات.
ومحكمة أمن الدولة العليا هذه تشكل من ثلاثة مني مستشاري محاكم الاستئناف ويجوز لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل هذه المحكمة من ثلاثة من مستشاري محاكم حال استئناف ومن ضابطين من الضباط القادة كما يجوز له تشكيلها من ثلاثة من الضباط القادة وتطبق في هذه الحالة الإجراءات التي ينص عليها رئيس الجمهورية في أمر التشكيل.
وهكذا عصفت هذه المادة بالتنظيم العادي للقضاء وسلبته ولايته بالنسبة لهذه الجرائم.ثم عصفت بقانون استقلال القضاء بل وبمبدأ حياد القاضي ونزاهته فأصبح كرسي القضاء القوية يجلس عليه الضباط الذي يعينهم رئيس الجمهورية في كل قضية لأداء المسرحية التي يخرجها رئيس الجمهورية.
وسلام على مبدأ فصل السلطات...
سلام على المادة 152 من الدستور الذي صدر في نفس اليوم ولم يجف حبره بعد الذي نصت مادته الـــ 152 على أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة.
وحتى تكتمل الصورة لزم حماية هذه المحكمة من رقابة محكمة النقض على عبثها بالقانون روحا ونصا، جملة وتفصيلا.كما لزم ربطها صراحة برئيس الجمهورية لأنه المحرك الحقيقي لها ...
لذا نصت الفقرة الخامسة من المادة على أنه لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من هذه المحكمة ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية ترى لو كان هذا الحكم يستند حقيقة إلى الشعب هل كان يخشى جلادوه الالتجاء إلى القضاء العادي والاحتكام إليه!!!

رابعا: عدم شرعية ما نصت عليه المادة 3 من جواز فرض الحراسة على الأموال والممتلكات بقرار من رئيس الجمهورية.

أجازت هذه المادة فرض الحراسة على أموال وممتلكات الأشخاص الذين يأتون أعمالا بقصد إيقاف العمل بالمنشآت أو الإضرار بمصالح العمال أو تتعارض مع المصالح القومية للدولة.
وفرض الحراسة على الأموال والممتلكات فيه من حرية الإنسان في التصرف في ملكية الأمر الذي يهدر الحقوق المنصوص عليها في المواد 3، 6، 17 من الإعلان لحقوق الإنسان لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية لا يكون أحد موضعا لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لهجمات تتناول شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الهجمات.
  1. لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره
  2. لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.
ولا يقال أن هذا الحد من الحرية له ما يبرره..
ذلك أن الأوصاف التي عددتها المادة وهي:
  1. إتيان أعمال بقصد إيقاف العمل بالمنشآت.
  2. إتيان أعمال بقصد الأضرار بمصالح العمال.
  3. إتيان أعمال تتعارض مع المصالح القومية للدولة.
هذه الأوصاف لا يصح نسبتها إلى شخص معين وبالتالي تطبيق هذا الإجراء التحفظي أو الجزائي عليه إلا من سلطة قضائية تنظر في أمره وتفصح ما ينسب إليه وتستمع دفاعه.
هذا هو المبدأ في دولة القانون وهو ما نصت عليه المادتان 10، 11، من إعلان حقوق الإنسان لكل إنسان الحق على قدم المساواة في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علينا سواء كان ذلك للفصل في حقوقه أو التزامه أو الاتهامات الجنائية الموجهة إليه.
  1. كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها جميع الضمانات الضرورية للدفاع عنه.
  2. لا يدان أي شخص من جراء أعمال أو امتناع عن أعمال إلا إذا كان يعتبر جرما وفقا للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب كذلك لا توقع عيه عقوبة أشد من تلك التي كان يجب توقيعها وقت ارتكاب الجرم.

خامسا: عدم شرعية المادة 4 من هذا القانون

ذهبت المادة 4 إلى أنه لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية جهة كانت في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقا لأحكام هذا القانون.
والنص بذلك يقصد إلى حماية قرارات رئيس الجمهورية بالقبض والاعتقال المشار إليه في المادة (1) وقراراته بتشكيل محكمة أمن الدولة العليا المشار إليها في المادة (2) وقراراته بفرض الحراسة على الأموال والممتلكات المشار إليها في المادة (3).
ومن المقرر أن النص على عدم جواز الطعن في القرارات غير الشرعية لا يكسبها شرعية.بل أنه من المقرر أيضا أن النص على عدم جواز الطعن لا يمنع من جواز الطعن لأن ذات النص على عدم جواز الطعن نص غير شرعي.

وقد سبق أن أشرنا إلى المواد 8، 10، 11، 28، 29، 30، من إعلان حقوق الإنسان ولا مانع من إعادة إيراد نصوصها:

المادة 8: لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له الدستور والقانون.
المادة 10: لكل إنسان الحق على قدم المساواة في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا سواء أكان ذلك في حقوقه أو التزاماته أو الاتهامات الجنائية الموجهة إليه.
المادة 11:
(1) كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له جميع الضمانات الضرورية للدفاع عنه.
(3) لا يدان أي شخص من جراء أعمال أو الامتناع عن أعمال إلا إذا كان يعتبر جرما وفقا للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجب توقيعها وقت ارتكاب الجرم.
المادة 29: على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يمكن فيه أن تتطور شخصيته تطورا تاما.
(4) يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقطي لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادية للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.
(5) لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه أن تمارس هذه الحقوق والحريات ممارسة تتناقض مع أغراض ومبادئ الأمم المتحدة.
(6) المادة 30 ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه.

كما سبق أن أشرنا إلى الأحكام الصادرة سنة 1952 سنة 1954 سنة 1957 ولا مانع كذلك من إعادة إيرادها:

قرر الحكمان الصادران عام 1952 أن المنع من سماع الدعوى في أي تصرف أو قرار صدر عن سلطة معينة هي السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية على هذا النحو الشامل المطلق هو إعفاء لهذه السلطة من أية مسئولية تترتب على تصرفاتها؛
حتى تلك المخالفة للقانون قانون الأحكام العرفية وإعفاء سلطة عامة إعفاء مطلقا شاملا من كل مسئولية تحققت فعلا ي جانبها وحرمان الناس حرمانا مطلقا من اللجوء للقضاء بأية وسيلة من شأنه الإخلال بحقوق الناس في الحرية وفي المساواة في التكاليف والواجبات والانتصاف وهي حقوق طبيعية فقد كفلها لهم الدستور.
وفي الحكم الصادر من الدوائر المجتمعة في 30- 6- 1952 ذهبت المحكمة إلى عدم دستورية ما نص عليه المرسوم بقانون رقم 64 لسنة 1952 من أنه لا تسمع أمام أية جهة قضائية أية دعوى أو طلب أو دفاع يكون الغرض منه الطعن في أي إعلان أو تصرف أو أمر أو تدبير أو قرار أمرت به أو تولته السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية أو مندوبها.
وتنص في هذا الحكم بالذات على أن رقابة القضاء هي دون غيرها الرقابة الفعالة التي تكفل للناس حقوقهم الطبيعية وحرياتهم العامة الدستور أساسه ووضع القانون قواعده هو نظام يخضع بطبيعته مهما يكن نظاما استثنائيا لمبدأ سيادة القانون ومن ثم لرقابة القضاء.

سادسا: عدم مشروعية هذا القانون جملة

وهكذا يتضح من هذا الفحص المختلف أحكام هذا القانون إهداره الصارخ لحقوق الإنسان إذ أنه أعطى في غير حالة الطوارئ سلطات استثنائية لرئيس الجمهورية لا يبررها إلا رغبته في الاحتفاظ بالسلطة المطلقة في يده وأن أصدر في نفس اليوم دستورا يوهم بالحياة الديمقراطية والأوضاع المستقرة.
وبيان ذلك أن الدستور قد صدر يومي 24- 3- 1964 ونصت المادة 126منه على أن يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ على الوجه المبين بالقانون ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الأمة خلال الثلاثين يوما التالية له ليقرر ما يراه بشأنه.

