إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

القـدس قضية كل مسلم

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
القـدس قضية كل مسلم


تأليف د. يوسف القرضاوي

محتويات

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى، وسلام على رسله الذين اصطفى، وعلى خاتمهم المجتبى، محمد وآله وصحبه أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، ومن بهم اقتدى فاهتدى...

(أما بعد).

فهذه هى الرسالة العاشرة من (رسائل ترشيد الصحوة) وهى تتحدث عن قضية فى غاية الأهمية والخطورة علينا نحن العرب والمسلمين، حيثما كنا فى أرض الله، هى قضية القدس الشريف.

فالقدس فى مهب الريح، فى مواجهة الخطر الداهم، الخطر الصهيونى الذى بيت امره، وحدد هدفه، وأحكم خطته، لابتلاع القدس، وتهويدها، وسلخها من جلدها العربى والاسلامى، وقد أعلن قراره ولم يخفه، وتحدى وتصدى وتعدى، ولم يجد من أمة الاسلام _على امتدادها واتساعها _ من يصده ويرده، وقديما قالوا فى امثال: قيل لفرعون: ما فرعنك؟ قال: لم أجد من يردنى!

اننا فى هذه الصحائف نريد أن ننبه الغافلين، أن نوقط النائمين، أن نذكر الناسين، أن نشجع الخائفين، أن نثبت المترددين، أن نكشف الخائنين، أن نشد على أيدى المجاهدين، الذين رفضوا الاستسلام، وتحرروا من الوهن، وصمموا على أن يعيشوا أعزاء، أو يموتوا شهداء.

ان القدس ليست للفلسطين وحدهم، وان كانوا أولى الناس بها، وليست للعرب وحدهم، وان كانوا أحق الامة بالدفاع عنها، وانما هى لكل مسلم أيا كان موقعه فى مشرق الارض أو مغربها، فى شمالها أو جنوبها، حاكما كان أو محكوما، متعلما أو أميا، غنيا، أو فقيرا، رجلا أو امرأة، كل على قدر مكانته واستطاعته.

فيا أمة الاسلام، هبوا، فقد جد الجد، ودقت ساعة الخطر، القدس، القدس، الاقصى، الاقصى. {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (105)} [التوبة: 105].

الدكتور يوسف القرضاوي . الدوحة في: ذي الحجة 1418 هـ ،ابريل 1998 م.

القدس فى اعتقاد المسلمين

القدس فى الاعتقاد الاسلامي، لها مكانة دينية مرموقة، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، فهو اجماع الامة كلها من أقصاها الى أقصاها، ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس، والغيرة عليها، والذود عن حماها، وحرماتها ومقدساتها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها، ورد المعتدين عليها.

وقد اختلف المسلمون، والعرب، والفلسطينيون فى الموقف من قضية السلام مع اسرائيل: هل يجوز أو لا يجوز؟ وان جاز: هل ينجح أو لا ينجح؟ ولكنهم جميعا -مسلمين وعربا وفلسطينين- لم يختلفوا حول عروبة القدس، واسلاميتها، وضرورة بقائها عربية اسلامية، وفرضية مقاومة المحاولات الإسرائيلية المستميتة لتهويدها، معالمها، ومسخ شخصيتها التاريخية، ومحو مظاهر العروبة و الاسلام والمسيحية منها. فللقدس قدسية اسلامية مقدورةوهي تمثل في حس المسلمين ووعيهم الإسلامي: القبلة الاولى، وأرض السراء والمعراج، وثالث المدن المعظمة، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط و الجهاد كما سنبين ذلك فى ما يلى.

القدس: القبلة الاولى

أول ما تمثله القدس فى حس المسلمين وفى وعيهم وفكرهم الديني: أنها (القبلة الاولى) التي ظل رسول الله (ص) وأصحابه يتوجهون اليها في صلاتهم منذ فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة للبعثة المحمدية أى قبل الهجرة بثلاث سنوات، وظلوا يصلون إليها في مكة، وبعد هجرتهم إلى المدينة، ستة عشر شهراً، حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعية، أو المسجد الحرام، كما قال تعالى:{ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة 150]. وفي المدينة المنورة معلم أثرى بارز يؤكد هذه القيضه، وهو مسجد القبلتين، الذى صلى فيه المسلمون صلاة واحدة بعضها إلى القدس، وبعضها إلى مكة، وهو لايزال قائما، وقد جدد وتعهد، وهو يزار إلى اليوم ويصلى فيه.

و قد أثاز اليهود في المدينة ضجة كبرى حول هذا التحول، ورد عليهم القرآن بأن الجهات كلها لله، وهو الذي يحد أيها يكون القبلة لمن يصلي له:{سيقول السفهاء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم (142)} إلى أن يقول: {و ما جعنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كان لكبية إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمنكم}[البفرة 142،143].

فقد قالوا: ان صلاة المسلمين تلك السنوات قد ضاعت واهدرت، لانها لم تكن الى قبلة صحيحة، فقال الله:{و ما كان الله ليضيع ايمانكم} اى صلاتكم، لانها كانت صلاة الى قبلة صحيحة مرضية عنده عزوجل.

القدس أرض الإسراء والمعراج

و ثانى ما تمثله القدس في الوعي الاسلامي:ان الله تعالى جعلها منتهى رحلة الاسراء الارضية، ومبتدأ رحلة المعراج السماوية، فقد شاتء إرادة الله ان تبدأ هذه الرحلة الارضية المحمدية الليلة المباركة من مكة ومن المسجد الحرام، حيث يقيم الرسول (ص)، وان تنتهى عند المسجد الاقصى، ولم يكن هذا اعتبطا ولا جزافا، بل كان ذلك بتدبير الهى ولحكمة ربانية، وهي ان يتلقى خاتم الرسل والنبيين هناك بالرسل الكرام، ويصلى بهم اماما، وفي هذا اعلان عن انتقال القيادة الدينية للعالم من بني اسائيل الى امة جديدة، ورسول جديد، وكتاب جديد: امة عالمية، ورسول عالمي، وكتاب عالمي، كما قال تعالى: {وما ارسلنك الا رحمة للعالمين (107)} [الانبياء: 107]، {تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا(1)} [الفرقان:1].

لقد نص القرآن على مبتدأ هذه الرحلة ومنتهاها بجلاء في أول آية في السورة التي حملت اسم هذه الرحلة (سروة الإسراء) فقال تعالى:{سبحن الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصا الذى بركنا حوله لنريه من ايتنا} [الإسراء:1]. والآية لم تصف المسجد الحرام بأى صفة مع ماله من بركات وامجاد، ولكنها وصفت المسجد الأقصى بهذا الوصف {الذى بركنا حوله}، وإذا كان ما حوله مباركا، فمن باب أولى ان يكون هو مباركا.

و قصة الاسراء والمعراج حافلة بالرموز والدلالات التي توحي بأهمية هذا المكان المبارك، الذى ربط فيه جبريل البراق، الدابة العجبية التي كانت وسيلة الانتقال من مكة إلى القدس، وقد ربطها بالصخرة حتى يعود من الرحلة الأخرى، التى بدأت من القدس، أو المسجد الأقصى إلى السموات العلا، إلى “سدرة المنتهى”، وقد أورث ذلك المسلمين من ذكريات الرحلة:الصخرة، وحائط البراق.

لو لم تكن القدس مقصودة في هذه الرحلة، لاأمكن العروج من مكة إلى السماء مباشرة، ولكن المرور بهذه المحطة القدسية أمر مقصود، كما دل على ذلك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

ومن ثمرات رحلة الإسراء: الربط بين مبتدأ الإسراء ومنتهاه، وبعبارة أخرى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهذا الربط له إيحاؤه وتأثيره في وعي الإنسان المسلم وضميره ووجدانه، بحيث لا تنفصل قدسية أحد المسجدين عن قدسية الآخر، ومن فرط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر.

القدس ثالث المدن المعظمة :

و القدس ثالث المدن المعضمة في الإسلام؛فالمديتة الأولى في الإسلام هي مكة المكرمة، التى شرفها الله بالمسجد الحرام.

والمدينة الثانية في الإسلام هي طيبة، او المدينة المنورة، التي شرفها الله بالمسجد النبوي، والتي ضمت قبر الرسول (ص).

والمدينة الثالثة في الإسلام هي القدس أو البيت المقدس، والتي شرفها الله بالمسجد الأقصى، الذي بارك الله حوله، وفي هذا صح الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) أنه قال: “لاتشد الرحال إلا ألى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا “.

فالمساجد كلها متساوية في مثوبة من صلى فيها، ولا يجوز للمسلم أن يشد رحاله، بمعنى أن يعزم على السفر والارتحال للصلاة في أى مسجد كان، إلا للصلاة في هذه الثلاثة المتميزة. و قد جاء الحديث بصيغة الحصر، فلا يقاس عليها غيرها.

وقد أعلن القرآن عن أهمية المسجد الأقصى وبركته، قبل بناء المسجد النبوي، وقبل الهجرة بسنوات، وقد جاءت الأحاديث النبوية تؤكد ما قرره القرآن، منها الحديث المذكور، والحديث الآخر: “ الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد، ما عدا المسجد الحرام، والمسجد النبوي” (متفق عليه) ومنها، ما رواه أبوذر، أن النبي (ص) سئل: أي المساجد بني في الأرض أول ؟ قال:”المسجد الحرام “، قيل ثم أي؟ قال:”المسجد الأقصى “ [1].

و الإسلام حين جعل المسجد الإقصى ثالث المسجدين العطمين في الإسلام، وبالتالي أضاف القدس الى المدينتين الإسلاميتين المعظمتين: مكة والمدينة، إنما أراد بذلك أن يقرر مبدأ هاما من مبادئه وهو أنه جاء ليبني لا ليهدم، وليتمم لا ليحطم، فالقدس كانت أرض النبوات، والمسلمون أولى الناس بأنبياء الله ورسله كما قال الرسول (ص) ليهود المدينة: “ نحن أولى بموسى منكم “.

القدس أرض النبوات والبركات

و القدس جزء من أرض فلسطين بل هي غرة جبينها، وواسطة عقدها، ولقد وصف الله هذه الأرض بالبركة في خسمة مواضع في كتابه:

أولها: في الإسراء حين وصف المسجد الأقصى بأنه: {الذي بركنا حوله} [الإسراء:1].

و ثانيها: حين تحدث في قصة خليله إبراهيم، فقال: {ونجينه ولوطا إلى الارض التى بركنا فيها للعالمين (71)} [الانياء:71].

و ثالثها: في قصة موسى، حيث قال عن بني إسرائيل بعد اغراق فرعون وجنوده: {و اورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق الارض ومغربها التىبركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا} [الاعراف:137].

و رابعها: في قصة سليمان وما سخر الله له من ملك لا نيبغى لأحد من بعده، ومنه تسخير الريح، وذلك في قوله تعالى: {ولسليمن الريح عاصفة تجرى بامره الى الارض التى بركنا فيها}[الانبياء:81].

و خامسها: في قصة سبأ، وكيف من الله عليهم بلأمن والرغد، قال تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التى بركنا فيها قرى ظهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما ءامنين(18)}[سبأ:18]. فهذه القرى التي بارك الله فيها هي قرى الشام و فلسطين.

قال المفسر الآلوسي: المراد بالقرى التي بورك فيها: قرى الشام، لكثرة أشجارها وثمارها، والتوسعة على أهلها، وعن ابن عباس: هي قرى بيت المقدس، وقال ابن عطية: إن إجماع المفسرين عليه [2].

و قد ذهب عدد من مفسري القرآن من علماء السلف والخلف في قوله تعالى: {و التين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3)} [التين: 1-3] إلى أن التين والزيتون يقصد بهما الأرض أو البلدة التي تنبت التين والزيتون، وهي بيت المقدس.

قال ابن كثير: قال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله من كل واحد منها نبيا مرسلا من أولى العزم، أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محل التين والزيتون، وهو بيت المقدس، الذي بعث الله فيه عيسى ابن مريم عليهما السلام، والثاني: طور سيناء، الذي كلم الله عليه موسى بن عمران، والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا. وبهذا التفسير أو التأويل، تتناغم وتنسجم هذه الأقسام، فاذا كان البلد الأمين يشير الى منبت الإسلام رسالة محمد، وطور سينين يشير الى منبت اليهودية رسالة موسى، فان التين والزيتون يشيران الى رسالة عيسى، الذي نشأ في جوار المقدس، وقدم موعظته الشهيرة في جبل الزيتون [3].

أرض الرباط و الجهاد

و القدس عند المسلمين هي أرض الرباط و الجهاد. فقد كان حديث القرآن عن المسجد الأقصى، وحديث الرسول عن فضل الصلاة فيه، من المبشرات بأن القدس سيفتحها الإسلام، وستكون للمسلمين، وسيشدون الرحال الى مسجدها، مصلين لله متعبدين، وقد فتحت القدس -التي كانت تسمى إيلياء-في عهد الخليفة الثاني في الاسلام عمر ابن الخطاب، واشترط بطريركها الأكبر صفرونيوس ألا يسلم مفاتيح المدينة الا للخليفة نفسه، لا لاحد من قواده، وقد جاء عمر من المدينة الى القدس في رحلة تاريخية مثيرة، وتسلم مفاتيح المدينة، وعقد مع أهلها من النصارى معاهدة أو اتفاقية معروفة في التاريخ باسم "العهد العمري" أو "العهدة العمرية" أمنهم فيها على معابدهم وعقائدهم وشعائرهم وأنفسهم وأموالهم، وشهد على هذه الوثيقة عدد من قادة المسلمين، أمثال: خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان [4].

و قد أعلم الله نبيه محمدا (ص) بأن هذه الأرض المقدسة سيحتلها الأعداء، أو يهددونها بالغزو والاحتلال، ولهذا حرض أمته على الرباط فيها، و الجهاد للدفاع عنها حتى لا تسقط في أيدى الأعداء، ولتحريرها إذا قدر لها أن تسقط في أيديهم (كما أخبر عليه الصلاة والسلام بالمعركة المرتقبة بين المسلمين و اليهود، وأن النصر في النهاية سيكون للمسلمين عليهم، وأن كل شئ سيكون في صف المسلمين حتى الحجر والشجر، وأن كلا منهما سينطق دالا على أعدائهم، سواء كان نطقا بلسان الحال أم بلسان المقال [5].

وقد روى أبو أمامة الباهلي عن النبي (ص) أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، الا ما أصابهم من لأواء (أى أذى) حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك “، قالوا: وأين هم يا رسول الله ؟ قلا: “بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

القدس تهود جهارا

في الثاني من سبتمبر 1997 دعيت من قبل (مجمع البحوث الاسلامية بلندن) للمشاركة في مؤتمره العلمي الاول عن (القدس) والقاء كلمة فيه بهذه المناسبة. فحضرت وقلت في بداية كلمتي:

في هذه السنة(1997 م) تتزاحم ذكريات مهمة وبارزة نخص قضيتنا الاولى: قضية القدس و فسطين.

في هذه السنة تمر ذكرى مرور قرن (100سنة) على عقد المؤتمر الصهيوني الاول في (بازل) بسويسرا برياسة (هرتزل) عام 1897 م، وظهور المؤسسة الصهيونية العالمية.

كما تمر ذكرى (80)ثمانين عاما على مرور وعد بلفور المشؤوم باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (نوفمبر 1917 م).

و كذلك ذكرى نصف قرن على قرار تقسيم فلسطين (1947 م) الذي كان تمهيدا لقيام إسرائيل (1948).

و ايضا ذكرى مرور ثلاثين سنة على احتلال القدس والضفة الغربية وغزة سنة (1967 م) بعد حرب الايام الستة المعروفة في 5 حزيران (يونيو) 1967 م.

و اخيرا ذكرى مرور عشرين عاما على زيارة الرئيس السادات الى إسرائيل (1977 م) التى مثلت بداية الخلل في وحدة الموقف العربي تجاه إسرائيل.

و نحن الآن نجني ثمار هذه الأحداث المريرة، وأشد هذه الثمار مرارة: محاولة إسرائيل “تهويد القدس” العربية الاسلامية، وفق تخطيط معلوم، ونهج مرسوم، وعلى مرأى ومسمع من أكثر من مائتين وخمسين مليونا من العرب، ووراءهم أكثر من مليار من المسلمين. وعلى الرغم من قرارات الامم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

وبمساندة وتأييد من أمريكا القوة الاولى والوحيدة، والمتألهة في العالم اليوم.

و لاتزال إسرائيل تتابع (حفرياتها) تحت المسجد الاقصى، وتنشئ مدينة سياحية تحته، فيما زعموا، وقد سمعت في مؤتمر القدس المذكور من الأخ الشيخ رائد صلاح، رئيس بلدية أم الفحم في فلسطين المحتلة، ورئيس الحركة الاسلامية هناك، أنه أتيح له الاطلاع على هذه الحفربات، ورأى المسجد الأقصى مهددا بالانهيار في وقت غير بعيد.

و هذا يؤكد كل ما قلته وأعلنته مرارا من أن إسرائيل تعرف متى ينهار المسجد، وهي محددة له وقتا معينا، توقع فيه ذلك وتعلنه، وهى ستختار الوقت المناسب لهذا الافعل، بحيث يكون العرب والمسلمون مشغولين في همم أخرى تلهيهم عن هذا الخطب الجسيم، أو تجعل احتجاجهم عليه مجرد صراخ لا يرد حقا، ولايقاوم باطلا! ويكون العالم أيضا مشغولا بخطب آخر، قد تكون إسرائيل أو الصهيونية العالمية هي صانعة ومدبرته.

و هكذا تتعرض القدس العربية الاسلامية: مدينة المقدسات، وأرض النبوات، وبلد الإسراء والمعراج، ودار المسجد الأقصى، الذي بارك الله حله والذي هو عند كل مسلم بمنزلة سواد العين، وسويداء القلب.

تتعرض هذه المدينة للتهويد المبيت، والانتهاب المخطط، والالتهام المدبر، ويتعرض المسجد الاسلامي المعظم للخطر المؤكد، بما يقع تحته وحوله من حفريات مستمرة، تهدف في النهاية الى ازالتة، واقامة هيكل اليهود المزعوم على أنقاضه.

الهدف واضح وصريح، والخطة معلومة، والعمل معلن، اتفق عليه اليهود جميعا، أيا كان انتماؤهم واتجاههم: دينيين كانوا أم علمانيين، من حزب (الليكود) الصريح المتعجرف، أم من حزب (العمل) المناور المراوغ.

و مع هذا لا زلنا نركض ونسابق الريح،سعيا الى سلام بائس، لا يقيم لفلسطين دولة، ولا يعيد اليها مشردا، ولايرد اليها قدسها وعاصمتها، ومع هذا الغبن الفاحش، والظلم المبين، تركل إسرائيل، ويركل بنيامين نتنياهو السلام المزعوم بقدميه، رضي القتيل ولم يرض القاتل!

و هذا كلما تنازلنا عن حق مؤكد لنا، أصرت إسرائيل على باطل مدعى لها، وهي في كل يوم تأخذ منا ما تريد، ونحن لا نأخذ نقيرا ولا قطميرا، إلا وعودا مزعومة، أشبه بما قال الشاعر:

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا

وما مواعيد ها الا الاباطيل

فلا يغرنك ما منت وما عدت

ان الاماني والأحلام تضليل

بل الواقع أن إسرائيل في عهد الليكود أمست تضن علينا حتى بالوعود، وان كانت سرابا. فهي تتبجح بالرفض المطلق، ولا تخاف ولا تستحي. وقد قال رسول الاسلام: “ ان مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: اذا لم تستح فاصنع ما شئت !”.متفق عليه.

أن إسرائيل تستكبر وتبغى فى الأرض بغير الحق، لإنها لم تجد من يردها ويوقفها عند حدها.

فهى تريد سلاما من منظورها هي، ووفق مصلحتها، وتبعا لاستراتيجيتها التوسيعية، وأطماعها الاقليمية، المتمثلة في إسرائيل الكبرى: من الفرات الى النيل، ومن الارز الى النخيل ! ولكنها قد تخفي ذلك أو تسكت عمه في وقت ما، تبعا لسياسة (المراحل) التي تجيدها إسرائيل من قديم.

ولقد ساعدت الظروف العالمية والإقليمية والمحلية القائمة اليوم، إسرائيل على هذا التجبر والطغيان الذي نشهده، وتتمثل تلك الظروف في الاستسلام الفلسطيني، والعجز العربي، والوهن الاسلامي، والغياب العالمي، والتفرد الامريكى، والتحيز الامريكي ايضا.

ولكن هل تضمن إسرائيل أن تبقى هذه الظروف المساعدة لها باقية الى الابد؟ وهل أخذت صكا على القدر الاعلى أن تبقى الرياح في الاتجاه الذي تهوى ؟

نحن بقراءة سنن الله في الكون، وقراءة التاريخ من قبل، واستقراء الواقع في عالمنا: نؤمن بأن الدنيا تتطور، وأن العالم من حولنا يتغير، بل يتغير بسرعة غير محسوبة ولامتوقعة، كما رأينا في انهيار الاتحاد السوفيتي، وفي ظهور الاتحاد الاوروبي، وفي ظهور قوى اقتصادية جديدة في العالم. وهو ما عبر عنه الناس عندنا من قديم فقالوا: دوام الحال من المحال. وما عبر عنها القرآن في صورة سنة كونية عامة، فقال: {وتلك الايام نداولها بين الناس} [آل عمران: 140]. قال ذلك في أعقاب غزوة أحد التي انكسر فيها المسلمون في عصر النبوة، وقدموا فيها سبعين من أغلى شهدائهم، بعد انتصار مبين قبلها في غزوة بدر، التي سمى القرآن يومها: {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} [الانفال: 41].

الاستسلام الفلسطيني

إن الاستسلام الفلسطيني الذي دفع اليه تسرب الوهن الى بعض الانفس، واليأس الى بعض القلوب والشعور بالمرارة من تخاذل الكثيرين من العرب، وارتماء بعضهم في أحضان الامريكان، وسقوط السوفيت، والإحساس بالرعب من الوحش الامريكي، وتحيزه الدائم لربييته إسرائيل، واستطالة طريق الجهاد، وكثرت تكاليفه، وضحاياه، كل أولئك سارع بدفع عدد من القادة الفلسطينيين الى قبول (السلام الاعرج) الذي عرضته إسرائيل، تحت عنوان (الارض مقابل السلام).

يعنون أن تتخلي إسرائيل عن الأرض الفلسطينية والسورية واللبنانية التي احتلتها عام (1967 م) في مقابل سلامها، بحيث لايناوشها أحد ولاينازعها، باختصار: هذا القول يعني: أرض العرب في مقابل سلام إسرائيل.

أي يردون الينا أرضنا المحتلة لينعموا بالسلام، معنى هذا: أن الارض التي أخذوها بقوة السلاح وبالدم والعنف أمست ملكا لهم، وأمسي لهم الحق عليها، وهم يتنازعون عنها ليفوزوا بالسلام.

وقبل العرب المفاوضات على هذا الاساس الاعوج، وأعطوا إسرائيل السلام، ولكنها لم تعطهم شيئا، باعت لهم (الترام)! كما تحكى الحكايات عن القاهري الماكر والصعيدي الساذج.

ما معنى سلام يترك المشاكل الكبرى الاساسية كلها معلقة:

مشكلة القدس.

مشكلة الاستيطان.

مشكلة اللاجئين.

مشكلة الحدود.

هذه المشكلات الخطيرة مؤجلة، لا تبحث الا في نهاية الفاوضات، ولم يسأل أحد: واذا لم نتفق عليها في النهاية فمذا يكون الموقف؟

والحقيقة أن هذه المشاكل كانت معلقة ومؤجلة عند العرب، ولم تكن مؤجلة ولا معلقة عند إسرائيل، فقد أعلن أسحاق رابين عشية توفيق الاتفاق في (أوسلوا) قائلا ومصرحا: جئتكم من أورشليم (القدس) العاصمة التاريخية والابدية والموحدة لشعب إسرائيل!

وكذلك لم يؤجل موضوع الاستيطان، بل ظل مستمرا في أكثر من مكان في فلسطين، إلى أن فجرته المحاولة الصريحة الجريئة بإنشاء مستوطنة (هارحوما) في جبل أبو غنيم وكذلك في رأس العامود في القدس الشرقية، ولا يزال الاستيطان يتوسع وينمو، حين لا يسمح للفلسطينيين أهل البلد وأصحاب الدار، بأى نمو أو توسع.

وكم رأينا بأعيننا البيوت تهدم على مرأى ومسمع، لأن إسرائيل لم تسمح بها. ولن تسمح يوما.

ان الفلسطينيين اليوم أدركوا أن إسرائيل تخدعهم وتلعب بهم، وأن انسحابها الجزئي المحدود جدا لم يكن الا خدعة كبيرة، وأنها تستطيع أن تعود الى احتلال المواقع التي أخلتها في ساعات قلائل، وأن زمام الامور كلها بيدها، وأن لا حول لهم ولا طول، وأن السلطة التي منحتها إسرائيل لهم سلطة وهمية، هدف إسرائيل منها: أن تضرب الفلسطينيين بعضهم ببعض، وأن تسلط بعضهم على بعض، وأن يكون بأسهم بينهم شديدا، لتقف هي متفرجة على صراع الاخ مع أخيه، وأن بندقية الفلسطيني لن تعد موجهة إلى صدر غاصب أرضهم بل إلى فلسطيني مثله. وهذا مراد إسرائيل.

ولماذا لم يتحقق لإسرائيل كل ما تريد، طلبت بصراحة من السلط: تدمير حماس، وتحطيم كل قوة لها، واعانة إسرائيل عليها.

وهذا شرط اساسي وضروري اليوم للعودة للجلوس على مائدة السلام المزعوم.

إن إسرائيل ماضية في خطتها واصرارها على تهويد القدس، وهى خطة ليست بنت اليوم ولا وليدة الامس. وقد حددت هدفها، ورسمت سياستها، ومارست تنفيذها، بمحاصرتها بالمستوطنات، والعمل الدائب على تفريغها من أهلها العرب مسلمين ومسيحيين ووضع العوائق والعقبات في سبيل نموهم وامتدادهم عمرانيا وبشريا، والوقائع كلها شاهدة قاطعة، والعرب لا يملكون الا الشجب والاحتجاج والاستنكار، وهذه كلها لا تجدي فتيلا، ولا تحيي قتيلا، ولا تشفي عليلا. لقد احتج العرب على مستوطنة أبو غنيم، واحتجوا على احتلال بيت رأس العامود، ولكن احتجاجاتهم ذهبت ادراج الرياح.

لم يبقى من شيء تخافه إسرائيل الا الشباب الذين حملوا زؤوسهم على أكفهم، بائعين أرواحهم لله، لا يبالون أوقعوا على الموتاو وقع الموت عليهم، من الذين أقلقوا إسرائيل بعملياتهم الاستشهادية، وقذفوا الرعب في قلوب أبنائها، وأطاروا النوم من أجفانهم، ولا يفل الحديد الا الحديد.

لهذا قامت إسرائيل -على أعلى مستوى فيها- بالانتقام من هؤلاء الأبطال، فقتلت الدكتور الشقاقي، والمهندس يحيى عياش، وشرعت أخيرا في قتل خالد مشعل، بسلاح كيماوي متطور، وفي بلد معاهد لهم، هو الاردن، ليعلم الجميع أن هؤلاء قوم لا عهد لهم ولا ذمة، كما قال تعالى في اسلافهم: {الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56)} [الأنفال: 56].

وهم من قديم يقتلون كل من طريقهم أو ينتقدهم، أو يكشف أحابيلهم، من مدنيين وسياسيين ومفكرين، فقد قتلوا اللورد موين، وقتلوا الكنت برنادوت، وقتلوا المفكر الاسلامى الدكتور اسماعيل الفاروقي وزوجته أشنع قتلة، هذا ما تقوله الوقائع، ولا يزالون يهددون ويتوعدون كل من يقول كلمة لا تعجبهم، حتى الرسائل الأكادمية أو البحوث العلمية، التي تتحدث عن مذابح النازية معهم، وتحاول أن تبين حجمها الحقيقي، لا يسمح لها أن تبرز وترى النور، حتى ان كاتبيها يتعرضون للمساءلة والمحاكمة بله المضايقة والايذاء والتهديد، وآخرهم المفكر الفرنسي المعروف روجية جارودي.

ان الذين ظلوا يحملون روح الشعب الفلسطيني المجاهد، وعناد مقاومته، واستعداده للتضحية، انما هم تلك الفئة المؤمنة التي وهبت حياتها وكل ما تملك من نفس نفيس، لتحرير الأرض المقدسة ومسجدها الأقصى.

إنما هم أبناء حركة المقاومة الاسلاميةم (حماس) وأخوانهم وأعوانهم في (الجهاد) المقدس ومن يشد أزرهم من أبناء الشعب، إنهم الذين باعوا أرواحهم لله ليشتروا الجنة، ولقد ابتلوا وأذوا وسجنوا وعذبوا في سبيل الله، فصبروا وصابروا ورابطوا، {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصبرين (146) وما كان قولهم الا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرفنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين (147)} [آل عمران:146-147].

و ظني أن الاستسلام الذي جر اليه الفلسطينيون لن يستمر، فقد طفح الكيل، وبلغ السيل الزبي، واوشك الصبر أن ينفد، وحينئذ لا يكون أمام هؤلاء إلا عودة الانتفاضة الشاملة أشد وأفوى مما كانت، ويفرض الواقع الجديد نفسه، وتنضم السلطة الى الشعب، ويقف الجميع في وجه العدو صفا واحدا كالبنيان المرصوص. وصدق الشاعر:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركب /:::::::::::::فما حيلة المضطر إلا ركوبها!

العجز العربي

أما العجز العربي الذي نراه ونلمسه،فليس هو بالقدر الذي لا مهرب منه. إنما هو أمر طارئ لابد أن يزول.

وأظهر أسباب هذا العجز هو التفرق، الذي أصاب دول العرب، منذ شرخ (كامب ديفيد) واتفاقيتة التي أخرجت الشقييقة الكبرى: مصر، من المعركة المصرية للأمة، وقد استغل في ذلك: تخلي العرب عن مصر، وعدم وقوفهم معها ومعاونتهم لها، وقد خاضت أربع حروب من أجل فلسطين كلفتها الكثير من المال والرجال.

و زاد هذا التفرق بعد (الحرب الخليج) الثانية، التي مزقت العرب شر ممزق، وخسروا فيها تضامنهم ووحدة مواقفهم، كما خسروا أموالهم، حتى استدانت البلاد الغنية، بل خسر كثير منههم حرية إرادتهم واستقلال قرارهم، الى حد احتلال أراضيهم.

كان هذا كله بضربة واحدة-ضربة معلم كما يقال-و كان الرابح الواحد في ذلك هو إسرائيل، وأمريكا وحلفاؤها، الذين تخلصوا من أسلحتهم لقديمة في أرضنا، وجربوا أسلحتهم الجديدة في شعوبنا، وهدموا ديارنا بفلوسنا، وبطلبنا، وخرجوا بيوتنا بأيدينا، ليعودوا فيشيدوها من جديد بأموالنا أيضا.