والقانون المشار إليه هو القرار بقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ والذي نصت المادة 2 منه على أنه يجب أن يتضمن قرار إعلان حالة الطوارئ ما يأتي:

أولا: بيان الحالة التي أعلنت بسببها.
ثانيا: تحديد المنطقة التي تشملها
ثالثا: تاريخ بدء سريانها وفي نفس اليوم الذي صدر فيه الدستور أي يوم 24- 3- 1964 صدر القرار بالقانون رقم 119 لسنة 1964 بشأن التدابير الخاصة بأمن الدولة والذي تبينا من فحص نصوصه مدى إهداره للحقوق والحريات.
ومقارنة بسيطة بين قانون حالة الطوارئ الذي هو قانون استثنائي وأن أشار إليه الدستور وبين قانون تدابير أمن الدولة الذي لا يجد أساسا له في الدستور نجد أن السلطات الاستثنائية التي تضمنها هذا القانون الأخير أخطر بكثير وأكثر إمعانا في إهدار الحقوق والحريات من قانون حالة الطوارئ الذي لا يطبق بصريح نصه إلا في حالة الطوارئ بعد إعلانها إعلانا يتضمن الحالة التي أعلنت بسببها.
أي أن الحياة الدستورية التي بدأت في 24- 3- 1964 قد بدأت في ظل قانون أشد من حالة الطوارئ دونما سند من الدستور نفسه ولا ندري بعد ذلك أيهما أصح في القول أن قانون تدابير أمن الدولة غير دستوري أم أن الدستور نفسه ولد ميتا حبر على ورق للتمويه على الناس والاستهلاك المحلي والعالمي؟

الفصل الثاني:عدم شرعية القانون رقم 50 سنة 1965

كان هذا القانون هو آخر القوانين التي أًدرها الحكم الإرهابي في مصر لمواجهة النقمة الشعبية المتزايدة.وهذا القانون يحفل بكافة أوجه المخالفات الإنسانية والدستورية على حد سواء.

وهو فضلا عن ذلك يعكس صورة واضحة لما وصل إليه الحكم الإرهابي من انهيار جعله يحتمي في سلسلة مستمرة من القوانين الاستثنائية المخالفة لا بسط مبادئ العدالة وللدستور الذي وضعه بنفسه لنفسه.

ونورد أولا نص القانون ثم نبحث شرعيته من الناحية شرعيته من ناحية الشكل ثم من ناحية الموضوع:

أولا: نص القانون رقم 50/ 965:

المادة الأولى

لرئيس الجمهورية أن يستخدم الحق المخول له بمقتضى المادة الأولى من القانون رقم 119 لسنة 1964 المشار إليه بالنسبة إلى أي شخص من الأشخاص الذين سبق لسلطات الضبط والتحقيق ضبطهم أو التحفظ عليهم وذلك في جرائم التآمر ضد أمن الدولة والجرائم المرتبطة بها والتي تم اكتشافها في الفترة ما بين أول مايو سنة 1952 وآخر سبتمبر سنة 1965.

وله أن يطبق في شأنهم التدابير الخاصة بوضع أموالهم وممتالكاتهم تحت الحراسة.ولا يقبل الطعن بأي وجه من الوجوه في الأوامر والقرارات التي أصدرتها سلطات الضبط والتحقيق قبل العمل بهذا القانون.

المادة الثانيةى

لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية جهة كانت في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقا لأحكام هذا القانون.

المادة الثالثة

ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويعمل به من تاريخ نشره صدر برياسة الجمهورية في 15 رجب سنة 1385 (9 نوفمبر 1965)

جمال عبد الناصر

ثانيا: عدم شرعية القانون 50/ 65 من ناحية الشكل:

لما كان القانون رقم 119/ 64 يعطي رئيس الجمهورية سلطة الأمر بالقبض والاعتقال بالنسبة لمن سبق اعتقالهم بين 23- 7- 52، 26- 3- 64 وفئات أخرى بينتها المادة (1) من هذا القانون كان من الطبيعي أن من لم يسبق اعتقاله قبل 26- 3- 64 ولم يكن من الفئات لأخرى المنصوص عليها لا يجوز أن يتخذ في شأنه أيا من الإجراءات الاستثنائية التي يعطيها القانون لرئيس الجمهورية؛
ويكون بذلك خاضعا للقواعد العادية في قانون الإجراءات الجنائية ويفلت بذلك من الناحية النظرية البحتة من سلطات رئيس الجمهورية الاستثنائية ونقول من الناحية النظرية البحتة لأنه عمليا لم يفلت أحد من سلطة رئيس الجمهورية إذ شملت حركات القبض والاعتقال ما بين 1- 5- 1965و 30- 9- 65 أشخاصا لا يخضعون نظريا إلا للقواعد العادية في قانون الإجراءات الجنائية.
ولكن رئيس الجمهورية لا يريد أن يتقيد بالقانون العادي، ويريد أن تكون يده مطلقة في القبض والاعتقال ... لذا فقد أتجه إلى الإجراءات الاستثنائية..

والإجراءات الاستثنائية قد بينها دستور 1964 على المراحل التالية:

  1. حالة الضرورة التي نص عليها المادة (57) من الدستور يدعو رئيس الجمهورية مجلس الأمة الاجتماع غير عادل وبذلك في حالة الضرورة أو بناء على طلب بذلك موقع من أغلبية أعضاء مجلس الأمة.أي أن للرئيس أن يطلب من مجلس الأمة في اجتماع غير عادي بعد عرض حالة الضرورة الموجبة للدعوة وموافقة المجلس عليها ما يرى اتخاذه من إجراءات تصدر بالتالي بها قوانين عادة وفقا للدستور.
  2. وقد يرى المجلس تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بالشروط التي نصت عليها المادة (120) من الدستور:لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة، أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محددة وأن يعين موضوعات هذا القرارات والأسس التي تقوم عليها.

وهذه الحالة استثنائية، إذ يقوم فيها رئيس الدولة بجزء من واجبات السلطة التشريعية لذا قيدها الدستور:

  1. بأن يكون التفويض لمدة محددة.
  2. وأن يعين التفويض موضوعات القرارات.
  3. ثم هناك أخيرا حالة المادة 129 من الدستور التي تنص على أنه

إذا حدث فيما بين إدوار انعقاد مجلس الأمة أو فترة حله،ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الأمة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائما وفي أول اجتماع له في حالة الحل؛

فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون بغير حاجة إلى إصدار قرار بذلك أما إذا عرضت ولم يقرها المجلس زال ما كان لها من قوة القانون من تاريخ الاعتراض.

هذه هي السبل التي رسمها الدستور للظروف الاستثنائية وظروف الاستعجال وواضح أن المقصود بها الظروف العامة حياله حرب أو عدوان خارجي أو ثورة داخلية أو تمرد أو فيضان أو وباء أو زلزال أو مجاعة أو غير ذلك من الحالات التي تحتاج إلى إجراءات استثنائية سريعة.

أما اكتشاف جرائم على فرض صحة ذلك فقانون الإجراءات الجنائية كفيل بملاقاة هذه الحالة لأن هذه الجرائم لا يستدعي سوى انتداب المزيد من قوات الشرطة والجيش ورجال الضبط والتحقيق لا حرمان الناس من حقوقهم وحرياتهم والضمانات التي قدرتها الدساتير والقوانين لهذه الحقوق والحريات.

وإذا فرضنا جدلا أن اكتشاف هذه الجرائم يكون إحدى حالات الضرورة أو الاستعجال أو الظروف الاستثنائية التي نص عليها الدستور طبعا لا....فلا اجتماع غير عادي لمجلس الأمة وفقا للمادة 57.. ولا طلب التفويض من مجلس الأمة وفقا للمادة 120..

ذلك أن هاتين المادتين تفترضان عرض الأمة مسبقا على مجلس الأمة، وما يستبعه ذلك من مناقشة حالة الضرورة الملجئة للدعوة غير العادية وتحديد المدة التي يعطي أثناءها رئيس الجمهورية التفويض وتحديد الموضوعات التي يستعمل ضمنها والأسس التي يلتزم بها الرئيس في استعمال هذا التفويض.

ولما كان الرئيس لا يريد أن يعرض نفسه لمناقشة أي إنسان ولو كان عضوا في مجلس الأمة حتى لا تنكشف حقائق الأمور للرأي العام الداخلي والدولي ويتضح عدم وجود أي ضرورة واقعية أو أساس قانون للإجراءات الاستثنائية التي يطلبها.

ونظرا لأن الرئيس لا يريد من جهة أخرى أن يقيد نفسه بتفويض من مجلس الأمة محدد المدة والموضوعات والأسس. لذلك أهدر الرئيس هذه النصوص الدستورية والضمانات القانونية وضرب بها جميعا عرض الحائط..