و قد انقسم العالم العربي في هذه القضية انقساما لم يحدث مثله في قضية أخرى، لما فيها من تداخل وتعقيد، فان الذي يرفض التدخل الأجنبي كأنما يؤيد الاحتلال العراقي لالكويت، والذي يقبل التدخل العسكري الأمريكي والغربي لتحرير الكويت كأنما يؤيد تدمير العراق، ويساند الاحتلال الأجنبي للمنطقة!

و ضاع الرأ ي الوسط الذي ينكر الاحتلال ويطالب بالجلاء، كما ينكر التدخل الأجنبي المسيطر، سواء بسواء. وهو ما نادت به مجموعات من أهل العلم والفكر من المصريين نشروا بيانهم على صفحات الأهرام وغيره (ضمن المقال الأسبوعي للكاتب الكبير الأستاذ فهمي هويدي).

المهم أن العالم العربي منذ ذلك اليوم المشؤوم قد تصدع بنيانه، ولم يجد من يرمه الى اليوم، رغم مناداة كثير من العقلاء بوجوب تخطي هذه الأزمة، التي لا يجوز أن تحكمنا عقدتها أبد الدهر، وهو ما يفرضه الدين والقومية، والأخلاق والمصلحة المشتركة، بل ما يفرضه وجودنا ومصيرنا، ان اردنا أن يكون لنا وجود ومصير في هذا العالم، الذي لم يعد فيه مكان للكيانات الصغيرة، ولا للكيانات المتفرقة والمبعثرة، ولهذا رأينا المتفرقين تاريخيا يتحدون ويتناسون الماضي ونزاعاته وحوبه وثأراته، استجابة لنداء المصلحة المتبادلة، كما هو شأن الاتحاد الأوروبي.

و لكننا نرى اليوم بشائر لا يمكن تجاهلها، وهي وقوف العالم العربي كله ضد الولايات المتحدة التي تريد توجيه ضربة عسكرية لالعراق، ان هذه الوقفة العربية ضد التأله الأمريكي، يدلنا على أن هذه الأمة لن تموت.

الوهن الاسلامي

و اذا كان العجز العربي عرضا لا يدوم، فكذلك الوهن الاسلامي، انه أمر يعرض للأمم كما تعرض الأمراض للجسم الصحيح، لا يلبث أن يعالج منه ويشفي.

و كم أصابت هذه الأمة من آفات وأمراض، في أدوار من التاريخ، حسب أعداؤها أنها لن تبرأ منها، وأنها هي القاضية والقاتلة. ولكنها خرجت منها كما يخرج الذهب من النار، أشد صفاء، وأكثر لمعانا.

و حسبنا من ذلك غزوات الصليبيين من الغرب، وهجمات التتار من الشرق، في فترة ضعف من الأمة وتفرق بين أقطارها، وغفلة من حكامها، حتى سقطت قلاعها أمامهم أول الأمر، وتحكموا في رقاب أهلها، وأقاموا لهم ممالك وامارات، وببقي (المسجد الأقصى) أسيرا في أيدى الصليبيين (تسعين عاما) كاملة.

ثم هيأ الله رجالا لم يكونوا من جنس العرب، ولكن عربهم الاسلام، منهم التركي مثل عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود، والكردي مثل صلاح الدين الأيوبي، وغيرهم مثل سيف الدين قطز، والظاهر بيبرس من قادة المماليك.

فعاد الصلبيبيون يجرون أذيال الخيبة، ودخل التتار في دين الله أفواجا.

و في العصر الحديث احتل الاستعمار الغربي الزاحف ديار الاسلام، من اندونيسيا الى المغرب، وحسب جنرالاته العسكريون، وزعماؤه السياسيون -و من ورائهم المبشرون والمسشرقون- أن هذه الديار قد دانت لهم الى الأبد، حتى إن بعضها اعتبرواها جزءا من أوطانهم كما في الجزائر.

ثم ما لبث الإسلام الذي يدينون به أن أيقضهم من رقود، وحركهم من جمود، ونفخ فيهم من روحه، فكانت (معارك التحرير) في كل بلد، وكان للدين القدح المعلي في الإيقاظ والتحريك والتنجيد والتجميع، وآخر ملحمة مع الاستعمار كانت ملحمة ثورة التحرير الجزائرية من سنة 1954 حتى نالت استقلالها ستة 1961.

لقد نبهنا الرسول المعلم على سبب الوهن الذي يصيب الأمة، وبين أنه سبب نفسي واخلاقي ، وذلك في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان “يوشك أن تتداعي عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعي الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”.

هذا هو سر الوهن وعلته: حب الدنيا وكراهية الموت. فاذا غيرت الأمة ما بنفسها، ولم تعد الدنيا أكبر همها ومبلغ علمها، ولم تعد تبالي: أوقعت على الموت أم وقع الموت عليها، هنالك يغير الله ما بها، ويبدل حالها من ضعف الى قوة، ومن ذلة الى عزة، ومن هزيمة الى نصر وتمكين.

و أرى بشائر ذلك قد بدت وتجلت في هذه الصحوة الاسلامية المعاصرة التي جددت العقول بالمعرفة، والقلوب بالايمان، واثرت في شباب الأمة -ذكورا وإناثا-تأثيرا يشبه تأثير الغيث في الأرض الهامدة، حتى اذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.

و قد بينا في دراسة سابقة لنا [6]:

أن الامة المسلمة تملك مقومات القوة والرقي والسيادة من: الثروة البشرية (مليار وثلث من البشر) والثروة المادية (من سهول وجبال ومعادن وبحار وأنهار.. الخ) والثروة احضارية من خلال موقعها في ماتلقي القارات، ومنبت الحضارات ومهبط الرسالات.في أرضها نبتت الحضارات الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية والفارسية...) بالاضافة الى الحضارة الاسلامية العربية. وفيها نسأت الرسالات السماوية الكبرى: اليهودية والمسيحية و الاسلام.

هذا الى الثروة الروحية الكبرى، التي تتميز بها دون الأمم، فهي وحدها التي تملك رسالة الشمول والتوازن والعمق، المتمثلة في رسالة الاسلام.

و قد بدأت بعض شعوب هذه الأمة وأقطارها في النهوض ومحاولة كسر حاجز التخلف الذي وضعت فيه الأمة زمنا طويل، وان مع اليوم غدا، وان غدا لناضره قريب.

التفرد الأمريكي

و أما التفرد الأمريكي بالنفوذ والهيمنة على العالم، حيث غدت هي القطب الأوحد. والعلمم المفرد، في توجيه السياسة الدولية، وفق مصالحها وأهوائها، وتسخير الأمم المتحدة وأجهزتها ومؤسساتها لخدمة أهدافها ورغباتها. التي لا يجوز لأحد الخروج عنها، أو التمرد عليها، والا كان العقاب له بالمرصاد، اقتصاديا وسياسيا، بل وعسكريا عند اللزوم...

أقول: هذا التفرد ليس قدرا مفروضا على البشرية، يجب أن تتقبله طوعا أو كرها، صوابا أو خطئا، عدلا كان أو جورا. انما هو وليد ظروف معينة مرت بالعالم قابلة لأن تتغير.

و من سننة الله: أن القوى لا يظل قويا أبد الدهر، وأن الضعيف لا يظل ضغيفا أبد الدهر، وكم رأينا من قوي أصابه الضعف، وضعيف أدركته القوة، وكم من عزيز ذل، وذليل عز، وفي التاريخ الحافل، وفي الواقع الماثل: نماذج وأمثلة لا تخفي.

كما أن من عدل الله تعالى وحكمته في خلقه: ألا يدع قوة واحدة تتحكم في خلقه، وتفرض عليهم سلطانا رغبا ورهبا.

بل من سنته تعالى: التدافع بين الناس، حيث يدفع ظلم بعضهم ببعض، وشر بعضهم ببعض، والا لتسلط عليهم الطغاة والجبارون فأهلكوهم، أو ساموهم سوء العذاب. يقول تعالى: {ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251)} [البقرة: 251].

وقال سبحانه: {ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوت ومسجد يذكر اسم الله كثيرا} [الحج: 40].

وعلى ضوء هذه السنة قام الاتحاد السوفيتي الشيوعي عدة عقود يمدافعة التجير الأمريكي -الأروبي- الرأسمالي، وأدى ذلك إلى قدر من التوازن استفادت منه الشعوب الضعيفة والأوطان المهضومة، وإن كان كل من الطرفين الشيوعي والرسمالي ظالما في نفسه، ولكن الله يدفع ظالما بظالم. كما قال الشاعر:

وما من يد إلا يد الله فوقها

ولا ظالما إلا سيبلي بظالم !

ومن هنا كان المسلمون قديما يدعون الله قائلين: اللهم اشغل الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.

ومن الأمثال المأثورة: اذا اصطلحت الهرة والفار خربت دكان البقال.

فمن مصلحة البشر -وخصوصا الضعفاء منهم- اختلاف الأقوياء الظالمين وتعارض مصالحهم.

وليس من مصلحتهم أن يتقوا، فان اتفاقهم نقمة واختلافهم رحمة - كما ليس من مصلحتهم أن ينفرد أحدهم بالقوة، ويزول خصومه من الميدان.

وبمقتضى هذه السنة لا بد أن تظهر قوة، أو قوى جديدة أخرى تنازع أمريكا وتغالبها وتدافعها، حتى لا تفسد الأرض، وربما كان من دلائل ذلك: الاتفاق الروسى الصيني، الاخير والشهير، الذي يؤدن ببروز قوة جديدة، ربما لم تتكامل الآن كل أدوات قدرتها التي تنافس بها أمريكا، ولكنها -على الاقل- تملك قوة عسكرية وبشرية هائلة، في مقابل التفوق التكنولوجي والاقتصادي الفارع الذي تتمتع به الولايات المتحدة الامريكية.

واذا كان من شأن التفرد الامريكي الا يستمر، فكذلك شأن التحيز الأمريكي الدائم لإسرائيل، فهو موقف غير أخلاقي، وغير انساني، وغير مبرر. وأحسب ان الشعب الأمريكي المضلل عن الحقيقة بصنع الإعلام المكثف الذي يوجهه ويسيطر عليه اللوبي اليهودي في أمريكا، سيأتي يوم تنكشف فيه الغشاوة عن عينيه، ويرى الحقيقة مجردة بلا تمويه وتزييف، ويومئذ لن يكون مع الظالم ضد المضلوم، ولا مع الغاصب ضد المغصوب، ولا مع اللص ضد صاحب الدار.

الغياب العالمي

وكذلك يقال في الغياب العالمي، فهو- في الواقع - أثر للتسلط الامريكي على العالم، بسيف المعز وذهبه. وعدم وجود زعماء أقوياء يقولون كلمة الحق، ولا يخافون لومة لائم، ولا ظلم ظالم. فقد بات العالم قرية عمدتها رئيس الولايات المتحدة. ووزير الدفاع الامريكي هو شيخ خفرائها، ووزير الخارجية الامريكي هو شيخ البلد فيها.

حتى اوروبا لم يعد لها لها تأثير يذكر في سياسة العالم وقضاياه الكبرى، وان حاولت بعض دولها أن يكون لها موقف تميز عن أمريكا، كما نرى فرنسا احيانا.

أما كتلة (عدم الانحياز) فلم يعد لها علم مرفوع، ولا صوت مسموع.

ان العالم الذي ربا عدد سكانه على ستة مليارات أصبح (أحجارا على رقعة الشطرنج) تحركها أصابع أمريكا حيث تشاء، لا تبالي بفيل ولا حصان ولا (طابيه) بل لا تعبأ بوزير ولا ملك. فهي تحيي منهم من تشاء وتميت من تشاء، وقتما تشاء.

هل سيبقى العالم لعبة في يد أمريكا الى الأبد ؟ مستحيل، وهل بستمر هذا الغياب العالمي طويلا ؟ ما أظن ذلك.

ان الظروف المساعدة لإسرائيل - عالميا واسلاميا وعربيا وفلسطينيا - لن تبقى الى الابد، فالدهر قلب، والدنيا دول، ودوام الحال من المحال، وصدق الله اذ يقول: {وتلك الايام نداولها بين الناس} [آل عمران:140].

ومن المبشرات العاجلة: ما قضت به محكمة العدل الدولية في قضية (لو كربي) التي اتخذت ذريعة ضد ليبيا، وقد كان حكم المحكمة صفعة للولايات المتحدة وبريطانيا، وانتصارا للجمهورية الليبية، مما يوحى بان في الزوايا خبايا، وأن في العالم رجالا أحرارا، لا يشترون، ولا يخافون.

ربما انتقدنا بعض رجال السياسة، واتهمونا - نحن علماء الدين ورجال الفكر الاسلامي - بأننا (رومانسيون) نعيش في مثاليات ونسبح في بحار الاماني والأحلام ولا نرضي بالواقع. وقد قال علي بن أبي طالب لابنه: اياك والاتكال على المنى، فانها بضائع النوكي (الحمقي). وقال الشاعر:

ولا تكن عبد المنى، فالمنى

رؤوس اموال المفاليس !

وأود أن أقول لهؤلاء: ان من شأن الانسان الحي أن يتخيل وأن يحلم، وعلى قدر همة المرء وطموحه تكون أحلامه صغرا وكبرا.

وما لنا لا نحلم، وقد حلم اليهود قبلنا باقامة دولتهم، وقد أقاموا في ديارنا، ولم يكن هناك أي شيء على الارض يدل على ذلك، وقد عاشوا حتى غدت أحلام الامس حقائق اليوم.

فما علينا اذا حلمنا بالانتصار على عدونا، واستعادة أرضنا وحقنا، حتى تكون أحلام اليوم حقائق الغد، ولا سيما وحقائق الوجود، ووقائع التاريخ، وسنن الله في الكون كلها تؤيدنا.

كل ما ينقصنا هو (ارادة الصمود والتحدي) والتحرر من اليأس والضعف، والثورة على الرضا بالهون، والعيش الدون، والقدرة على أن نقول بملء فينا، وباعلى صوتنا: لا ثم لا.

اننا اذا قلناها - مجتمعين - صارخة مدوية، عالية متحدية، ستزلزل قلوب أعدائنا ويكون لها ما بعدها.ان كل ما نريده اليوم: أن ننتصر على ضعف أنفسنا، وأن نستعيد ثقتنا بالله تعالى، ونستجيب لقول الله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا الى السلم وانتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعملكم (35)} [محمد: 35].

حقيقة المعركة بيننا وبين إسرائيل

أود أن أبين هنا بوضوح: نقطة مهمة، كثيرا ما يشوبها الغموض أو الالتباس في أذهان كثير من الناس، ولا سيما من المتدينين المسلمين. وكثيرا ما تستغلها إسرائيل في دعايتها الصهيونية، لكسب الرأى العام-و خصوصا الغربي- الى صفها.

هذه النقطة تتعلق بأسباب المعركة بينا وبين اليهود وحقيقتها، فما هذه الأسباب التى أشتعلت نا رالحرب بيننا وبين اليهود في فلسطين، قبل أن تقوم إسرائيل في سنة 1948 م وبعد قيامها الى اليوم؟.

هل نعادي إسرائيل لأنها سامية؟:

هل سبب العداوة والحرب المستعمرة بيننا -نحن العرب والمسلمين- وبين إسرائيل: أنها دولة سامية؟. و الجواب: أن هذا أبعد ما يكون عن تفكير المسلمين، ولا يتصور أن يرد هذا بخواطرهم؛ لسببين أساسيين:

الأول: أننا -نحن العرب- ساميون، ونحن مع بني إسرائيل في هذه القضية أبناء عمومة، فاذاكانوا هم أبناء إسرائيل -و هو يعقوب- بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام، فنحن أبناء اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام.

و لا تستطيع إسرائيل أن تزايد علينا في، ذلك ولا أن تتهمنا بأننا أعداء (السامية) التي تتاجر بها في الغرب، وتشهرها سيفا في وجه كل من يعارض سياستها، أو ينتقد سلوكيتها العدوانية واللاأخلاقية، بل اعتبر القرآن المسلمين كافة أبناء ابراهيم: {هو اجتبكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابرهيم}[الحج: 78].

و الثاني: أن المسلمين عالميون انسانيون بحكم تكوينهم العقدي والفكري، وليسوا ضد أى عرق من العروق أو نسب من الأنساب، وقد علمهم دينهم أن البشرية كلها أسرة واحدة، تجمعهم العبودية لله، والبنوة لآدم، كما قال تعالى: {يأيها الناس انا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقكم ان الله عليم خبير (13)} [الحجرات:13].

و قال رسولهم الكريم: “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب” رواه أحمد.

على أن اليهود اليوم لم يعودوا كلهم ساميين، كما يزعمون، فقد دخل فيهم عناصر شتى من سائر أمم الأرض، كما هو معروف عن يهود (مملكة الخزر) وغيرهم. وهذا طبيعي، فاليهودية ديانة، وليست جنسية.

هل نعادي إسرائيل لأنها يهودية ؟

و اذا كانت (السامية) ليست واردة في اسباب حربنا وعداوتنا لإسرائيل، فكذلك (اليهودية) باعتبارها ديانة ليست هي السبب.

ان اليهودية في نظر المسلمين (ديانة كتابية) من الديانات السماوية، جاء بها رسول الله موسى الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وهو من أولى العزم من الرسل، وفي القرآن نقرأ قوله تعالى: {قال يموسى انى اصطفيتك على الناس برسلتي وبكلمى فخذ مآ ءاتيتك وكن من الشكرين (144) وكتبنا له في الالواح من كل شئ وموعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف:144،145].

و القرآن اختار لليهود والنصارى (لقبا) يوحي بالقرب والايناس منهم، وهو (أهل الكتاب) ويناديهم بذلك (يا أهل الكتاب) ويعني به: التوراة والانجيل، اشعارا بأنهم -في الأصل- أهل دين سماوي، وان حرفوا فيه وبدلوا.

اليهود أقرب الى ملة ابراهيم من النصارى

بل أزيد على ذلك فأقول: ان اليهود - من الناحية الدينية - أقرب الى المسلمين في كثير من الأمور، من النصارى المسيحيين، لأنهم أقرب منهم الى ملة ابراهيم عليه السلام، سواء في العقيدة أو في الشريعة.

فان النصارى غيروا كثيرا من أصول الدين وفروعه، على حين احتفظ اليهود ببعض هذه الأشياء مما ورث من ملة ابراهيم أبي الانبياء عليه السلام.

فاليهود لا يقولون بالتثليث الذي يقول به النصارى، يؤلهون موسى كما يؤله النصارى المسيح عيى عليهما السلام.

و ان وقع اليهود في تشبيه الخالق بخلقه، كما يبدو ذلك بجلاء لكل من يقراء أسفار التوارة، وحديثها عن الألوهية.

على أن كل ما يؤمن به اليهود فيما يتعلق بالألوهية والنبوة، يؤمن به المسيحيون، لأن التوراة وملحقاتها (كتاب مقدس) عندهم.

و يزيدون على اليهود ما انفردوا به من تأليه المسيح أو القول بالتثليث.

و اليهود يختنون أبناءهم على سنة ابراهيم عليه السلام كما يختن المسلمون، والنصارى لا يختنون.

و اليهود يشترطون الذبح لحل أكل الحيوانات والطيور.

كما يفعل المسلمون، والمسيحيون لا يذبحون لأن (بولس) قال لهم: كل شئ طاهر للطاهرين!

و اليهود يحرمون الخنزير، كما يحرمه المسلمون في حين أحله النصارى.

و اليهود يحرمون التماثيل التي تصنع للملائكة أو للأنبياء والقديسين، كما يحرمه المسلمون، في حين لا يحرمها النصارى، ولذلك امتلأت كنائسهم ومعابدهم بهذه الصور والتماثيل من كل حجم ولون.

فلو كنا نحارب اليهود من أجل العقيدة،لحاربنا النصارى المسيحيين أيضا.

و من أجل هذا يتبين لنا خطأ بعض عوام المتدينين الذين يتوهمون أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل العقيدة، ومعنى هذا: أننا نقاتل اليهود، لأنهم يهود كفروا برسالة محمد، وحرفوا كلام الله عن موضعه، شوهوا حقيقة الأوهية في كتابهم، فقد شبهوا الخالق بالمخلوق، كما شيه النصارى بعدهم المخلوق بالخالق، ولوثوا صورة الرسل والأنبياء.. الى آخر ما هو معروف عنهم، مما حكاه القرآن من قتلهم الأنبياء بغير حق، وتطاولهم على الله حتى قالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: ان الله فقير ونحن أغنياء !.

و هذه النظرة التي قد تخطر في بال بعض الناس خاطئة تماما، فاليهود كما رأينا يعتبرهم الاسلام أهل كتاب، يبيح مؤاكلتهم، ويبيح مصاهرتهم، وقد عاشوا قرونا بين ظهراني المسلمين، لهم ذمة الله تعالى، وذمة رسوله، وذمة حماعة المسلمين، وقد طردهم العالم، ولفظهم لفظ النواة، من أسبانيا وغيرها، ولم يجدوا صدرا حنونا، الا في دار الاسلام، وأوطان المسلمين، ولم يفكر المسلمون يوما أن يحاربوا اليهود.

بل هم قد بلغوا في بعض الأقطار الاسلامية من النفوذ والغنى والقرب من الخلفاء والأمراء مبلغا عظيما، جعل بعض المسلمين يغبطونهم عليه أو يحسدونهم، وقال في ذلك الشاعر المصري الساخر الحسن بن خاقان:

يهود هذا الزمان قد بلغوا

غاية آمالهم وقد ملكوا

المجد فيهم، والمال عندهم وومنهم المستشار وملك! يا أهل مصر، اني نصحت لكم تهودوا، الفلك! [7]

سوء موقف اليهود من دعوة الاسلام

وربما كان سبب اعتقاد كثير من المسلمين أن اليهود أسوأ في العقيدة من النصارى: هو سوء موقف اليهود من دعوة الاسلام، من رسول الاسلام، عليه الصلوة والسلام.

كما يتجلي من ذلك في موقف يهود المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.

فهو موقف في غاية السوء والعداوة للدين الجديد، والنبي الجديد، رغم أنهم كانوا يبشرون قبل ذلك ببني قد قرب زمانه، وكانوا يهددون جيرانهم من العرب - الاوس والخزرج- أنهم سيأمنون به، وينضمون اليه، ويقتلونهم معه قتل عاد وارم. ويبدوا أنهم كانوا يظنونه من بني إسرائيل، فلما وجدوه من بني اسماعيل، منعهم البغي والحسد أن يؤمنوا به.

وجاء في ذلك قول الله تعالى:{ولما جائهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكفرين (89) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله بما من فضله على من يشاء من عباده فباءو بغضب على غضب وللكفرين عذب مهين (90) واذا قيل لهم ءامنوا أنزل الله قالوا نؤمن بمآ انزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم} [البقرة 89: -91].

ومع كفرهم برسالة محمد، فان الرسول (ص) بعد الهجرة، عاهدهم وأقام معهم اتفاقية تقوم على التعايش والتناصر معا، وكتب معهم (الصحيفة) الشهيرة التي اعتبرها الكثيرون بمثابة (الدستور) الذي يحدد العلاقة بينهم وبين المسلمين كما يحدد علاقة المسلمين بعضهم ببعض.

ولكنهم سرعان على ما غلبت عليهم طبيعتهم في نقض العهود، وتعدي الحدود، والكيد للرسول وأصحابه والانضمام الى الوثنيين في حربهم للرسول، حتى تحالفت بنو قريظة مع المشركين المغيرين على المدينة، الذين أرادوا استئصال شأفة المسلمين، وابادة خضرائهم.

وكان لا بد أن يقع الصدام بين الفريقين، الذي انتهى بجلاء بني قينقاع، واجلاء بني النضير، وقتل مقاتلة بني قريظة، وقتال أهل خيبر.

ونزلت آيات القرآن في سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحشر وغيرها، تندد بموقف اليهود وشدة عداوتهم للمسلمين، كما في قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عدوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا} [المائدة: 82] في حين تبين قرب مودة النصارى للمسلمين، حيث تقول الآية نفسها {ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا انا نصرى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82)} [المائدة: 82]

ولهذا تجد الذين دخلوا في الاسلام من اليهود معدودين، نتيجة لتعصبهم وغرورهم وزعمهم أنهم شعب الله المختار، على حين دخلت شعوب كاملة من النصارى في الاسلام، مثل الشام و مصر وشمال أفريقية والأناضول وغيرها.

ثم كان من كيد اليهود للمسلمين بعد ذلك ما يحفظه التاريخ، وما ترك أثره العميق في أنفس المسلمين.

السبب الحقيقي لمعركتنا مع اليهود

والواقع أن المعركة بدأت بيننا وبني اليهود، بسبب واحد لا شريك له، وهو: أنهم اغتصبوا أرضنا - أرض الاسلام، أرض فلسطين - وشردوا أهلنا، أهل الدار الاصليين، وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار، والعنف والدم... تكلم السيف فاسكت أيها القلم! وستظل المعركة قائمة بيننا وبينهم ما دامت الأسباب قائمة، وسيظل الصلح مرفوضا اذا كان مبنيا على الأعتراف لأن لهم حقا فيما اغتصبوه من الأرض، إذ لا يملك أحد أن يتنازل عن الارض الاسلامية، انما يمكن اقامة هدنة بيننا وبين إسرائيل، لفرة من الزمن، تقصر أو تطول، يكف فيه الطرفان عن الحرب، ويسود فيه الامن، وتتبادل بعض العلاقات مع بعض.

اما مبدأ (الارض مقابل السلام) فهو مبدأ غريب حقا، فوضه منطق القوة الغاشمة للعدو، لا غير، لأن الأرض ارضنا، لا أرضه، حتى يتفضل بتنازله عنها، مقابل سلامه!

وحتى هذا السلام الأعرج، رفضته إسرائيل في النهاية. فهي تريد أن تأخذ ولا تعطي شيئا.

الطابع الديني للمعركة

وهذا لا ينفي الطابع الديني عن المعركة، فالمعركة فالمعركة -و ان كانت من أجل الأرض -لها بواعثها الدينية، وأهدافها الدينية.

فكل معركة يدخلها المسلم للدفاع عن حق، أو لمقاومة باطل، أو لاقامة عدل، أو لثورة على ظلم، فهي معركةدينية، لأنها معركة في سبيل الله.

قال تعالى: {الذين ءامنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت} [النساء:76].

و الاسلام يوجب على المسلمين - بالتضامن - الدفاع عن أرض الاسلام، ويعتبر ذلك من أقدس أنواع الجهاد، كما يعد من قتل في ذلك شهيدا من أعظم الشهداء.

و الجهاد -دفاعا عن الأرض- فرض عين على أهلها حتى تتحرر، وإذا لم يكف أهلها للدفاع عنها، وجب على من يجاورهم، حتى يشمل المسلمين كافة في النهاية، ولا يجيز شرع الاسلام للمسلمين أن يتنازلوا عن ذراع واحد من أرض الاسلام.

فاذا كانت أرض الاسلام يأولى القبلتين، وثالث المسجدين المقدسين، كان الجهاد في سبيل تحريرها أوجب وأعظم وأشرف، وأعلى مكانا في دين الله.

و اذا كان مغتصبوها يحاربوننا بدوافع دينية، وأحلام دينية، كان أوجب علينا: ان نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به، فاذا حاربوننا بالتوراة حاربناهم باقرآن، واذا رجعوا الى تعاليم التلمود رجعنا الى البخاري ومسلم، واذا قالوا: نعظم السبت، قلنا: نعظم الجمعة، واذا قالوا: الهيكل، قلنا: الأقصى.

وبالجمعة اذا قاتلونا تحت راية اليهودية قاتلناهم تحت راية الاسلام، واذا جندوا جنودهم باسم موسى: جندنا جنودنا باسم موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فنحن أولى بمموسى منهم !

بطلان دعاوي اليهود في القدس و في فلسطين عامة

لليهود والصهاينة دعاوي عريضة، يزعمون بها أن لهم حقا في القدس أو في فلسطين كلها، وهم يتبجحون بهذه الدعاوى، التي لا سند لها من الدين ور من التاريخ، وان أسندوا زورا الى الدين والى التاريخ.

لا حق لليهود في القدس ولا في فلسطين

و نؤكد هنا بما لا يدع مجالا للشك: أن القدس عربية اسلامية، كما أن فلسطين كلها عربية اسلامية، وليس لليهود فيها أى حق، حتى يسلبوا من أهلها، ويحولوها الى عاصمة لدولتهم القائمة على الاغتصاب والعدوان.

ان اليهود يزهمون أن لهم حقا تاريخيا، وحقا دينيا في فلسطين، والواقع أنهم مغتصبون لأرض غيرهم، وليس لهم أدنى حق في هذه الأرض، لا من الناحية التاريخية، ولا من الناحية الدينية. كما سنبين ذلك فيما يلي:

مناقشة عامة:

و قبل أن ندخل في مناقشة الحق المزعوم لليهود في فلسطين نود أن نسألهم: لماذا لم يظهر هذا الحق طوال القرون الماضية ؟ بل لماذا لم يظهر في أول الأمر عند ظهور الصهيونية السياسية المنظمة على يد (هرتزل)؟ فمن المعروف أن فلسطين لم تكن هي المرشحة لتكون الوطن القومي لليهود.

بل رشحت عدة أقطار في أفريقا وأمريكا الشمالية كذلك، ولم تظهر فكرة فلسطين -باعتبارها أرض الميعاد- الا بعد فترة من الزمن.

لقد حاول هرتزل الحصول على مكان في (موزمبيق) ثم في (الكنغو) البلجيكي. كذلك كان زملاؤه في انشاء الحركة الصهيونية السياسية، فقد كان “ماكس ننوردو“ يلقب باللافريقي، و“حاييم وايزمان“ بالأوغندي، كما رشحت (الأرجنتين) عام 1897 و(قبرص) عام 1901، و(سيناء) في 1902 ثم (أوغندا) مرة أخرى في 1903 بناء على اقتراح الحكومة البريطانية.

وأصيب هرتزل بخيبة أمل كبيرة، لأن اليهود في العالم لم ترق فكرة دولة يهودية سياسية، سواء لاسباب أيديولوجية، أو لأنها كانوا عديمي الرغبة في النزوح عن البلاد التي استقروا فيها.

بل ان مؤتمر الحاخامات الذي عقد في مدينة فيلادلفيا في أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر أصدر بيانا يقول: ان الرسالة الروحية التي يحملها اليهود تتنافي مع اقامة وحدة سياسية يهودية منفصلة !

وازاء هذا الموقف، فكر “هرتزل “ في طريقة يواجه بها هذا الوضع، وهداه تفكيره الى أن يحول الموضوع الى قضية دينية يلهب بها عواطف جماهير اليهود.. ورأى أن فلسطين هي المكان الوحيد الذي يناسب هذه الدعوة الجديدة، ولليهود بفلسطين علائق تاريخية، ولهم فيها مقدسات دينية، وارتفعت راية الدين على سارية المشروع والتهبت العواطف، وأنتصر رأي “ هرتزل “ وان يكن بعد وفاته، فقد احتضن المؤتمر اليهودي العالمي فكرة الوطن اليهودي في فلسطين عام 1905، بعد موته بسنة.