وقد يقال أن الرئيس لم يستخدم المادتين 57، 120 من الدستور ولكنه اختار الطريق الذي رسمته المادة 119 من الدستور.

وهنا تكمن المغالطة الساذجة التي تنوي كشفها فيما يلي:

فالحقيقة أن الرئيس قد ضرب بالمادة 119 أيضا عرض الحائط، إذ كان عليه لو أراد اتباع السبيل الذي رسمته هذه المادة أن يتخذ ما يراه من تدابير أو قرارات اقتضتها الظروف التي ادعى بوجودها منذ 1- 5- 65 ثم يعرضها على مجلس الأمة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها.
أما إن يتخذ ما يشاء من تدابير القبض والتفتيش والاعتقال فضلا عن التعذيب حتى الموت دون أدنى مراعاة للقوانين الواجبة الاتباع ثم يأتي بعد ستة شهور فيتخذ في 9- 11- 65 قرارات بقانون يعرضه على مجلس الأمة خلال خمسة عشر يوما ليوهم بذلك أنه يتصرف وفقا للمادة 119 من الدستور فهذه مغالطة ساذجة مفضوحة لأن المادة 119 كان يجب إعمالها لو كان هناك مجلس لأعمالها منذ وجدت الظروف التي لا تحتمل التأخير ومنذ بدأت التصرفات المخالفة للقانون من قبل سلطات الضبط والتحقيق.
والواقع أنه لم يدر بخلد الرئيس وسلطات الضبط والتحقيق أي تفكير في الدستور ومقتضياته وأطلق لتصرفاته الهمجية العنان تنفيذ لمخطط سنتناوله بالشرح والتوضيح في البحث الثالث، حتى إذا طفح الكيل وتصايح القاضي والداني مطالبين بمحاكمة الألوف من المعتقلين أو الإفراج عنهم اتجه بعد تردد إلى إجراء محاكمات هزلية ولما حان موعد هذه المحاكمات الهزلية والتي لا تكتمل هزليتها بغير دفاع ومحامين تنبه إلى ضرورة حماية تصرفاته السابقة دستوريا وإسباغ صفة الشرعية عليها.
لذلك عرض على مجلس الأمة بجلسة 20- 12- 65 القرار الجمهوري الصادر في 9- 11_ 65 وجاء بمضبطة المجلس ولما كان القانون قد صدر فعلا في غيبة المجلس فقد سأل رئيس المجلس الأعضاء وفقا للائحة عما إذا كان لأحد اعتراض على القانون ولما لم يعترض أحد أعلن رئيس المجلس قرار المجلس بعدم الاعتراض على القانون.
(يراجع أهرام – 21- 12- 65 صفحة 11)

وبهذه البساطة المتناهية أو السذاجة أو الاستغفال افتتح المجلس أو أقنع المجلس نفسه أن المسالة قد سويت ولم يعد عيها مآخذ وكان المشكلة ليست مشكلة التصرفات المخالفة للقانون منذ 1- 5- 65 وإنما هي في القرار الجمهوري الصادر في 9- 11- 65 في غيبة المجلس فإذا عرض على المجلس ولم يعترض عليه فقد انتهت المشكلة.

ثالثا: عدم شرعية القانون 50/ 65 من حيث الموضوع.

ونتولى فيما يلي مناقشة هذا القانون من ناحية الموضوع وهو يتضمن أمرين رئيسيين:
  1. حماية تصرفات سلطات الضبط والتحقيق المخالفة لقانون الإجراءات الجنائية فيما قامت به في الفترة بين 1- 5- 65، 30- 9- 65.
  2. تفويض رئيس الجمهورية بالنسبة للأشخاص موضوع الضبط والتحقيق فيما يراه من استمرار اعتقالهم ووضع أموالهم تحت الحراسة وحماية تصرفاته من هذه الناحية.

أما عن الأمر الأول:

أولا: فهي اعتراف صريح بأن سلطات الضبط والتحقيق قد ارتكبت في هذه الفترة مخالفات خطيرة أرادت الحكومة أن تحميها من نقد الناقدين أمام المحاكم إذا ما قدم الأشخاص ضحايا هذه المخالفات إلى المحاكمة.
لذلك نص هذا القانون في الفترة الأخيرة من مادته الأولى على أنه لا يقبل الطعن بأي وجه من الوجوه في الأوامر أو القرارات التي أصدرتها سلطات الضبط والتحقيق قبل العمل بهذا القانون.
ويكون القانون بذلك قد ألغى بشأن هذه الأوامر والقرارات كافة النصوص التي كانت تبيح الطعن فيها سواء في ذلك نصوص قانون الإجراءات الجنائية أو غير ذلك من القوانين.
ثانيا: هذا النص بصريح عبارته ومدلوله ذو أثر رجعي وهو بذلك يخالف نصا صريحا في الدستور هو المادة 163 التي تنص على أنه لا تسري أحكام القانون إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها، ومع ذلك يجوز في غير المواد الجنائية النص في القانوني على خلاف ذلك بموافقة أغلبية أعضاء مجلس الأمة.
ثالثا: هذا النص بإلغائه طرق الطعن التي يجيزها القانون العادي على أوامر وقرارات سلطات الضبط والتحقيق قد حرم ضحايا هذه السلطات من حق الالتجاء إلى القضاء للطعن في هذه التصرفات إذا كانت مخالفة للقوانين، الأمر الذي يعتبر مخالفة صارخة للمواد 8، 10، 28، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إذ تنص المادة 8 على أنه لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له الدستور أو القانون.
كما تنص المادة 10على أنه لكل إنسان الحق على قدم المساواة في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا سواء أكان ذلك للفضل في حقوقه أو التزاماته أو الاتهامات الجنائية الموجهة إليه وأخيرا تنص المادة 28 على أنه لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحقيقا تماما.
ونورد هنا مرة أخرى الأحكام المستقرة في القضاء المصري في هذا الشأن.فقد قرر الحكمان الصادران عام 1952 أن المنع من سماع الدعوى في أي تصرف أو قرار صدر عن سلطة معينة هي السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية على هذا النحو الشامل المطلق هو إعفاء لهذه السلطة من أية مسئولة تترتب على تصرفاتها
حتى تلك المخالفة للقانون قانون الأحكام العرفية وإعفاء سلطة إعفاء مطلقا شاملا من كل مسئولية تحققت فعلا في جانبها وحرمان الناس حرمانا مطلقا من اللجوء للقضاء بأية وسيلة من شأنه الإخلال بحقوق الناس في الحرية وفي المساواة في التكاليف والواجبات والانتصاف وهي حقوق طبيعية قد كفلها لهم الدستور.
وفي الحكم الصادر من الدوائر المجتمعة في 30- 6- 1952 ذهبت المحكمة إلى عدم دستورية ما نص عليه المرسوم بقانون رقم 64 لسنة 1952 من أنه لا تسمع أمام أية جهة قضائية أية دعوى أو طلب أو دفاع يكون الغرض منه الطعن في أي إعلان أو تصرف أو أمر أو تدبير أو قرار أمرت به أو تولته السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية أو مندوبوها.
ونص في هذا الحكم بالذات على أن رقابة القضاء هي دون غيرها الرقابة الفعالة التي تكفل للناس حقوقهم الطبيعية وحرياتهم العامة وبها يبقى النظام في حدوده الدستورية المشروعة وكل نظام أرسى الدستور أساسه ووضع القانون قواعده هو نظام يخضع بطبيعته مهما يكن نظاما استثنائيا لمبدأ سيادة القانون ومن ثم لرقابة القضاء.
وعادت المحكمة فقررت في 5- 3- 1954 أنه لو صح في الجدل أن المرسوم بقانون 181 لسنة 1952 وهو المرسوم الخاص بالتطهير وبجواز فصل الموظفين في أحوال خاصة بغير الطريق التأديبي قد استهدف منع القاضي إطلاقا سواء بالنسبة لطلبات الإلغاء أو التعويض لأضحى قانونا غير دستوري وجاز للمحاكمة الامتناع عن تطبيقه فيما جاوز الحدود الدستورية.
رابعا: على أننا إذا تركنا ناحية الحرمان من حق الطعن إلى فحص موضوع الأوامر والقرارات التي قصد القانون إلى حمايتها نجد أنها بما تضمنته من اعتقال عشرات الألوف وتفتيشهم وتعذيبهم تعذيبا وحشيا وصل إلى حد القتل تخالف مخالفة صارخة للحقوق والحريات الأساسية التي نص عليها الدستور وإعلان حقوق الإنسان
فقد نصت المادة 9 من إعلان حقوق الإنسان على أنه لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أن نفيه تعسفا كما نصت المادة 27 من الدستور على أنه لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا وق أحكام القانون وتنص المادة 33 مني الدستور على أن للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها إلا في الحدود المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه؛
ومعلوم أن القانون الذي تشير إليه المادتان هو قانون الإجراءات الجنائية أو غيره من القوانين التي تنظم شروط القبض والحبس ودخول المنازل لا القوانين التي تبيح القبض والحبس ودخول المنازل دونما رقيب أو حسيب والتي تهد بذلك الضمان الأساسي للحق الذي يفوض الدستور المشروع العادي في تنظيمه ووضع ضماناته.
كما وقدي نصت على ذلك صراحة المادة 29 فقرة ب من إعلان حقوق الإنسان بقولها يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادية للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديموقراطي.