دعوة الحق التاريخي

من المعروف تاريخيا، أن أول من بنى القدس هم "اليبوسيون " وهم فبيلة من قبائل العرب القدامى، نزحت من شبه الجزيرة العربية مع الكنعانيين، وذلك منذ نحو ثلاثين قرنا قبل الميلاد، وكانت تسمى " أورشالم" أو مدينة "شالم"، وهو إله اليبوسيين، كما احتفظت باسمها الأول "يبوس " نسبة الى القبيلة، وقد ورد ذكر هذا الاسم في التوراة.

و بعد ذلك سكن القدس وسكن فلسطين عامة: العرب الكنعانيون وغيرهم قرونا وقرونا، إلى أن جاءنا إبرهيم عليه السلام مهاجرا من وطنه الأصلي بالعراق، غريبا، وقد دخل فلسطين هو وزوجه سارة، وعمره -كما ثقول أسفار العهد القديم -(75) سنة.

و لما بلغ (100) سنة ولد له إسحاق [8]، ومات إبراهيم وعمره (175) سنة، ولم يمتلك شبرا من فلسطين، حتى إن زوجه سارة لما ماتت طلب من الفلسطينيين لها قبرا [9]تدفن فيه.

و لما بلغ إسحاق (60) سنة ولد له يعقوب، ومات إسحا ق وعمره (180) سنة، ولم يملك شبرا أيضا منها.

ارتحل يعقوب بذريته بعد أبيه إلى مصر، ومات بها وعمره (147) سنة، وكان عدد بنيه وأولادهم (70) نفسا لما دخلها وكان عمره (130) سنة [10].

و معنى هذا أن المدة التي عاشها إبراهيم وابنه إسحاق، وحفيده يعقوب في فلسطين: (230) سنة، وقد كانوا فيها غرباء لا يملكون من أرضها زراعاً ولا شبراً .

و تقول التوراة: أن المدة التى عاشها بنو إسرائيل بمصر حتى أخرجهم موسى: (430) سنة [11]، كانوا أيضا غربا لا يملكون شيئا، كما تقول التوراة: إن المدة التي عاشها موسى وبنو إسرائيل في التيه بسيناء (40) سنة، أى أن العهد الذي صدر إليهم من الله مضى عليه حينذاك (700) سبعمائة سنة، وهم لا يملكون في فلسطين شيئا فلماذا لم يحقق الله تعالى وعده لهم؟؟ ومات موسى ولم يدخل أرض فلسطين، إنما دخل الأردن ومات بها [12] , والذي دخلها بعده: يشوع (يوشع)، ومات بعد ما أباد أهلها (كما تقول التوراة).

وقسم الأرض على أسباط بني إسرائيل، ولم يقم لبني إسرائيل ملك ولا مملكة، وإنما قام بعده قضاة حكموهم (200) سنة، ثم جاء بعد القضاة حكم الملوك: شاؤول وداود وسليمان، فحكموا (100) سنة، بل أقل، وهذه هي مدة دولتهم، والفترة الذهبية لهم.

وبعد سليمان انقسمت مملكة بين أولاده: يهودا في أورشليم، و إسرائيل في شكيم (نابلس)، وكانت الحرب بينهما ضروسا لا تتوقف، جاء الغزو البابلي فمحقهما محقا، دمر الهيكل واورشليم، واحرق التوراة، وسبى كل من بقي منهم حيا، كما هو معلوم من التاريخ 0.

و يعلق على ذلك الشيخ عبد المعز عبد الستار في متابه (اقترب الوعد الحق يا إسرائيل) قائلا: فلو جمعت كل السنوات التي عاشوها في فلسطين غزاة مخربين، ما بلغت المدة التي قضاها الإنجليز في الهند أو الهولنديون في أندونيسيا ‍‍‍‍‍ فلو كان لمثل هذه المدة حق تاريخي لكان للانجليز والهولنديين أن يطالبوا به مثلهم !‍‍‍‍

و لو كانت الأرض ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍تملك بطول الإقامة في زمن الغربة، لكان الأولى بهم أن يطالبوا بملكية مصر التي عاشوا فيها (430) سنة بدل فلسطين التي عاش فيها إبراهيم وأولاده (200) سنة أو تزيد قليلا ودخلوها شخصين وخرجوا (70) نفسا ‍!.

لكن هؤلاء اليهود لا يدعون الحق في امتلاك أرض فلسطين وحدها، وإنما يدعون الحق في امتلاك الكرة الأرضية كلها.

الله تعالى يقول: {والأرض وضعها للأنام (10)} [الرحمن: 10]، أى لجميع الخلق، وهؤلاء يقولون: (حين قسم العلي الأمم وفرق بني آدم، وضع تخوم الأرض على عدد أسباط بني إسرائيل) [13]! ويقولون كما جاء في سفر يشوع [14]: (كل موضع تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم) ! فعلى مقتضى هذا المبداء والقانون يكون من حقهم أن يطالبوا بمصر وكل أرض وطؤوها.

بل في نكبة (5 يونيو 1967) سأل مندوب الاسوشيتدبرس جنديا إسرائيليا: ما هي حدود دولة إسرائيل ؟ فأجابه بكل صلف وغرور: (حيث أضع قدمي)، وضرب بحذائه الأرض [15].

إن الحق التاريخي الذي يدعونه - كما يقول الشيخ عبد المعز - خرافة وصلافة، فهم لن يقيموا في فلسطين إلا غرباء، كما تصرح بذلك الأسفار، فهل للغريب أو عابر السبيل أن يدعي ملكية الأرض التي أقلته، أو الشجرة التي أظلته، لأنه قال تحتها ساعة من نهار ؟ على أنهم لم يقيموا بها آمنين عاملين مسثمرين، وإنما أقاما في سلسلة متصلة من الغارات الدامية، والحروب الدائرة التي لم تتوقف فيما بينهم بعضهم وبعض “ يهودا و إسرائيل “، وفيما بينهم وبين الفلسطينيين.

و قد بلغ عدد من قتلوا من فلسطييين مائتي ألف قتيل [16]، وعدد من قتلهم داود وحده بعد ذلك أكثر من (100) ألف قتيل [17]!-حسب قول كتبهم - ثم دهاهم الغزو البابلي فبددهم.

على أنهم لم يكادوا ينفكون من الغزو البابلي، حتى جاءهم الغزو الروماني فاباد خضراءهم ومزقهم كل ممزق، ثم جاء الفتح الإسلامي وهم مشردون في الأرض، محرم عليهم أن يقيموا في أورشليم، حتى إن البطريرك صفرنيوس بطريرك القدس شرط على أمير المؤمنين عمر وهو يسلمه مفاتيح القدس: ألا يسمح لليهود بدخول إيليا أو الإقامة فيها.

لقد دخلها العرب وهي خالية من اليهود، بعد ما طردهم الرومان، وأسلم أهلها، وبقي العرب فيها أكثر من ألف واربعمائة عام، أفلا يكون لهم حق تاريخي مثل اليهود ؟ [18] أ0ه.

مناقشة هادئة

و نضيف إلى هذه الحقائق مناقشة هادئة نتمم بها إبطال دعوى الحق التاريخي التي زعم بها اليهود أن فلسطين كلهاكانت أرض الآباء والأجداد.

يقول مؤلف (تاريخ اليهود):

"و الذي لا شك فيه أن داود - الذي يقال إن مملكة إسرائيل وصلت في عهده إلى أقصى درجات اتساعها-لم يتمكن من فرض سيطرته، لا على المنطقة بين النيل والفرات، ولا على أرض كنعان وحدها، ولا حتى منطقة شرق فلسطين الجبلية، وعلى ذلك فإن الادلة التاريخية تؤكد أن أكبر رقعة استطاعت إسرائيل السيطرة عليها في أي وقت من الأوقات لم تكن في العصور القديمة، وغنما في العصر الحديث، عند احتلالها مجمل أرض فلسطين ومرتفعات الجولان وجنوب لبنان وأرض سيناء، وكان ذلك للمرة الأولى (عام 1967 م).

فلم يكن لبني إسرائيل وجود -أيام داود - لا في أى موقع بالساحل الفلسيطيني، ولا في الجليل بشمال فلسطين، ولا في الجليل بشمال فلسطين، بخلاف موقع صغير عند تل القاضي، ولا في صحراء النقب في الجنوب، وكان وجودهم عندئذ منحصرا في بعض بعض المواقع الجبلية في المنطقة الممتدة من دان “ تل القاضي “ في الشمال إلى “ بئر سبع “ في الجنوب.

و سوف نرى كيف أن الكهنة الذين أعادوا صياغة كتب “ العهد القديم “ وهم في بابل خلال القرن السادس ق0م، استعاروا من الكتابات المصرية قصة حروب تحتمس الثالث، أعظم ملوك العالم القديم، لتكوين الإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات -كما نجدها منقوشة على جدران معبد الكرنك- وأضافوها إلى رواية ملكهم داود، بل حتى لم يحاولوا مزج الجزء الذي استعاروه من المصادر المصرية، وأدخلوه كما هو من دون تعديل كبير في وسط الرواية الرئيسية، فظهر واضحا أنه لا علاقة له بباقي القصة، فنحن نجد داود بني إسرائيل ومعه جيشه المكون من (600) رجل يحاولون في صراع داخلي بين القبائل الإسرائيلية، أو مع الفلسطينيين، وفجأة نجد تفاصيل معركة كبيرة تخوضها جيوش منظمة في مواقع محصنة عدة من أرض الهلال الخصيب، ولم يكن صدق الرواية التاريخية يهم الكهنة في شئ، وإنما كان هدفهم الرئيسي من ادعاء هذه الانتصارات الجبارة هو حث بني إسرائيل على ترك عبادة الأصنام والعودة إلى ديانة موسى، حتى ينصرهم ربهم على أعدائهم [19] و لابد لنا نذكر -ولو بإيجاز - ما صنعه البابليون والرومان ببني إسرائيل، الذين سلطهم القدر عليهم لتأديبهم، جزاء إفسادهم في الأرض وطغيانهم بغير الحق.

ففي عام (597 ق.م) زحف الملك البابلي “ نبوخذ نصر “ على أورشليم، واخذ معظم سكانها أسرى إلى بابل - وبتحريض من مصر ثارت البقية من سكان المدينة على سادتهم الجدد.

فقدم ملك بابل بنفسه وفرض على أورشليم حصارا استمر عامين (588ق.م)، واستسلمت المدينة على أثره ودمرت، ولم يترك البابليون فيها إلا الضعفاء، أما بقية أهلها فقد سيقوا في الأسر إلى نهر الفرات.

ومنذ ذلك الوقت - كما يقول الأستاذ محمد صبيح - انتهى وجود اليهود في فلسطين كحكومة لها سلطة وشعب يتيعها. وبقي لهم المعنى الديني، وهو أنهم شعبة من القبائل، وتنتسب لابراهيم الخليل صلوات الله عليه.

هذه هي خاتمة اليهود في أورشليم، أي فيما كان يسمى مملكة إسرائيل التي أنشأها داود عليه السلام... ثم انقسمت من بعده الى يهوذا، و إسرائيل.. وقد حكم في أورشليم من بعد سليمان عشرون ملكا حتى أبتدأ السبي البابلي، وذلك في الفترة من عام (930 ق.م) (وفاة سليمان) حتى عام (586 ق.م).

أما المملكة الشمالية، التي كان اسمها إسرائيل، وعاصمتها شكيم (نابلس)، فقد حكمها الأبن الثاني لسليمان الحكيم، أي عام (930ق.م) وإنتها وجودها سريعا.ففي عام (722 ق.م) أغار عليها سرجون الثاني ملك بابل، ودمر وجودها، ونقل جميع أهلها الى شرق الفرات، وأحل محلهم سكانا جددا من أبناء الرافدين. وكان عدد ملوك إسرائيل هذه تسعة عشر ملكا، عاشورا في شغب، ومخالفات خائبة مع الوثنيين لمهاجمة ابناء عمومتهم في أورشليم.

واذا حسبنا عمر هاتين الدولتين، تكون أورشليم (يهوذا) قد عمرت (434) سنة بما فيها ملك شاول وداود وسليمان (و إسرائيل) عمرت (298) سنة فقط، منذ عهد شاول (1020 ق.م).

وكما نري فان سيادة اليهود على قطعة محدودة من أرض فلسطين انتهت قبل ميلاد المسيح عليه السلام بحوالي ستة قرون، وبعد خمسة وعشرين قرنا وبعض قرن، يحاولون أن يعيدوا هذا التاريخ السحيق مرة أخرى، وياله من تاريخ، ويالها من عودة !.

ونحن هنا نتحدث عن “ السيادة “ على قطعة من الارض ونهايتها. أما ختام الوجود اليهودي في فلسطين فقد تأخر بعض الوقت.. تأخر الى عهد الرومان الى عام (70 م)، كما سنرى فيما بعد.

حديث القرآن عن افساد بني إسرائيل وعقوبتهم

وقد تحدث القرآن الكريم عن هاتين النهايتين: تدمير سيادتهم بالأسر البابلي، وإنهاء وجودهم بالسحق الروماني، وذلك في الآيات الكريمة:

{وقضينا الى بني إسرائيل في الكتب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4)}.

{فاذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولى بأس شديد فجاسوا خلل الديار وكان وعدا مفعولا (5)}

{ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا (6)}.

{ان احسنتم أحسنتم لأنفسكم وان اسأتم فلها فاذا جاء وعد الاخرة ليسؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وان عدتم عدنا} [الاسراء: 4-8].

آيات سورة الاسراء ورأي بعض علماء العصر

وقد ذهب بعض علماء العصر مثل الشيخ الشعراوي والشيخ عبد المعز عبد الستار وغيرهما الى أن المرة الاولى في - افساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر، من كيد وبغي على الرسول وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم.

وكان العباد المسلطون عليهم هم النبي والصحابة. بدليل مدح هؤلاء باضافتهم الى الله بقوله {عبادا لنا}. أما افسادتهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، واهداء للحقوق، وسفك للدماء، وغيرها.وسيتحقق وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سلطوا من قبل.

تفنيدنا لهذا الرأي وأدلة ذلك

ورأى أن هذا التفسير ضعيف لعدة أوجه:

أولا: أن قوله تعالى: {وقضينا الى بني إسرائيل في الكتاب} أي أنهينا اليهم وأعلمناهم في الكتاب، والمراد به: التوراة، كما قال قبلها: {وآتينا موسى الكتاب} وما جاء في الكتاب أي أسفار التوراة يدل على أن هاتين المرتين قد وقعتا، كما في سفر تثنية الاشتراع.

ثانيا: أن قبائل بني قينقاع والنضير وقريظة لا تمثل بني إسرائيل في قوتهم وملكهم، انما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل بعد أن قطعوا في الارض أمما.

ثالثا: أن الرسول والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل - كما أشارت الآية الكريمة - اذ لم تكن لهم ديار، وانما هي ديار العرب في أرض العرب.

رابعا: أن قوله تعالى {عبادا لنا} لا يعني أنهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفار والعصاة الى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى: {ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17)} [الفرقان: 17].

وقوله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53].

خامسا: أن قوله تعالى: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا (6)} [الاسراء: 6]. يتضمن امتنان الله تعالى عليهم بذلك، والله تعالى لا يمتن على بني إسرائيل باعطائهم الكرة على المسلمين.

سادسا: أن الله تعالى انما رد الكرة لبني إسرائيل على أعدائهم بعد أن عاقبهم في المرة الاولى، لأنهم أحسنوا وأصلحوا، كما قال تعالى: {ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الاسراء: 7] واليهود - كما عرفناهم وشاهدناهم - لم يحسنوا ولم يصلحوا قط، ولذا سلط الله عليهم هتلر وغيره.