الأمر الثاني الذي تضمنه هذا القانون هو تفويض رئيس الجمهورية بالنسبة للأشخاص المشار إليهم فيما يراه من استمرار اعتقالهم ووضع أموالهم تحت الحراسة وحماية تصرفاته في هذا الشأن من أي طعن.

أولا: وبياني ذلك أن المادة تخول رئيس الجمهورية أن يستخدم السلطات المعطاة له بمقتضى قانون 119/ 1964 بالنسبة للأشخاص الذين تم ضبطهم أو التحفظ عليهم في الفترة ما بين 1- 5- 1965 و 30- 9- 1965 وهذه السلطات تتلخص في القبض والحجز في مكان أمين وواضح أن هذه السلطات فيها إهدار للحريات والحقوق الأساسية التي لا يجوز الماس بها إلا كعقوبة ينطق بها القاضي وفقا للقانون وقد أشرنا فيما سبق إلى المادتين 27 من الدستور و 9 من إعلان حقوق الإنسان اللتين تحرمان القبض أو الحبس أو الحجز.
ونشرت هنا بالإضافة إلى ذلك إلى المادة 31 من الدستور الذي وضعته بنفسها حكومة الإرهاب ولم تستطع حتى أن تلتزم به وتنص هذه المادة على أنه لا يجوز أن تحظر على مصري الإقامة في جهة ولا أن يلزم الإقامة في مكان معين إلا في الأحوال المبينة في القانون وكذلك إلى المادة 3 من إعلان الحقوق الذي نص على أن لكل فردي الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه وإلى المادة 13 من نفس الإعلان التي تنص على أن لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل الدولة.
ثانيا: كما أعطت الفقرة الثانية من المادة الأولى لرئيس الجمهورية الحق في أن يطبق في شأن هؤلاء الأشخاص التدابير الخاصة بوضع أموالهم وممتالكاتهم تحت الحراسة وهذا حد غير مشروع من شخصية الإنسان وإهدار صريحي لحقه في التملك المنصوص عليها في المادة 6 من إعلان الحقوق لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية وفي المادة 17 من نفس الإعلان لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.
ثالثا: وغين عن البيان أن الدول والحكومات قامت لحماية هذه الحقوق الأساسية وأن الدساتير والقوانين وضعت لصيانتها وأن المساس بها ولو من جانب الدولة أو قوانينها لا يكون مشروعا إلا كعقوبة على جريمة نص عليها القانون وبعد محاكمة عادلة وفقا لإجراءات يسمح فيها للمتهم بالدفاع عن نفسه
وهذا من بدهيات الحياة المدنية التي نصت عليها المادتان 10، 11، من إعلان الحقوق لكل إنسان على قدم المساواة في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستلة نزيهة نظرا عادلا علنيا سواء أكان في ذلك للفصل في حقوقه أو التزاماته أو الاتهامات الجنائية الموجهة إليه
(كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا على أن يثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها جميع الضمانات الضرورية للدفاع عنه).
أما أن يصبح رئيس الجمهورية حر التصرف في حريات الناس وأموالهم دون محاكمة فهذه شريعة الغاب وأن تزيت بزي الحياة الدستورية ذرا للرماد في العيون.
رابعا: وحتى تكتمل المأساة، ومنعا من أن يطعن في تصرفات رئيس الجمهورية شأنها شأن القرارات الإدارية باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية أمام القضاء الإداري وغيره من جهات القضاء فقد كان الرئيس منطقيا مع نفسه فنص في المادة الثانية على عدم جواز الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية جهة كانت في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقا لأحكام هذا القانون؛
وهكذا حرم هذا القانون ضحايا قرارات رئيس الجمهورية من حق الالتجاء إلى القضاء للطعن فيها إذا كانت مخالفة للقوانين وفي ذلك مخالفة صارخة للمواد 8، 10، 28 من إعلان حقوق الإنسان التي أشرنا إليها فيما سبق.

الباب الثالث:بيان وتحليل ونقد لتقرير اللجنة التشريعية لمجلس الأمة المصري عن قانون التدابير الخاصة بالأمن والمقدم من اللجنة إلى المجلس في 20/ 12/ 1966 والخاص بجماعة سيد قطب

في غيبة من كل معارضة، واطمئنان كامل إلى أنه لا يمكن لأحد على أرض مصر أن ينشر رأيا يسبح بحمد الحكم الاستبدادي، مهما أحتوى هذا الرأي من نصح هادئ قد يكون الخير كل الخير في الاستماع إليه وفي غيبة من ذلك كله خرجت اللجنة التشريعية بالمجلس على العالم عبر الأثير وفي الصحف وبكل وسائل الإعلام ببيانها الذي نتعرض له بالتحليل والرد الذي لا يستهدف شيئا إلا بيان الحق، والأعذار إلى الله في وقت أخرس فيه إخطبوط الإرهاب الحكومي كل صوت في مصر.

(1) استهلت اللجنة تقريرها بأنه قد استرعى نظرها أن الغالبية من قضايا التآمر هذه التي شرع من أجلها القانون المشار إليه إنما ارتكبتها الجماعة التي تسمت بسيد قطب لهذا رأت اللجنة من واجبها أن تمهد لذلك بعرض تحليلي لهذه الجماعة...

وقد كفانا أحد أعضاء مجلس الأمة وهو العضو أحمد سعيد مدير صوت العرب مئونة الرد على زعم اللجنة إذ تساءل في خطابه الذي ألقاه بالمجلس تعليقا على التقرير لم خصت اللجنة بتقريرها الإخوان المسلمون وحدهم ولم تشر إلى الشيوعيين وهم متآمرون ضد الشعب وأفاض العضو المحترم في سرد جرائمهم في مصر وما قاموا به من سحل للشعب العربي في العراق

وجاوز تقرير اللجنة الحقائق الواضحة حين ذكر أن غالبية القضايا هي للإخوان على حين أن القضايا المقدمة ثلاثة أولها قضية أتهم فيها حسين توفيق وأسرته وغني عن البيان أنه لا علاقة له بسيد قطب وثانيها قضية أتهم فيها المحامي مصطفى أغا بتدبير انقلاب يهدف لإقامة حكم شيوعي في مصر واغتيال زعمائها والقضية الثالثة اتهم فيها مفكر وداعية إسلامي هو الأستاذ سيد قطب وأفراد من سيد قطب بعضهم غائبون عن مصر منذ أربعة عشر عاما وكان يمكن للتقرير أن يختصر بذلك كله في كلمة واحدة بأن يذكر أن المتهم في هذه القضايا هو الشعب شعب مصر.

(2) ذكر التقرير ما نصه أن جماعة سيد قطب حاولت أن تجعل الدين متناقضا مع العلم والمعرفة ومع كل وسائل التقدم المختلفة.