كما يبتلي ظالما بظالم. وهم منذ نحو ماءة سنة بمكرون بنا ويتآمرون علينا، ليسرقوا أرضنا، فمتى أحسنوا حتى يرد الله لهم الكرة علينا ؟؟.

سابعا: أن الله تعالى قال في المرة الآخرة: {وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا (ة 7)} [الاسراء: 7].

والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر ولم يتبروا ما علو تتبيرا، بل لم يكن شأن المسلمين أبدا التتبير والتدمير في حروبهم وفتوحهم. انما هو شأن البابليين والرومان الذين سلطوا على الاسرائيليين.

ثامنا: أن ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرتي الافساد قد وقعتا، وأن الله تعالى عاقبهم على كل واحدة منهما، وليس هناك عقوبة أشد وانكى عليهم من الهزيمة والأسر والهوان والتدمير على أيدي البابليين الذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمروا هيكلهم تدميران وكذلك ضربة الرومان القاصمة التي قضت على وجودهم في فلسطين قضاء مبرما، وشردتهم في الأرض شذر مذر، كما قال تعالى: {وقطعنهم في الأرض أمما} [الأعراف: 168].

و الواضح أنهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله نتعالى: {وان عدتم عدنا} [الأسراء: 8] وهاهم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة التي تردعهم وتؤدبهم، وتعرفهم قدر أنفسهم، كما قال الشاعر:

إن عادت العقرب عدنا لها

بالنعل والنعل لها حاضرة !

يؤكد ذلك قوله تعالى: {واذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167].

و هذا الدمار الأول، الذي تم على أيدي البابليين، وتحدث عنه القرآن الكريم على النحو الذي نراه، كان بالغ التأثير على اليهود.. فقد أزال معظم الوجود اليهودي من فلسطين.

وظهر من السهولة التي أجلى بها البابليون سكان (منطقة إسرائيل)، على يد “سرجون “ ثم سكان (المنطقة يهوذا) إلى يد “ نبوخذ نصر “.

أن جذورهم هؤلاء القوم لم تكن عميقة في أرض فلسطين.

وإذا استثنينا المعبد وقصر سليمان، فلا تكاد تذكر لهم آثار خلال تسعة قرون قبل هذا الإجلاء. وكل ما يمكن ان نقوله: إنهم أقاموا في جزء من أرض كنعان، بما فيها من قرى صغيرة. وحتى المدن أشبه بالقرى، باستثناء أورشليم وشكيم (نابلس) [20].

الفتح الإسلامي

و قد فتح المسلمون القدس في عهد عمر، كما ذكرنا من قبل، ولم يتسلموها من اليهود، بل لم يكن فيها يهودي واحد، فقد حرمها الرومان عليهم، بعد أن أنهوا وجودهم منذ أكثر من أربعة قرون، وكان من الشروط التي أقرها عمر لبطريك القدس: ألا يساكنهم فيها يهود.

و ظل العهد العمري محترما معمولا به خلال التاريخ الإسلامي، لأن المسلمين مامورون أن يتبعوا سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ولا ريب أن عمر منهم، إلى أن ظهر عهد آخر مزور على عمر رضي الله عنه، حذف منه النص بعدم إقامة اليهود في بيت المقدس، ولا ندري متى زور هذا العهد [21]، ومن ثم بدأ التسلل اليهودي إلى المدينة المقدسة في غفلة من المسلمين.

و قد ذكر لنا تاريخ الحروب الصليبية: ماذا أصاب المدينة المقدسة عندما احتلها الصليبيون، وقتلوا ستين ألفا في مسجدها، وبقيت تحت أيديهم تسعين عاما، إلى أن حررها القائد المسلم المظفر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنة (1187) بعد انتصاره على الصليبيين في معركة حطين الشهيرة، مكملا ما بدأه من قبل القائدان الكبيران: عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود الشهيد.

و لم يعر التاريخ التفاتا إلى الوجود اليهودي في فلسطين، ولم يعطهم اهتماما، وعاملهم كما يعامل أهل الذمة في دار الإسلام تسامحا وكرما وعدلا وبرا.

محاولات الصهيونية الحديثة الضغط على الدولة العثمانية

و لكن الذي يحفظه التاريخ جيدا هو محاولات الصهيونية الحديثة الضغط على الدولة العثمانية، وخصوصا في فترات شيخوختها وضعفها، للسماح لليهود بتملك أجزاء من فلسطين، ولا سيما في عصر السلطان عبد الحميد، الذي وقف موقفا مشرفا يحفظه التاريخ ويسجله له بأحرف من نور.

كتب د. حسان حلاق [22] في صحيفة “ النهار “ اللبنانية تعقيبا جيدا مبنيا على الحقائق التاريخية قال فيه:

منذ أن تولى السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة العثمانية (1876-1909 م) تنبه إلى خطورة إشغال الأراضي الفلسطينية لا سيما من [[اليه، لهذا فقد أصرد منذ فترة مبكرة فرمانات سلطانية عدة تمنع إقامة اليهود الدائمة في فلسطين.

وفي عام (1882 م) صدرت قرارات جديدة بهذا المعنى ردا على محاولات “ جمعية أحباء صهيون “: الحصول على إذن رسمي بالهجرة، وقد حاول في الفترة ذاتها “ لورنس أوليفانت “ (L. Oliphant) أن استراوس السفير الأمريكي في الآستانة للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، غير أن مساعيه فشلت لدى السلطان والأوساط العثمانية، وكان جواب السلطان عبد الحميد الثاني: “ أن اليهود يستطيعون العيش بسلام في أي جهة من المملكة الى فلسطين، وأن الدولة العثمانية ترحب بالمضطهدين، ولكنها لا ترحب بإقامة مملكة لليهود في فلسطين يكون أساسها الدين، وعلى اليهود المهاجرين إلى الأراضي العثمانية أن يصبحوا رعايا عثمانيين، وأن يقبلوا تطبيق القوانين المعمول بها في الأمبراطورية “.

لهذا فقد حرص السلطان عبد الحميد على تعيين متصرفين في فلسطين ممن يستطيعون منع الهجرة اليهودية واستقرار اليهود في مدنها، وكان في مقدم هؤلاء متصرف القدس رؤوف باشا (1876 -1888 م)، وعندما تيقنت الدولة العثمانية أن بعض الدول الأجنبية تساعد على تسريب اليهود إلى فلسطين أصدر الباب العالي قرارا في (29 حزيران 1892 م) تضمن ضرورة منع الذين يحملون جنسيات أجنبية من الدخول الى فلسطين، وتكررت هذه الفرمانات، وأبلغت إلى القنصليات الأجنبية، مع استياء الدولة العثمانية من ممارستها في دعمها الهجرة اليهودية.

هذا وقد أكدت وثائق وزارة الخارجية البريطانية (F.O) موقف الدولة العثمانية الصارم ضد الهجرة اليهودية، ومن بينها تقارير ديكسون (Dickson) القنصل البريطاني في القدس حينما أشار في تقرير بتاريخ (14 شباط 1892 م) إلى “ أن التعليمات الصادرة من الباب العالي تفيد بأن هجرة اليهود بقصد الأستقرار في فلسطين غير مسموح بها، أما الذين يرغبون في زيارة البلاد كجاج فسوف يسمح لهم بالأقامة بمدة تتراوح بين شهر أو شهرين ينبغي عليهم بعدها مغادرة البلاد “.

لقد حاول الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل أن يحصل على فرمان من السلطان عبد الحميد الثاني للمساح لليهود بهجرة رسمية منظمة، ووسط لهذه الغاية: البابوية وانكلترا والنمسا وألمانيا والقوى الأمريكية وبعض الأوساط التركية، ولما تأكد له فشل مساعيه رأي هرتزل ضرورة القضاء على الدولة العثمانية، ومما قاله: “ إن القضاء على الدولة العثمانية أو تقسيمها هو الحل الوحيد لقيامة الدولة اليهودية، إنه إذا تم تقسيم تركيا في المستقبل القريب، فسوف تقف الدولة الصهيونية التي تقام في فلسطين حاجزا، إما إذا قبل السلطان بالمطالب والعروض اليهودية، فهذا مما يبدل سياسة الصهيونية نحوه، فنحن نستطيع أن نسند السلطان سندا قويا بالمال إذا هو تخلى لنا عن قطعة أرض لا قيمة كبيرة لها عنده “ (يوميات هرتزل 13 نيسان 1896 م).

لقد كانت الزيارة الأولى لهرتزل لاسطنبول في (18 حزيران 1896 م)، وقد زارها كصحافي وليس كزعيم صهيوني، وكرر زيارته في ما بعد، ولكن من دون جدوى، وأهم تعبير عن موقف الدولة والسلطان عبد الحميد الثاني من المطالب الصهيونية ما دونه هرتزل في يومياته ومذكراته بعد أن صدم من الموقف العثماني. لقد دون هرتزل موقف السلطان حينما رد على الوسطاء بما يأتي: “ لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي إلى هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم،وقد غزوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لإحد بإغتصابها منا.. لا أستطيع أبدا أن أعطي أحدا أي جزء منها، ليحتفظ اليهود بملياراتهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين، من دون مقابل، إنما لن تقسم إلا الى جثثنا، ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان “ (يوميات هرتزل 19 حزيران 1896 م)، ص 378، (الترجمة العربية ص 35).

لقد استمر هرتزل حتى وفاته عام (1904 م) يحاول الحصول على إذن رسمي بالهجرة اليهودية الى فلسطين، وقد فشل في مساعيه جميعا، مما دعاه للتفكير قبل وفاته بضرورة إزاحة السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش حتى يتحقق الحلم الصهيوني، وبالفعل فإن قادة الحركة الصهيونية رأوا ضرورة الارتباط مع القوى الدولية الهادفة إلى السيطرة على الدولة العثمانية وتقسيمها، ومن ثم التعاون مع القوى التركية المعارضة للسلطات الممثلة بجماعة “ تركيا لاقتاة “ وجناحها “ الاتحاد والترقي “، وهي الجمعية الطورانية المتعصبة ضد العرب، والعاملة ضد كل ما هو عربي، لهذا كله تجمعت القوى الصهيونية والماسونية والدونمة والقوى الدولية، وبدأت اجتماعاتها المكثفة في خلايا سالونيك للتخطيط لخلع السلطان عن العرش، بعد أن تعذر تحقيق الحلم الصهيوني وهو لا يزال على العرش.

لقد أشارت الوثائق البريطانيا والوثائق التركية إلى أن الحقيقة الظاهرة في تكوين “ جمعية الاتحتد والترقي “ أنها غير تركية وغير إسلامية، فمنذ إنشائها لم يظهر بين قادتها وزعمائها عضو واحد من أصل تركي خالص، ف “أنور“ باشا مثلا هو ابن رجل بولندي، وكان (جاويد) من يهود الدونمة، و(قارصوه) من يهود إسبانيا، وكان (طلعت) باشا بلغاريا من أصل غجري اعتنق الإسلام ظاهرا، أما (أحمد رضا) فقد كان نصفه شركسيا والنصف الآخر مجريا، كما أن (نسيم روسو) و(مسيم مازلياج) كانا من اليهود ومن العناصر الفاعلة في حركة “ تركيا الفتاة “ التي أعدت الثورة ضد السلطان عبد الحميد الثاني.

لقد نجحت هذه القوى مجتمعة في ثورة عام (1908 م)، وفي خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش عام (1909)، ودفع السلطان ثمنا غاليا نتيجة مواقفه المشرفة من فلسطين ومن العرب. والدولة العثمانية بعد عام (1909 م) هي غيرها قبل عام (1909 م)، وكان أحد رموز الحكومة الجديدة ورموز الطورانية (أحمد جمال) باشا الذي عانى منه الشعب اللبناني والسوري في عامي (1915-1916 م)، وهذا الرجل ليس هو سوى وليد الحركة الصهيونية والدونمة و“ الاتحاد والترقي “ وهي القوى المعادية للعرب وللعروبة على السواءأ.ه [23].

و هي في نفس الوقت معادية كل العداء للإسلام: عقيدته وشريعته ونبيه وقرآنه وحضارته وأمته.

و خلاصة هذا البحث ما قاله صديقنا البحاثة. د. حسان حتحوت: أن اليهود عاشوا في فلسطين فترة محدودة من الزمن، ولكن التاريخ يسجل: أنهم عندما دخلوها، لم يجدوها فارغة، وعندما رحلوا عنها لم يتركوها فارغة! لقد كان فيها أهلها (الفلسطينيون المذكرون في التوراة). قبل اليهود، ومع اليهود، وبعد، اليهود، وما زالوا حتى الآن. والحق التاريخي إذن لا يقوم على أساس، والأجدر أن يسمى (الزيف التاريخي) [24].

دعوى الحق الديني

و يزعم اليهود أن لهم حقا دينيا في فلسطين. يقول الشيخ عبد المعز:

حدثنا الإمام فقيد الإسلام السيد محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الهيئة العربية العليا لفلسطين رحمه الله قال: كنت أرد زيارة للمندوب البريطاني حاكم فلسطين، فقال لي: إن أمي علمت بوجودك وتود مقابلتك، فقلت له:أهلا وسهلا، وجاءت العجوز، فكان أول ما قالته لي: أرجوك ألا تقف ضد إرادة الرب، فقلت لها: يا سيدة، ومن يستطيع أن يقف ضد إرادة الرب؟ قالت: أنت، قلت لها: كيف ؟ قالت: لأنك لا تريد أن تعطي اليهود الأرض التي أعطاها الله لهم، قلت: إنها أرضي وبيتي وكيف يعطيها الله وأنا أين أذهب ؟ قالت: إنها إرادة الله ! ولما انتهت المقابلة قلت لابنها: إن والدتك طيبة متأثرة باليهود، قال: لا،بل نحن البروتستانت نؤمن بهذا والأناجيل تبشر به.

و لما أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض سنة (1939 م) تحدد فيه أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين ثار اليهود وسيروا المظاهرات في عواصم أوروبا تهتف: الكتاب المقدس لا الكتاب الابيض يعطينا الحق في فلسطين.

التوراة لا الكتاب الأبيض تعطينا حقنا في فلسطين [25].

و هذا ما رأينا أثره بجلاء في مواقف الرؤساء الأمريكيين منذ عهد ترومان، وقرأنا بوضوح في مذكرات “كارتر “ الذي أعلن أن تأسيس إسرائيل المعاصرة تحقيق للنبوءة التوراتية ! ولمسناه سياسات ريجان وبوش وكلنتون، وهو ما يجسد “البعد الديني المسيحي “ [26]في الصراع الإسرائيلي مع العرب.

و قد أثرت الأدبيات اليهودية في تكوين العقيدة المسيحية، ولا سيما لدى البروتستانت، وقد دارت هذه الأدبيات حول محاور ثلاثة:

الأول: أن اليهود هم شعب الله المختار، والأمة المفضلة على سائر الأمم.

الثاني: أن ثمت ميثاقا إلهيا ربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين، وأن هذا الميثاق الذي أعطاه الله لإبراهيم عليه السلام: ميثاق سرمدي حتى قيام الساعة.

الثالث: هو ربط الإيمان المسيحي بعودة السيد المسيح بقيام دولة صهيونية: أي بإعادة تجميع اليهود في فلسطين، حتى يظهر المسيح فيهم.

هذه المحاور الثلاثة هي التي تؤلف اليوم - كما ألفت في الماضي - قاعدة “ الصيهيونية المسيحية “ التي تربط الدين بالقومية، والتي تسخر الاعتقاد الديني المسيحي لتحقيق مكاسب يهودية [27].

تعتقد الصهيونية المسيحية أن ثلاث إشارات يجب أن تسبق عودة المسيح:

1-الإشارة الأولى هي: قيام إسرائيل، وقد قامت سنة (1948 م).

2-و الإشارة الثانية هي: احتلال مدينة القدس، وقد احتلت سنة (1967 م).

3-و الإشارة الثالثة هي: إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى. وهذا ما تعمل له إسرائيل منذ زمن، وما تقوم به من حفريات تحت بنيان المسجد الأقصى، بحجة البحث عن آثار يهودية مطموسة، وفي مقدمتها الهيكل المزعوم.

و من المعروف أن الهيكل قد دمر من قديم، ورغم بحث اليهود وحفرياتهم لم يعثروا له على أثر، وأعتقد أن تواصل هذه الحفريات يعرض المسجد العظيم لخطر الانهيار كما أعتقد أن اليهود يعرفون متى سيحدث ذلك، وهم الذين يحددون ذلك اليوم المشؤوم لا قدر الله.

وقفة متأنية لمناقشة الدعوى اليهودية

و أحب أن أقف وقفة متأنية أمام ما زعمه كتبة “ العهد القديم “ من نصوص تقول: إن الله وعد إبراهيم عليه السلام بأن يعطي لنسله أرض فلسطين، وكذلك وعد ابنه إسحاق، ووعد حفيده يعقوب الذي سموه “إسرائيل”

وعلى هذا الأساس سموا هذه الأرض: أرض الميعاد. في هذه الوقفة نسأل عدة أسئلة:

من هم نسل إبراهيم ؟

أولا: ما المقصود بنسل إبراهيم عليه السلام: أهم أبناؤه من صلبه أم هم أبناؤه الروحيون ؟ أعني: الذين يتبعون ملته، وينهجون نهجه، ويهتدون بهداه ؟ أما أبناؤه وأحفاده من صلبه، فهم - مثل أبيهم إبراهيم - لم يملكوا من هذه الأرض شبرا واحدا. فما المقصود بالأبناء إذن ؟.

إن المنطق الملائم للنبوة وللخلة التي تميز بها إبراهيم (خليل الله): أن يكون أولى الناس به من آمن به واتبع هداه، وهذا ما ذكره القرآن حين قال: {إن أولى الناس بإبرهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا} [آل عمران:68].

وقال تعالى:{وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظلمين (124)} [البقرة: 124].

بينت الآية أن الإمامة لا تنتقل بالوراثة، وأن الظالمين لا يستحقون عهد الله، لأن ما عند الله ينال بالأعمال لا بالأنساب كما قال رسول الإسلام: “ من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه “.

وقد برىء إبرهيم من أبيه لما تبين له أنه عدو لله، كما برىء من قومه كفروا بالله، كما قال تعالى: {قد كان لكم أسوة حسنة في إبرهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءوا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العدوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4].

وقال تعالى: {وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له إنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114].

أليس إسماعيل من نسل إبرهيم ؟!

ثانيا: لو فرضنا أن المراد بنسل إبرهيم أولاده من صلبه، فلماذا حرم أبناء إسماعيل بكره وولده الاول ؟ ولماذا انحاز الله - الحكم العدل - إلى بني إسرائيل ضد بني إسماعيل ؟!.

لقد ذكرت التوراة - في سفر التكوين - أن (إسمعيل ابن إبرهيم) في اكثر من اثنى عشر موضعا.

إلا أن الاسرائيليين يقولون: إن إسماعيل ابن الجارية هاجر، وإسحاق ابن الحرة سارة، ولكن أليس كلاهما كان ابن ابراهيم ؟ وكلاهما نبيا رسولا من عند الله ؟ وهل يحرم اولاد الرجل ميراثهم من أبيهم بسبب أمهاتهم ؟.

وهنا سؤال آخر مهم - سأله لهم. د. حسان حتحوت - عن أبناء إسرائيل (يعقوب) - الاثني عشر، فقد ذكرت التوراة أن إسرائيل تزوج ابنتي خالته: راحيل وليئة، جاريتيهما: زلبا وبلحا، وقد ولدت الجاريتان ستة من أبناء إسرائيل، فلم اعتبرتموهم من بني إسرائيل، ولم تنقصوا من بنوتهم مثقال ذرة ؟ وهنا لا يجدون جوابا.

هذا، وقد استمر التسري بالجواري في بني إسرائيل، فقد ذكرت أسفار العهد القديم أن داود كان له مائة زوجة ومائتان من الجواري، وأما ابنه سليمان فكان له ثلاثمائة زوجة وسبعمائة جارية.

ولا نزاع في أن هؤلاء الجواري أنجبن أولاد لداود وسليمان، ولا ريب أن أولاد هؤلاء السرارس من بني إسرائيل، فما يقول اليهود في ذلك أيضا؟.

أين عدل الله ؟!

ثالثا: كيف يعطي الله - الحكم العدل، الذي حرم الظلم على نفسه، وحرمه على عباده - أرضا يملكها أصحابها ملكا شرعيا مستقرا، لفئة من الناس، هم دخلاء على هذه الأرض، غرباء عنها، وأين عدل الله تعالى وقسطه، وهو يحب المقسطين، ولا يحب الظالمين ؟.

وعد مشروط لم يف اليهود بشرطه

رابعا: هل هذا الوعد - إن صح - بمنح هذه الأرض: وعد مطلق أو وعد مشرووط ؟ وإذا كان مشروطا فهل تحققت شروطه ؟.

الذي يقرأ “ الكتاب المقدس “ عند النصارى - وخصوصا أسفار العهد القديم، يجد أن وعد الله لبني إسرائيل إنما هو وعد مشروط، بأن ينفذوا التعاليم، ويحفظوا العهد، ويصونوا أوامر الرب ونواهيه، حتى يكونوا أهلا لنصر الله وتمكينه، وهذا هو المعقول والملائم لعدالة الإلهية والحكمة الربانية، فإن الله لا يعامل الناس بأنسابهم، بل بأعمالهم.

اليهود نقضوا عهد الرب

ينقل لنا محمد أبو فارس هذه النصوص:

التثنية / 18:6: “ احفظوا وصايا الرب إلهكم وشهاداته وفرائضه التي أوصاكم بها “.

التثنية 18:6:“ اعمل الصالح والحسن في عيني الرب لكي يكون لك خير، وتدخل وتمتلك الأرض الجيدة التي خلف الرب لآبائك “.

التثنبة/11:7: "فاحغظوا الوصايا والفرائض والأحكام التي انا أوصيك اليوم لتعلمها".

هذه النصوص الثلاثة من سفر التثنيية - العهد القديم - تشرح الشروط وتفصل الأسس التي جعلها الرب “ رب بني إسرائيل “ جوهر “ العهد “.

لكن.. هل أدى.. والتزم.. وحافظ الطرف الثاني على ما أمره الرب به ؟.

الكتاب المقدس - الذي هو حسب اعتقاده أتباعه المسيحيين كتاب نصوصه ربانية، واتباعه طاعة لأوامر الرب-يسجل:

أولا: سفر الخروج /32:2-3-4: “ فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصورة بالإزميل وصنعه عجلا مسبوكا [28]، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من إرض مصر “.

لقد عبد بنو إسرائيل أصناما من دون الله الواحد الذي قام “ العهد “ بينه وبينهم، وهكذا ارتدوا إلى الوثنية وخرقوا -من جانبهم - بقيادة هارون (شقيق النبي موسى) ! شروط وأسس “ العهد “.

ثانيا: النبي إيلياد (إلياس) بعد ذلك بزمن طويل يخاطب الرب بهذه الكلمات:

الملوك الأول /10:9:”.. لان بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلةا أنبياءك بالسيف.. وهم يطلبون نفسي ليأخذوها “.

ثالثا: النبي موسى “ ذاته “ (أي قبل النبي إيلياه) كان قد قال:

التثنية /9: 32-24: “ يقول موسى: عصيتم قول الرب إلهكم، ولم ثصدقوه ولم تسمعوا لقوله، قد كنتم تعصون الرب منذ عرفتكم “.

رابعا: الرب نفسه يقول ليشوع:

يشوع /7: 11: “ الرب يقول: قد أخطأ إسرائيل بل تعدوا عهدي الذي أمرتهم به، بل أخذوا من الحرام، بل سرقوا، بل أنكروا...”.

ملاحطة: “ أخطأ إسرائيل “ في هذا النص تعني: ارتكبوا خطيئة.

خامسا: خاطب نحميا بني إسرائيل بهذا القول:

نحميا /3: 20: “حقا إنه كما تخفون المرأة قرينها هكذا خنتموني يا بيت إسرائيل، يقول الرب “. سادسا: نورد مرة أخرى مخاطبة وجهها موسى إلى بني إسرائيل:

عدد/32:14: “يقول موسى لبني إسرائيل: فهو ذا أنتم قمتم عوضا عن آبائكم تربية أناس خطاة لكي تزيدوا أيضا حنق (غضب) الرب على إسرائيل“.

سابعا: ميخا /3: 9-10-11: “ اسمعوا هذا يا رؤساء بيت يعقوب، وقضاة بيت إسرائيل، الذين يكرهون الحق، ويعوجون كل مستقيم، الذين يبنون صهيون بالدماء واورشليم بالظلم، رؤساؤها يقضون بالرشوة، وكهنتها يعلمون بالأجرة، وانبياؤها يعرفون بالفض...".

نكتفي بهذه الأمثلة السبعة من أسفار العهد القديم، حيث إنها تكشف مقدار التزام وطاعة بني إسرائيل لشروط وبنود “ العهد “ الذي يدعون قيامه بين الرب وإبراهيم وإسحاق من بعده ويعقوب من بعهدهما.

إيضا في العهد الجديد من الكتاب المقدس يوجد نصوص تصف مسلكيات القوم مع “ العهد المزعوم “.

اولا يوجه يسوع المسيح للإسرائيليين هذا الخطاب:

متى /21:31: 43: “قال لهم يسوع: الحق أقول لكم أن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله، لأن يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطي لأمة تعمل آثاره“.

ثانيا: يوحنا المعمدان هكذا يخاطب بني إسرائيل:

متى /3: 7: “قال لهم.. يا أولاد الأفاعي “.

ثالثا: يسوع نفسه يقول لبني إسرائيل:

متى /23: 31-32-33: “ فأنتم تشهدون على أنفسكم انكم قتلة الأنبياء، أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم ط.

هذا...و استنادا على نصوص توراتية من الكتاب المقدس أوردنا حريفا في هذا الفصل، يتضح أنه أيام موسى ويوشع بعده، ثم إيلياه وأرميا وعزرا ونحميا وميخا ويوحنا المعمدان، وأخيرا في زمن يسوع المسيح، خرقت -من جانب واحد - شروط وأسس وبنود “ العهد “ الذي ابرم بين الله وإبراهيم، خرقت مرارا ومرارا - وفي عصور كثيرة، وعليه يبرز التساؤل وهل - بالرغم من هذا الاستهتار “بعهد الرب“ وخرقه - لا تزال قائمة حقوق توراتية في القرن العشرين بعد المسيح لأحجد أو لجماعة في بلدان ذات سيادة واستقلال مثل فلسطين و لبنان و سوريا و مصر و الأردن ؟ لجماعات مثل “الفلاشا“ الأثيوبيين، أو المواطنين من سوريا وأوكرانيا، أو لأمريكيين وأرجنتينيين (مثل الذين يعيشون في الكيبوتز) باسم “ عهد “ خرقه بنو إسرائيل منذ عشرات القرون -مرات ومرات ومرات - في حقبات مختلفة من التاريخ ؟ هل في مثل هذه المطالبات بحقوق.. ذرة من إقناع ومنطق وإنصاف ؟ [29].

منطق القرآن: الأرض يرثها الصالحون

إن منطق القرآن: أن الله تعالى يعطي الأرض ويورثها للصالحين من عباده، وليس لعرق من العروق، وجنس من الأجناس فالله تعالى لا يعامل الناس بعروقهم وأنسابهم، بل بإيمانهم وأعمالهم وتقواهم لله: {إن أكرمكم عند الله أتقكم} [الحجرات: 13].

يقول تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105)} [الأنبياء: 105].

فالصالحون هم الذين يرثون الأرض من أهلها الذين طغوا وظلموا، وكذبوا رسول الله وآذوهم وصدوهم عن سبيل الله.

كما قال تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى اليهم ربهم لنهلكن الظلمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14)} [إبراهيم: 13، 14].

ولقد كانت الأمة الإسلامية هي الأمة الموهلة لوراثة أرض النبوات،و تحقيق وعد الله لإبراهيم في أن يعطي هذه الأرض لنسله -إن صحت هذه النبوة- فهاهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم، بل هاهم أبناء إبراهيم الروحيون، الذين هم أولى الناس به، وأتبعهم لملته، قد ورثوا الأرض وقاموا بحقها، وأقاموا فيها العدل والإحسان، أربعة عشر قرنا من الزمان. وهم أصحاب الأرض وأهلها، وهم باقون فيها إن شاء الله حتى يرث الله الأرض ومنعليها، ووجودهم في هذه الارض هو الوجود الشرعي الوحيد الذي يقره الله ورسله والمؤمنون، وكل المنصفين من عباد الله. وأما وجود الصهاينة فهو وجود دخيل غاصب معتد أثيم، يستحيل أن يدوم.

فهو حتما إلى زوال. وما ربك بغافل عما يعملون {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)} [الشعراء: 227].

هل عرفنا عدونا ؟

من الواجب على كل من يحارب عدوا: أن يعرفه على حقيقته معرفة محيطة ومستوعبة، بحيث يعرف جذوره وأصوله، ومقومات شخصية، واخلاقه وصفاته الأساسية، ومفاهيمه وقيمه وأحلامه وطموحاته، وكيف يفكر، وكيف ينفذ، وبمن يستعين من الناس، وبماذا يستعين من الوسائل، وما يجوز عنده وما لا يجوز، وما الذي يجمع شعبه وما الذي يفرقه ؟ وما الذي يحركه وما الذي يسكنه ؟ وماذا يملك من أسباب ذاتيه، وماذا يستطيع أن يجلب من أ سباب ذاتيه، وماذا يستطيع أن يجلب من أسباب ومعونات.. إلى غير ذلك مما يكشف العدو، ويعرف بحقيقته على ما هي عليه من قوة أو ضعف.

و نحن نعلم أن الدول في عصرنا ومجالس أمنها القومي وأجهزة مخابراتها ومؤسساتها الاستعلامية والأمنية والعسكرية المختلفة، تعمل جاهدة على أن تعرف كل ما تستطيع عن عدوها: جغرافيا وتاريخيا، ماديا وبشريا، اقتصاديا وسياسيا، اجتماعيا وثقافيا، فكريا وروحيا، حتى تبني استراتيجيتها على أساس علمي صحيح مستمد من الواقع.

كما نعلم أن إسرائيل-و من وراءها من القوى الغربية المساندة لها وبخاصة الأمريكان - قد كشفونا حتى النخاع، وأمسوا يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا في كثير من الأحيان.

و عندهم من الوسائل والآليات ما يساعدهم على ذلك بيسر..ولا سيما أن كل ما عند هذه القوى الجبارة من معلومات متاح -بلا ريب - لإسرائيل وأجهزة إسرائيل.

فهل عرفنا نحن عدونا، كما يوجه علينا ديننا ومصلحتنا ووجودنا نفسه ؟؟.

مصادر أساسية لمعرفة عدونا

الحقيقة أننا لم نحسن التعامل مع عدونا، كما ينبغي، وكما تفرضه علينا طبيعة الصراع المرير والمديد، مع هذا العدو العتيد.