وهذا الاستخفاف بعقول الناس والزعم بأن المناداة بالإسلام دينا ونهج حياة أنما يهدف إلى أن يركب الناس الجمال بدلا من السيارات، ويعيشوا في الخيام تاركين البيوت ويمسكوا بأيديهم سيوفا مشرعة تقتل من أخطأ وتذبحي من كفر إلى آخر هذا الهراء الذي طال تكراره في صحف مصر المؤممة مقالات ورسوما متتابعة تغذيها الماركسية اليسارية لتوهم العالم أن الإسلام قرين التخلف؛

ويكفي للرد على هؤلاء أن ننقل إليهم نص المادة الثانية من الباب الثاني من قانون النظام الأساسي للإخوان المسلمين وهو القانون الذي أقرته الجمعية التأسيسية للإخوان المسلمين عام 1945 وتلخص هذه المادة أهداف الإخوان العامة في مبادئ ستة:

الأول: علمي يشرح دعوة القرآن الكريم ويوضحها ويردها إلى فطرتها ويعرضها عرضا يوافق روح العصر.
الثاني: عملي ويستهدف جمع الأمة الإسلامية على مبادئ القرآن حتى تكون أمة قرآنية حقا وتقريب وجهات النظر بين الفرق الإسلامية المختلفة.
الثالث: اقتصادي وهو تنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها والعمل على رفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد والطبقات والتأمين الاجتماعي لكل مواطن وضمان تكافؤ الفرص للجميع والحد من النفوذ الأجنبي في الاقتصاد المصري وتنشيط الصناعة المحلية وإقامة نقابات عمالية تعمل على رفع مستوى العمال المالي والاجتماعي.
الرابع: خيري وهو المساهمة في الخدمة الاجتماعية الشعبية ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع أعمال البر والخير.
الخامس: وطني قومي.. وهو العمل على تحير وادي النيل والبلاد العربية جميعا والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل أجنبي ومساعدة الأقليات الإسلامية في كل مكان إلى الوصول لحقها وتأييد الوحدة العربية تأييدا كاملا والسر إلى الجامعة الإسلامية سيرا حثيثا ومناصرة التعاون العالمي مناصرة صادقة في ظل مثل عليا فاضلة تصون الحريات وتحفظ الحقوق وإقامة الدولة الصالحة التي تنفذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليا تحرسها في الداخل وتبلغها في الخارج.
السادس: إنساني عالي: وهو المشاركة في بناء السلام العالمي والحضارة الإنسانية على أسس جديدة من تآزر الروح والمادة بتقديم مبادئ الإسلام العالمية التي تعلن الإخوة وترسم الطريق العملي للوصول إليها للعالم المتعطش إلى حياة روحية فاضلة.

هذه مبادئ سيد قطب منذ واحد وعشرين عاما فأين هي من محاربة التقدم وإنكار العلم؟؟لقد كان سيد قطب في مصر وحدها 2500 شعبة منها 120 شعبة في القاهرة وحدها وكانت كل شعبة منها منارة للتغيير والتطوير الاجتماعي؛

تقدم الخدمات الصحية في مستوصف ملحق بها وتمحو الأمية في مركز معد بكل شعبة وتنشر الثقافة بما تقدم للجمهور من محاضرات وتذكي روح الرجولة والفتوة بما أقامته من نظم الجوالة والمعسكرات وتشبيع الروح الرياضية بما تسهم به كل شعبه من نشاط رياضي واسع في أماكن ملحقة بها علاوة على ما تقوم به أقسام البر الملحقة بكل شعبة من رعاية الأسر المنكوبة وإصلاح ذات البين بين أهل الحي وإشاعة روح المودة والإخاء.

وقام بنفس النشاط بين الأخوات المسلمات فقامت نهضة نسائية حقه تقوم على البذل، والمشاعر الإنسانية ولا تستهدف الحفلات وعرض الأزياء باسم البر والرحمة.وكان الإخوان المسلمون وجه مصر الإسلامية وشريانها الذي يرتبط بكل حركة إسلامية في العالم فأين محاربة التقدم ونكران العلم.

لقد أشار تقرير اللجنة إلى مفهوم الدين في الميثاق الناصري الماركسي وهو أمر يحتاج إلى بحث خاص مستقل ونشير هنا في إيجاز إلى ما استشهد به التقرير من الميثاق.

حرية العقيدة الدينية يجب أن تكون لها قداستها في حياتنا الجديدة ولكن يجب أن تكشف حقيقة الدين وتجلية جوهر رسالته وأن رسالة السماء كلها كانت ثورات والاحتفاظ بالدين على أساس الإقناع الحر فغاية الدين في الميثاق أن يخدم الثورة ويشرحها فحسب مهما كانت محتواها..

ويتكفل أحد مفكري الثورة في مصر الأستاذ عبد الحليم الجندي في كتابه:

(توحيد الأمة العربية بتطوير شرائعها وفقا للميثاق طبعة 1964 فيقول ما نصه وإذا راجعنا الدستور السوري الصادر عام 1950 ظهر لنا أن هذا الدستور لم ينص على أن دين الدولة الإسلام وبلك أقر وحدة القاعدة العقائدية للمجتمع العربي.
هذا الكتاب الذي يضحي بإسلامه على مذبح الماركسية المصرية يستنكر ما نصت عليه دولة عربية في دساتيرها من أن الإسلام دين الدولة ثم يقول أن وجود مثل هذه المتناقضات مخالف للميثاق ونحن اليوم في عصر الاقتدار فوق أننا مأمورون به في نص الميثاق.فسبحان الله الذي جعل أمر الميثاق فوق أمر الله الذي ارتضى لنا الإسلام دينا.

اللجنة التشريعية والأمانة العلمية

ثم يبدأ تقرير اللجنة التشريعية في استخراج نصوص من كتاب معالم في الطريق للمفكر والداعية الإسلامية سيد قطب وكنا نظن أن على رأس اللجنة أحد رجال القضاء ونائب عام سابق وأن معنى ذلك أن تنقل النصوص على الأقل بدقة ونزاهة ولكن في النفوس؛

وأننا رأينا التضليل والخداع والبعد عن الحقيقة في تقرير اللجنة المذكور أن مصر قد بدأت تخسر مكاسبها الحقيقة لا تلك التي تكمن في ثروتها ومالها فذلك هين يسير أن يعوض ولكن في رجالاتها فقد بدأ نفر ممن كانوا بالأمس قضاة وكانوا من رجال القانون بدأ بعضهم يحني رأسه في ضعة أمام رغبة الإرهاب الحكومي فيغير الحقائق الثابتة لخدمة المستبدين!

(1) فقد نقل التقرير ص 30 من كتاب معالم في الطريق للكاتب والمفكر الإسلامي سيد قطب ما نصه:

إنه كان في استطاعة محمد (ص) أن يثيرها قومية عربية تستهدف جمع قبائل العرب وإعلاء راية العروبة وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة.
ولكن الله لم يوجه رسوله هذا التوجيه لأن سبحانه يعلم أن ليس هذا هو الطريق ليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو فارسي أو طاغوت عربي واستخلص التقرير أن تجميع العرب دعوة لا يردها الله.

ولو أن تقرير اللجنة نقل النص بأمانة لاستبان الأمر لو أنه أكمل النص إلى ص 36 من الكتاب المذكور لقرأ الناس:

ولكن الله سبحانه كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة تضع الموازين وتقرر القيم كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم فلما تقررت العقيدة وعرف الناس ربهم وعبدوه وحده لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء لما تقررت في القلوب لا إله إلا الله تطهرت الأرض من الرومان والفرسان لا ليتقرر فيها سلطان العرب ولكن ليتقرر فيها سلطان الله.
وتطهر المجتمع وقام النظام الإسلامي بجملته يعدل بعدل الله ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده ويسميها راية الإسلام لا يقرن إليها اسما آخر ويكتب عليها لا إله إلا الله.
فالكاتب يناقش لم لم يكتف رسول الله بتجميع العرب وتوحيدهم بل جعل ذلك التوحيد تحت راية الإسلام لأنه لم يكن رسول قومية عربية بل رسول دين عالمي إنساني ولو أغضب ذلك القوميين في الماضي وفي الحاضر.

الدفاع عن الطبقية والاستغلال

(2) واختار التقرير من كتاب معالم في الطريق نصا آخر استخرجوا منه مبدأ نسبوه إلى الإخوان وهو:

الدفاع عن الطبقية والاستغلال

ونقلت اللجنة من ص 32 نصا مبتورا روته كما يلي:

وبعث رسول الله (ص) بهذا الدين والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا للثروة والعدالة قلة قليلة تملك المال، والتجارة وكثرة كثيرة لا تملك الشظف والجوع.

وربما قيل أنه كان في استطاعة محمد (ص) أن يرفعها راية اجتماعية وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء ولكن الله سبحانه وهو العليم لم يوجه هذا التوجيه يعلم أن ليس هذا هو الطريق.

واستخلص التقرير من ذلك كفران الكاتب وسيد قطب معه بالإصلاح الاجتماعي ولو أنه كان نزيها فأكمل النص لقرأ الناس معه الأسطر التي تليها مباشرة.

لقد كان الله سبحانه يعمل أن العدالة الاجتماعية لابد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل يرد الأمر كله لله ويقبل عن رضاء وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع ومن تكافل الجميع ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أنه ينفذ نظاما شرعه الله ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسني في الدنيا والآخرة سواء؛

فلا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا والتخويف والإرهاب ولا تفسد القلوب كلها وتخنق الأرواح كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير لا إله إلا الله.فسامح الله ذوي الأغراض الذين يدعون أن من يحارب حكم السيف والعصا والإرهاب والاستبداد يعارضون الإصلاح.

إنكار الوطنية والأسرة والقرابة

(3) ثم نقل التقرير من ص 194 من كتاب معالم في الطريق أيضا لسيد قطب نصا وضعه تحت العنوان التالي: إنكار الوطنية والأسرة والقرابة.

والنص الذي نقله التقرير هو:

وطن المسلم الذي يحن إليه ليس قطعة أرض وجنسية المسلم التي يعرف بها ليست جنسية حكم وعشيرة المسلم التي يأوي إليها ليست قرابة دم وراية المسلم التي يعتز بها ويستشهد تحتها ليست راية قوم ذلك أن عصبية العشيرة والقوم والجنس واللون والأرض عصبية صغيرة مختلفة عصبية جاهلية.
من هذا النص الواضح خرج مقرر اللجنة بأن سيد قطب ينكرون الوطنية والأسرة والقرابة ولا نرد عليه إلا بأن ننقل الأسطر التالية للفقرة التي بترها عما بعدها واستشهد بها فمن ص 183من نفس الكتاب:
جاء الإسلام إلى هذه البشرية بتصور جديد لحقيقة الروابط والوشائج جاء الإسلام ليقرر أن هناك وشيجة واحدة تربط الناس في الله فماذا انبتت هذه الوشيجة فلا صلة ولا مودة.
(لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (سورة المجادلة آية 22)
(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت).
(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وأن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله.ولا جنسية للمسلم غلا عقيدته التي تجعله عضوا في الأمة المسلمة

وهكذا يمسخ أحد رجال القانون الحقائق وله المعذرة الكاملة فالناس معادن وسيف الإرهاب الثوري معلق ف مصر فوق الأعناق والسجن الحربي ينتظر من يقصر في تزييف الحقائق وافتعال الباطل.

(4) وينقل التقرير نصا آخر تحت عنوان تحطيم المجتمع والنص الذي أورده التقرير لا وجود له في كتاب معالم في الطريق مطلقا إنما جمع التقرير عبارات مختلفة من أماكن شتى بالكتاب وأضاف إليها من عنده في مغالطة يندي لها الجبين صادرة عن جهة له بالشرع والتشريع صله يقول التقرير:

هم يقولون في كتاب لهم: أن بعث الإسلام يبدأ بقلة تنسلخ عن مجتمع الجاهلين وهو كل مجتمع لا يدين لهم بالولاء وتخاصمه ولا تعرف فيه وطنا ولا أسره ولا قانونا ولا عرفا إنما تعرف شيئا واحدا هو التحكيم بالقوة والعنف العظيم الشامل الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة لابد من إزالة كل أنظمة الحكم لأنها أنظمة جاهلية حتى تلك التي تدعي الإسلام في مواثيقها ودستورها وحتى التي تؤمن أفرادها بالله ولكنهم يعترفون بما يسمي بالقيادة السياسية والقيادة الجماعية.
ولم يشاهد الناس احتقارا لعقلية الشعب كهذا الاحتقار وكأنه يمكن أن يصدق أي إنسان أن كاتبا مفكرا إسلاميا تنشر كتبه وتقرأ في كل العالم الإسلامي يمكن أن يدعو لتحطيم المجتمعات حتى التي يؤمن أفرادها بالله.
أو أن يقرر مفكر له شأنه أن مجتمع الجاهلية هو الذي لا يدين بالولاء للإخوان المسلمين.ولا ندري لم خشي أن ينقل بالنص تعريف المجتمع الجاهلي من كتاب معالم في الطريق ص 120 حيث يقول ما نصه:

ت:دخل في المجتمع الجاهلي المجتمعات الشيوعية أولا بإلحادها في الله سبحانه وبإنكارها وجوده أصلا، وإرجاع الفاعلية في هذا الوجود إلى المادة والطبيعة وإرجاع الفاعلية في حياة الإنسان وتاريخ إلى الاقتصاد أو أدوات الإنتاج

ثانيا: بإقامة نظام العبودية فيه للحزب على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعة لا لله سبحانه.

ثم ما يترتب على هذا النظام من إهدار لخصائص الإنسان وذلك باعتبار أن المطالب الأساسية للإنسان هي في مطالب الحيوان:

الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس وحرمانه من حاجات روحه الإنساني المتميز عن الحيوان وفي أولها العقيدة في الله، وحرية اختيارها وحرية التعبير عنها وكذلك حرية التعبير عن فرديته وهي من أخص خصائص إنسانيته.ويمضي الكتاب في تعريف المجتمعات الجاهلية ويقرر في ص (120)
أن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده تمثله هذه العبودية في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي الشرائع القانونية.
(7) ويشير التقرير إلى أن أعضاء جماعة الإخوان يؤمنون أن قادتهم لا يخطئون وأن عليهم الطاعة العمياء لهم.
وأول ما يؤمن به المسلمون والإخوان منهم هو لا إله إلا الله فالكمال والصواب والحق لله وحده ومن ادعى لنفسه كمالا ادعى لنفسه صفة الله الأوحد.
والإخوان المسلمون يعرفون حديث رسول الله كل بني آدم خطاء أما الطاعة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وهم يرون ما بين الإخوان من الحب والتسامح والرغبة في تبين الحق في هدوء وأناة فيسمونه طاعة عمياء ولا يعرف المؤمن ولا يدين ولا يعتقد إلا بالحق الذي يقبله العقل والمنطق ودعونا نسأل اللجنة التشريعية الموقرة لمن الطاعة العمياء في مصر.

لقد رفع كمال الدين حسين وجهة نظر في حرب اليمني مجرد وجهة نظر فأين هو الآن وقد كان أحد أقطاب هذه الثورة وزعمائها اختفى اسمه من مصر لا تذكره صحيفة ولأشير إليه كاتب وفتحت له على الفور مقابر النسيان ولم يذكر له جهاد سابق ولا عمل أسهم به وهو بعد لم يصل إلى مخالفة الطاعة العمياء فلم يمتنع أنما فكر واقترح فما بالك لو عصى الأمر.
والبغدادي اختفى فلا حركة ولا صوت ولو تتبعنا الأسماء لاحتجنا إلى المجلدات...مطلوب من هؤلاء جمعيا شيء أكثر من الطاعة العمياء وهو ألا يفكروا ألا كما يطلب سيدهم وآمرهم وحذار أن يدور بمخيلتهم مجرد تفكير يغايره.
وصدق القائل: رمتني بدائها وانسلت

الإرهاب والجهاز السري

(8) ونعود إلى تقرير اللجنة التشريعية وهي تناقش ما أسمته وسائل سيد قطب للوصول إلى الحكم وأولها فيما ذكرت: الإرهاب والجهاز السري...

وتعريف الإرهاب في مفهوم الحكم الثوري الاستبدادي في مصر هو المعارضة القوية المصممة فكل من يعارض قولا لأحد رجال الثورة المعصومين فهو متآمر.
وكل من التقى مع غيره ولو فكريا فهو ساع إلى انقلاب وشعارهم المشهور لا حرية لأعداء الثورة وأعداء الثورة هم من يخالفونها في أي رأي أو يعارضون مجرد معارضة أي إجراء لها ولو عدلت هي فيها بعد عنه وثبت خطؤه الواضح.
فالتآمر في قاموس ثورة المستبدين هو المعارضة.وتهمة الإرهاب الموجهة إلى سيد قطب لا يوجد عليها أي دليل مادي إلا اعترافات منسوبة لمتهمين مسجونين في السجن الحربي في مصر تحت أشنع تعذيب وحشي عرفه الإنسان.
ولو أن هؤلاء المتهمين وفرت لهم الضمانات التي كفلها القانون أي قانون لكان يمكني أن تقبل أقوالهم واعترافاتهم.دلونا على مكان في الدنيا يحاكم فيه متهمون في التليفزيون ويحكم عليهم بواسطة مذيع ويقطع باتهامهم وتجريمهم قبل أن يصدر قراره اتهامهم بثلاثة أشهر كاملة.
دلونا على مكان في الوجود يحكم فيه رئيس دولة على مجموعة بأسرها من الأمة بجريمة قبل أن يقبض عليهم أو يستمع إلى أقوالهم فأغلب من قدموا للمحاكمة قبض عليهم بعد خطاب الرئيس في موسكو باتهامهم.
ولنبحث في أي مكان في الدنيا عن رئيس محكمة يوجه للمحامين ألفاظ السوقة والإهانة فيقول لأستاذ جامعي في القانون إنه لا يفهم شيئا وأن رئيس المحكمة ندم على انتدابه لجهله ورئيس المحكمة ضليع في القانون فهو يحمل شهادة الثانوية العامة إذا طرحنا جانبا علومه العسكرية الفذة.
إذا حكم على متهم من رئيس الدولة وأدانته الصحافة وحكم عليه التلفزيون وعقد في كل حي مؤتمر عام للدعوة إلى إهدار دمه وأدار هذه المؤتمرات ووجهها رسميون في الدولة فهل ثمة أمل يرجى من الاعتماد على اعترافات أو أقوال صادرة عنه.
وشعب مصر كل شعب مصر يعرف كيف تؤخذ هذه الأقوال وهناك سؤال واحد جدير بالإجابة.منذ عام 1954 وجهت سيد قطب تهمة الإرهاب في مسرحية مماثلة لما يجري اليوم.
والسؤال هنا: من من رجال الطبقة الجديدة المنتفعين بالحكم في مصر أو من أبناء مصر قتله الإخوان الملمون منذ قيام انقلاب 23 يوليو إلى اليوم؟
أي مبنى أو مؤسسة أو مكان اعتدى عليه سيد قطب في عهد الحكم الاستبدادي حتى يوصموا بالإرهاب؟لكن من قتلوا من سيد قطب معروفون ومن دفنوا من المؤمنين في تلال السجن الحربي من التعذيب محفوظة أسماؤهم ليوم حساب وفي محاكمة رغم ذلك كله ستكون عادلة وليست كمسرحيات اليوم.
ومن شردت عائلاتهم من سيد قطب دون ذنب أو محاكمة هم أفراد بينكم أيها الشعب المصري الكريم فأنت أدرى بآلامهم.
الإرهابيون بالأدلة المادية الملموسة ولبس بالأقوال والاعترافات الذين أرهبوا شعب مصر وأذلوا أعناق رجاله وفتحوا أشنع السجون لمفكريه وأحراره وعاشوا بالخديعة والكذب فوق جماجم أبنائه الإرهابيون هم الذين أقاموا نوعا من الحكم لا يجد الناس وسيلة معه لإبداء الرأي أو التعبير عن الألم إلا النكتة يطلقها في الخفاء تدور بها الألسن في كل بيت.
يعتصر الحزب القلوب على ما يجري للأحرار من شعب مصر الذي ما عرف الذل شعب مصر الذي رفعي صوته دائما بالنقد والحرية وهو اليوم مكبل أسير.يخشى فيه الصديق صديقه والأخ أخاه ويطل الرجل إلى صاحبه قبل التكلم خوفا من المسجل والمخابرات.أما الجهاز السري فأمره معروف.
للإخوان المسلمين ألوف العائلات ألقي بأربابها في السجون لمجرد التحفظ وقد يمتد ذلك التحفظ كما حدث عشر سنوات كاملة فإن التقى الإخوان بعضهم ببعض فجمعوا لذلك المال وقدموه لطفل رضيع أو امرأة وحيدة أو أسرة منكوبة كان ذك جهازا سريا إرهابيا.
لو سمح حتى لهيئة الصليب الأحمر أن تتلقى التبرعات لهذه الأسر لما كان جهاز ولا سر.أما ما نسبة التقرير إلى سيد قطب من العزم على نسف القاهرة كلها وتدمير القناطر الخيرية ومحطات الكهرباء وقتل أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ فالرد عليهم متروك لذكاء القارئ وفطنته وإدراكه خاصة وأنهم ذكروا أن الذين فكروا في ذلك هم شباب مثقفين أعلى الثقافة وبعضهم يعمل في سلك التدريس بالجامعة ويحملون أرقى شهادات الدولة.
وقد أثار هذا الاتهام ضحك الدنيا علينا وعلقت عليه كل الدوائر السياسية في العالم بأن الحكم المصري قد وصل إلى درجة من الوهن جعلت اتهام الشباب بالشروع في قتل رئيس الحكومة ونسف القاهرة ليس كافيا فلجئوا إلى إثارة الشعب بموضوع أم كلثوم واحتاطوا لمن يحبون عبد الوهاب أو عبد الحليم حافظ فأضافوه إليها.وما نحسب أن حكما استخف بذكاء الشعب المصري وقدرته وفهمه كهذا الحكم.

التعاون مع الاستعمار

وبلغ التجاوز عن الحق مداه في الحديث عن دور سيد قطب مع الاستعمار وقضية فلسطين فيذكر التقرير أن سيد قطب اشتهروا بالتعاون مع الاستعمار ولا ندري كيف يفترض هؤلاء الناس أنه قد محي من ذاكرة الشعب في مصر وأرجاء العروبة الدور الطليعي الرائد للإخوان المسلمين في محاربة الاستعمار وعلى أرض فلسطين.

نترك الرد هنا للدكتور اسحق موسي الحسيني أستاذ الجماعة في بيروت في كتابه عن سيد قطب ص 117 طبعه عام 1955 ومبدأ تحرير وادي النيل برمته من النفوذ الأجنبي اقتضاهم الإخوان أن يقفوا من الإنجليز موقف العداء العنيد الذي لا هوادة فيه؛

وقد ثبت الإخوان على ذلك المبدأ فظلوا يطالبون بتحرير وادي النيل باللين جنبا وبالعنف جنبا آخر ولم تقف حملتهم على الإنجليز رغم موقف الحكومة حكومة أحمد ماهر عام 1944 مما أدى إلى اعتقالهم ومطاردتهم واعتقال عدد كبير منهم وبعد إعلان الهدنة هبوا يطالبون بتحقيق المطالب الوطنية كاملة والجلاء عن وادي النيل.

وما يدل على إمعانهم في مقاومة الإنجليز أن البنا وضع دعاء ليتلوه أتباعه عقب الصلاة نصه اللهم أن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين قد احتلوا أرضنا وجمدوا حقنا وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد اللهم فرد عنا كيدهم وخذهم ومن ناصرهم أو أعانهم أو هادنهم أو وادهم أخذ عزيز مقتدر.فسبحان الله الذي عرف من في بيروت بجهاد سيد قطب للاستعمار على حين أنكره من رأوه بأعينهم في مصر.

وسيظل موقف سيد قطب في الجامعات والمدارس والحقول وفي معركة القنال صفحة ناصعة لا يجحدهم إلا مغرض فما يزال اسم الشهيد عمر شاهين يعلو أكبر مدرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة وأسماء الشهداء أحمد المنسي عادل غانم ملء الأسماع أما كتائب الإخوان في الجامعة والقرى فأمرها ذائع معروف.

ولقد كان الاستعمار وما يزال هو اليد الخفية التي تحرك الجهود والقوى ضد سيد قطب ولا يزال الجميع يذكر ما قرره عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية في عهد النقراشي باشا وأظهرته التحقيقات في قضية مقتل الإمام حسن البنا عن المذكرة التي قدمت للنقراشي باشا من سفراء بريطانيا وفرنسا والقائم بأعمال سفارة أمريكا بعد أن اجتمعوا في فايد في 6 ديسمبر سنة 1948 يطلبون فيها المبادرة بحل سيد قطب؛

وقد تم بالفعل حل الجماعة بعدها بأيام وكان ذلك تدبيرا لإعلان الهدنة وتصفية الوضع في فلسطين وقد تم بالفعل ذلك بعد قتل الإمام حسن البنا فأذيعت اتفاقية رودس في 24 فبراير 1949 وأقيمت الهدنة وسحبت الجيوش من فلسطين.

أما الحديث عن موقف الإخوان من معركة فلسطين فترويه دماؤهم التي امتلأت بخضابها ربا فلسطين ووهادها ولنرو على لسان متحدث رسمي للثورة هو أنور السادات فقد ذكر في كتابه صفحات مجهولة ص 177.

وكانت أكثر الجماعات في ذلك الوقت تحمسا للتطوع والقتال هي جماعة سيد قطب ولولا أن هذا الكلام سجل في كتابه الذي أصدره قبل الغدر بسيد قطب لقام في جرأة اليوم ينكره ويخالفه.

ويكفي الإخوان المسلمون فخرا أنه حتى بعد صدور القرار بحلهم في مصر استمروا في القتال مع الجيش ضد اليهود وخاضوا معارك النقب واستمروا في ذلك حتى بعد مقتل الإمام حسن البنا على يد الحكومة فلم يتخلوا قط عن أهدافهم ولم يخلطوا أمرا بآخر وهم يعلمون أن المعتقلات تنتظرهم جميعا بعد انتهاء القتال وقد حدث ذلك بالفعل.

(9) ويتهم التقرير المذكور للإخوان المسلمين بالتعاون مع الرجعية والإقطاع وكل الأدلة التي استند إليها هي أقوال نسبت إلى الأستاذ حسن الهضيبي وهم مطمئنون إلى أن أحدا لن يرد فالرجل المجاهد الذي جاوز السبعيني من عمره سجين هو وزوجته وأولاده دون اتهام أو محاكمة ولا يستطيع الرد وقد اختاره الله إلى جواره.

وما أعجبها أدلة يستند إليها رجل قانوني قال الأستاذ الهضيبي كذا وقال كذا هل قال ذلك في محضر رسمي عليه توقيعه؟ العجيب أنها كلها أقوال لا يدري غلا الله من ألفها وصاغها.

(10) ويذكر التقرير تحت عنوان واجب المسلمين في تقويم هذا الانحراف.أن قطب هذه الجماعة ادعى النبوة وقبلت الجماعة ادعاءه وقرر أن القرآن نهج مرحلي وأنه نهج لا نظرية نهج نزل لخدمة مجتمع معين يقع في حيز معين ولحل مشكلات معينة ومن ثم فلا يجوز أن تستن منه اليوم نظريات.

وبالطبع غني عن البيان أن نذكر أن هذه العبارة أو محتواها لم ترد في أي سطر خطة الأستاذ سيد قطب أو أي كاتب من كتاب سيد قطب ولا نبعد كثيرا من الحق أن أضفنا بل لم يرد في كتابات أي مسلم يشهد ألا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.

والأستاذ سيد قطب كاتب إسلامي معروف كتبه منشورة مذاعة وتفسيره في ظلال القرآن لا تخلو منه مكتبة في العالم العربي والإسلامي ومؤلفاته مشاهد القيامة في القرآن والتصوير الفني في القرآن والعدالة الاجتماعية والمستقبل لهذا الدين والإسلام ومشكلات الحضارة ومعالم في الطريق منذ أربعة عشر عاما فمتى ادعى الأستاذ سيد قطب النبوة؟ وفي أي كتبه؟ وكيف لم يفطن إلى ذلك أحد من عشرات الألوف الذين قرأوا كتبه وقد ترجم الكثير منها إلى التركية والأردية والإنجليزية.

بل كيف لم يفطن إلى ذلك الأزهر الشريف وعلماؤه؟ وفطن إليه فقط السيد المحترم مقرر اللجنة التشريعية وفطن إليه بالذات بعد أن أذاع الرئيس عبد الناصر خطابه من موسكو قلعة الماركسية متهما سيد قطب ومتوعدا إياهم؟؟

ثم إن القول بأن الجماعة قبلت دعاءه النبوة وكأن هذا أمر مقرر فأي جماعة وأين هي وقد حلت جماعة سيد قطب رسميا فكيف توصل أعضاء اللجنة التشريعية الموقرون إلى معرفة أن الجماعة أيدت بنوة سيد قطب؟

أما ما ذكره التقرير من أن الأستاذ سيد قطب قرر دون أن يذكروا في أي كتاب ومن أي مصدر أن المجتمع الإسلامي لن يخرج إلى حيز الوجود إلا حين يصل هو وجماعته المختارة إلى الحكم وعند ذلك فقط سيتوقف حكم البشر للبشر وسيتلقى هو الوحي؛

كما تلقى النبي صلوات الله وسلامه عليه ويسن على هدى هذا التلقي تشريعاته فما كنا نحسب قط أن لجنة هيئة تشريعية يمكن أن تتدنى إلى الكذب الصريح والدجل لإثارة عواطف الجماهير دون خشية لله أو خجل من تشويه الحقائق فليس في سيد قطب وهم الملتزمون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من يؤمن بواسطة تكون بين العبد وربه فذلك فهم بعيد عن الإسلام مناهض له.

ولنسأل أنفسنا لم هذا التركيز على المفكر الإسلامي سيد قطب ولم الكذب والافتراء على كتاباته.ولم عادت الحملة المسعورة مرة أخرى على سيد قطب.

والجواب واضح صريح فمكان إعلان المعركة قد حدد جوهرها وصورتها فمني منابر موسكو أعلنت الحرب على الفكر الإسلامي المتجدد عامة وعلى سيد قطب خاصة وكان يمكن أن يرجأ الأمر يومين حتى يعود الرئيس إلى مصر خاصة وأن الأمر داخلي لا يخص الروس ولا ابتاع ماركس ولكن المدقق في الأمور يتبين في جلاء ووضوح كل شيء.

أن الحركة الماركسية تعاني في المنطقة العربية محنة تنطق كل الشواهد بأنها بداية النهاية.فرغم كل شيء ورغم كل الجهود يقف الإسلام سدا شامخا منيعا لا يمكن اختراقه أمام الشيوعية والإلحاد.

ورغم مرور أربعة عشر عاما متتالية من إعلان حرب الإبادة على حملة الإسلام والداعين إليه.ورغم امتلاء الصحف المؤممة في مصر وأجهزة أعلامها بقادة الشيوعية وعملائها وذلك بشهادة الرسميين لجمال عبد الناصر خلال جلسات مؤتمر الاتحاد الاشتراكي.

ورغم تصدي وزارة الإرشاد والأنباء في مصر للدعوة اليسارية المناهضة للدين والتدين والمتدين وذلك بإصدار مجلات تتبنى الدعوة لذلك كله.ورغم الحرب التي أعلنها المستعمرون جميعا على الإسلام ودعاته رغم كل ذلك فإن صوت الإسلام وحده ما يزال هو الصوت القوي وما يزال النهج الإسلامي والفكر الإسلامي هو الذي يدين به الشعب المصري.

وما يزال المفكرون المسلمون هم الذين يقرأ لهم الشباب ويؤمن بهم وما تزال الدعوة إلى الإسلام دينا ونهج حياة هي وحدها التي تستهدف أفئدة الشعب يقبلون عليها متحدين قوى البطش والإرهاب.

يقول حسنيني هيكل في مقالاته بجريدة الأهرام عن السياسة الداخلية مشيرا إلى زيارة عبد الناصر لموسكو في المرة الأخيرة والتي تم خلالها إعلان حرب الإبادة مرة أخرى على الإسلام والداعين إليه يقول هيكل: إن موسكو قد دفعت لحكومة مصر في نهاية تلك الزيارة ما يوفق تكاليف حرب اليمن كلها فبئس الثمن يقبض علانية لمحاربة الإسلام بئس الثمن يقبضه أصحاب الأخدود.

فإذا اشتد البطش وامتلأت السجون بالمؤمنين وفتحت سجون مصر اليوم وبالخزي للمؤمنات يسقن عاريات معذبات..وإذا أقيمت مهازل المحاكمات الصورية لإبادة المؤمنين.وإذا اعترف أصحاب الأخدود علانية بقبض الثمن.

فلنقرأ وكلنا ثقة بالنصر الكامل لله والغلبة لدينه لنقرأ قوله تعالى:

(قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير إن بطش ربك لشديد).