أما أننا لم نحسن التعامل مع عدونا، فلأننا لم نعرف مواطن القوة عنده، لنتحاشاها، أو نقاومها بمثلها أو أشد منها إن استطعنا، ولم نعرف نقاط الضعف فيه لنهاجمه منها، وذلك لأننا لم نحاول بصدق أن نتعرف على شخصيته، ونسبر أغوارها، ونعرف خصائصها ومقوماتها، ونظرتها إلى الأديان وإلى القيم وألى الناس، ولم ندرس المؤثرات الحقيقة على هذه الشخصية، وبذلك نعرف كيف تفكر، وكيف تخطط وكيف تنفذ، لم نعرف ماذا تريد، وكيف تصل إلى ما تريد. وربما تبين لنا بعض ما كان خافيا من قبل، ولكن لم نصل إلى ما كان يجب الوصول إليه من معرفة عدونا.

و كان في إمكاننا بسهولة الرجوع إلى عدد من المصادر الأساسية الميسورة لنا لتعرفنا بحقيقة عدونا. أما هذه المصادر فهي:

المصدر الأول: القرآن الكريم

القرآن الكريم الذي أفرد للحديث عن إسرائيل مساحة واسعة بين فيها خصالهم، وكشف اللثام عن سماتهم النفسية والخلقية التي توارثوها خلفا عن سلف، حتى أصبحت كأنها طبيعة ثابتة. نجد ذلك واضحا في سورة البقرة بتفصيل، وفي سورة آل عمران، والنساء، والمائدة، من السور المدنية، وفي سورة الأعراف، وسورة الإسراء -و تسمي: سورة بني إسرائيل - وغيرها من السور المكية.

و صفهم القرآن الكريم بالقسوة والجبن في الوقت ذاته وبالحسد والبغي، وصفهم بنكث العهود والغدر، والتطاول حتى على رسل الله نفسه، وعدم الخضوع إلا للقوة، واستباحتهم لأموال من عداهم وحرماته.

أقرأ مثل قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة:74].

و قد ظهرت هذه القسوة في دير ياسين وفي صبرا وشاتيلا وغيرها.

و قوله سبحانه: {فبما نقضهم ميثقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية} [المائدة: 13].

{الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56)} [الأنفال: 56].

و الواقع يصدق القرآن بما نقضوه من الهدنات والاتفاقيات.و قوله: {لا يقتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر باسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} [الحشر: 14].

فهم لا يقاتلون مواجه حرصا على حياتهم، كما قال تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة} [البقرة: 69] ولكن يختبئون وراء الحصون والحزاجز.. وهم في خلاف وتناقض فيما بينهم، ولكنهم قادرون على إخفائه، بحيث يحسبهم من ينظر إليهم من الخارج صفا واحدا، رغم أن قلوبهم شتى، ووجهاتهم متبانية.

و قال تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن إغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 181].

فهذا يدل على تبجحهم وتطاولهم وقلة أبدهم، حتى مع الله جل جلاله.

و قال سبحانه: {ضربت عليهم الذلة أين ما ذقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباء وبغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا بكفرون بايات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)} [آل عمران: 112].

فهذا يدل على أن الذلة مضروبة عليهم أينما كانوا إى إذا اعتصموا بحبل من الله، فآمنوا حقا، أو بحبل من الناس يحمونهم كالأمريكان في عصرنا. وذلك جزاء كفرهم وقتلهم أنبياء الله. واستمرارهم على العصيان والعدوان.

{و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأمين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75)} [آل عمران:75].

و هذه هي مقولتهم مع العرب ومع سائر الأمم: أن لا حرج عليهم إذا أكلوا أموالهم، ونهبوا ديارهم، واستحلوا حرماتهم، فليس عليهم في الأميين سبيل !.

و صفهم القرآن بالغرور والزهو حيث قالوا: {نحن أبنوا الله وأحبؤه} [البقرة: 80].

فرد عليهم القرآن بوله: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18]، {وقالوا لن تمسنا النار إلا اياما معدودة} [البقرة: 80].

ورد عليهم القرآن دعواهم بقوله: {قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80)} [البقرة: 80].

ووصفهم القرآن بأنهم فئة لا تخضع إلا لمنطق القوة، حتى أمر الله تعالى ونهيه لا يدينون له ما لم تكن فوقهم قوة مادية قاهرة تجبرهم على الطاعة، وفي ذلك يقول القرآن: {و إذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171)} [الأعراف: 171].

و حديث القرآن عن القوم حديث طويل، ينبغي أن يراجع في مظانه من كتب التفسير القديم والحديث، وقد ألفت في ذلك كتب خاصة [30].

و لقد قال بعض المفسرين قديما: كاد القرآن يكون لموسى وبني إسرائيل! وذلك لكثرة ما ردد قصتهم.

المصدر الثاني: كتبهم المقدسة عندهم

كتبهم أنفسهم، المقدسة عندهم، “ التوراة “ التي وصفتهم بأنهم الشعب “ الصلب الرقبة “ وأفهمتهم أنهم “ شعب الله المختار “ وأن من حقهم إذا دخلوا قرية أن يستبيحوها.

و أسفار الأنبياء: حزقيال وأشعيا وغيرها، التي شحنتهم وهيأت عقولهم وأنفسهم للعودة إلى “ الأرض “ التي هي أحد “ الأقانيم الثلاثة “ عندهم: الإله والشعب والأرض !.

و التلمود الذي جعل منهم أمة فوق خلق الله جميعا، تستعلي عليهم، وتستحل دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وتستخدم في ذلك كل وسيلة مهما تكن دناءتها، فهي شريفة ومشروعة في سبيل أغراضهم.

و كتبهم حافلة بأوصافهم والإنكار عليهم، وعلى مواقفهم وأخلاقهم. ومن قرأها وجد فيها العجب، من تمردهم على الله وعلى رسله.

اقرأ مثل هذه النصوص:

تقول التوراة (سفر التثنية: 32، 33) في هؤلاء القوم: “ جيل أعوج ملتو.

الرب تكافئون بهذا يا شعبا غبيا غير حكيم ؟ “.. “ انظر ماذا تكون آخرتهم ؟ إنهم جيل متقلب.

أولاد لا أمانة فيهم “.

“ إنهم أمة عديمة الرأى ولا بصيرة فيهم “.

و يقول موسى نبيهم لهم وقد فاض به الكيل من سوء ما صنعوا معه: “ لأني أنا عارف تمردكم، ورقابكم الصلبة. هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحري بعد موتي ! “ وغيرها كثير وكثير.

المصدر الثالث: التاريخ

التاريخ وهو مخزن العبر، ومعلم الأجيال، وقد علمنا التاريخ أن اليهود يعيشون بين الشعوب عيشة الطفيليات في الأجسام، تتغذى منها ولا تغذيها، وتأخذ منها ولا تعطيها، وأنها تبني نفسها على أنقاض غيرها.

فهم أنانيون لا يعرفون إلا مصلحتهم، ولا يؤمنون إلابأنفسهم، ولا يحكمون إلا منافعهم، أما القيم وامبادئ والمثل العليا وغيرها مما يتشدق به الناس، فلا تحترم عندهم إلا إذا كانت إداة للوصول إلى غاياتهم. وإلا فهي تحت الأقدام.

و من قرأ تاريخ اليهود - أو بني إسرائيل كما يسمونهم - من أسفارهم المقدسة عندهم ذاتها، تبينت له هذه الحقيقة جلية جلاء الصبح لذي عينين، كما أبرز ذلك الأستاذ محمد عزت دروزة في كتابه عنهم “ تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم “.

و من قرأ تاريخهم معنا وتاريخنا معهم، عرف ذلك جيدا، وعرف معه أنهم وراء كل فتنة، ومصدر كل بلية، حتى قال من قال: فتش عن اليهود !.

المصدر الرابع: كتابات المعاصرين عن اليهود

كتابات المعاصرين عن اليهود وأطماعهم وعن الصهيونيةواخطارها، وعن شخصية الإنسان اليهودي وما تنطوي عليه بين جوانحها.

و لا أقصد كتابات العرب والمسلمين عنهم فحسب، فقد يقال: إنها كتابة خصم عن خصمه، وعدو عن عدوه. بل أقصد كتابات الغربيين عنهم، وهم الذين هيأوا المناخ لدولتهم حتى ولدت، وغذوها حتى شبت، وأمدوها بكل أسباب القوة حتى طغت وتحدت وتعدت.

و آخر من كتب عنهم المفكر الفرنسي الكبير الذي هداه الله، فانتقل من النصرانية والماركسية إلى الإسلام، روجيه. أو رجاء - جارودي، في كتابه “ أحلام الصهيونية وأضاليلها “ الذي نشرته في مقالات متتابعة عدة صحف عربية.

صحيح أنه نشر كتابه بعد أن أسلم، ولكنه كتبه قبل أن يسلم، وهي كتابة تعكس قراءة ومعيشة ومعناة طويلة لأفكار القوم ومشاعرهم وأحلامهم وطموحاتهم وأخلاقهم.

وكتب بعد ذلك كتابه الشهير (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) الذي هيج عليه الصهانية في أنحاء العالم، وانتهوا به إلى أن يحاكم في بلده فرنسا، وأن يحكم عليه.

و ليحذر في الكتابات المعاصرة من أمر على غاية من الأهمية، نقع نحن في شباكة دون أن ندري. إلا وهو المبالغة في إبراز قوة اليهود ومكرهم، كما تبرزه كتب مثل “ الدنيا لعبة إسرائيل “ و“ أحجار على رقعة الشطرنج“ وغيرهما.

فإن هذا يؤدي في النهاية إلى لون من الجبرية السياسية، يدعو إلى قبول الأمر الواقع، والقضاء النافذ، والاستسلام للقوة الخفية التي تحكم العالم القوي، فكيف بنا نحن الضعفا ؟!.

المصدر الخامس: الواقع المعيش لليهود

هو الواقع، واقعنا المعيش معهم، وهو كتاب لم تتم فصوله بعد، وهم يضيفون إليه كل حين فقرة أو فصلا أو بابا أو جزءا. ونحن مع هذا به جاهلون وعنه غافلون.

و اجهنا القوم في عدة حروب، وعقدنا معهم هدنات واتفاقيات، وحضرنا معهم مفاوضات، وتخاطبنا معهم بالكلام والسلاح.

و قد عرفنا هذا الواقع أن القوم لا يعترفون بقوة المنطق، بل بمنطق القوة، فهم بالقوة أخذوا الأرض من أصحابها، وبالقوة حققوا حلم الوطن القومي، وبالقوة أقاموا فيه دولتهم، وبالقوة أضافوا إلى هذه الدولة أراضي جديدة: الجولان والقدس والضفة الغربية.

و بالقوة غزوا لبنان من قبل على مراى ومسمع من العرب والمسلمين والعالم، وفرضوا إرادتهم على المجتمع العربي والدولي بإخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت فخرجت، ولم يكتفوا بذلك حتى عملوا على ذبح الفلسطينيين العزل في مخيمات الاجئين، فذبحوا جهارا نهارا، وما زالوا يعدون لمعارك أو مذاح أخر !.

و آخر ما حملته الأنباء وأنا أكتب هذه السطور (19/ 10 / 1982 م) [31] ما قاله مناحم بيجن رئيس وزرائهم في خطاب له بمناسبة افتتاح الدورة الشتوية للكنيست الإسرائيلي، فقد أعلن أنه “ لا حاجة مطلقا لمبادرات سلام جديدة في الشرق الأوسط ما دام لا يوجد خطر أية مجابهة بين إسرائيل وجيرانها العرب خلال المستقبل المنظور“.

و اضاف: “ ولذلك فإن السؤال المطروح هو: لماذا نهدم الهيكل الحالي للسلام ؟ ولماذا نخلق شروطا جديدة يمكن أن تؤدي إلى تجدد الحروب وإراقة الدماء “ !.

و معني هذا بصراحة: أن العجز العربي عن شن أي حرب هو وحدة الذي يضمن سلام إسرائيل. ومعنى هذا كذلك: أن القوة في نظر بيجن ومؤسسته العسكرية هي الأصل، وهي الفصيل وهي الحكم. “ تكلم السيف فاسكت أيها القلم ! “.

و بيجن الواقعي لم ينس أن يقيد كلامه بقوله: “ خلال المستقبل المنضور “ يعني: ما لم تحدث متغيرات من حوله غير محسوبة ولا متوقعة،كأن يصحوا النائمون، أو يجتمع المتفرقون، أو يخطط المرتجلون، أو يقدم المتمرددون ويعمل القاعدون !.

و واقعنا المعيش مع عدونا يعلمنا أن العنصر الديني له أكبر الأثر في تكوين شخصيته، وفي تحديد أحلامه وطموحاته، وفي دفعه إلى بذل المال - برغم ما عرف عن اليهود من شح به وحرص عليه - وفي تحميسه للهجرة من وطن طال مقامه فيه، وارتبطت مصالحه يه، وفي حفزة للمغامرة في أعمال عسكرية قبل قيام الدولة وبعدها، برغم ما عرف عن الإنسان اليهودي من جبن وحرص على حياة.

إنهم اختاروا فلسطين وطنا لهم على أحلام ونبوءات دينية بؤمنون بها، فهي هي نظرهم “ أرض الميعاد“. إنهم يستقون أفكارهم وآمالهم من تعليم توراتية تلمودية.

و قد بلغ من عنايتهم بالعنصر الديني في قضيتهم: أنهم أثروا في الغرب المسيحي، واقنعوه بأنهم يلتمسون حقا قرره لهم الدين، وبشرتهم به التوراة التي يؤمن بها المسيحيون، وأن من لم يساعدهم في تحقيق أمانيهم القومية يكون متنكرا للتوراة، جاحدا بتعاليم الأنبياء !.

ولعل أقرب مثل يصدق هذا ما نشره الرئيس الأمريكي السابق "جيمي كارتر" في مذكراته التي نشرت -منذ سنوات- حول إتفاقيات كامب ديفيد.

فهو يتحدث عن أول زيارة إلى إسرائيل (مايو / 1973 م) وكيف أعطته فرصته “ لتعلم المزيد عن (أرض الإنجيل) التى درسنا عنها منذ إيام طفولتنا المبكرة “ كما قال:

“ وظللت ثلاثة أيام أبدأ من قبل الفجر تجوالي في شوارع القدس القديمة، وأملأ فراغي كل يوم وليلة بزيارة رائعة للأماكن المقدسة التي شهدت التاريخ القديم، وللأماكن التي ما يزال يصنع التاريخ فيها “.

“ تركت هذه الزيارة لإسرائيل انطباقا كبيرا على، فعدنا بدأت أعد حملتي الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة - فيما بعد - واصلت دراستي للتاريخ المعقد لمنطقة الشرق الأوسط، وعندما أعلنت ترشيحي للرئاسة خصصت بالذكر تأييدي لالتزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل !

و يقول: “ كانت الأخلاق اليهودية النصرانية ودراسة “ التوراة “ أواصر بين اليهود والنصارى، وقد ظلت هذه الأواصر جزءا من حياتي.

كذلك قد كنت أعتقد اعتقادا راسخا بان اليهود الذين لم تقض عليهم جائحة النازية يستحقون أن يكون لهم وطن خاص، كما أن لهم الحق في أن يعيشوا في سلام بين جيرانهم، واعتبرت أن هذا الوطن القومي لليهود يتماشي مع تعاليم “ التوراة “ !.

و لذا فإنه أمرشرعه الله !! وقد جعلت إعتقاداتي الخليفة والدينية هذه التزامي بأمن إسرائيل التزاما لا يتزعزع“ [32] !!

و لقد نشرت الصحف منذ سنوات تصريحا للجنرال الإسرائيلي المعروف موشي ديان يبرر به ضم القدس إلى إسرائيل وإنشاء مستوطنات جديدة فيقول: “ إن على الذين يعارضون هذه السياسة مراجعة موقفهم من الإنجيل والتوراة !).

وقد أثرت هذه الدعاية في كثيرين في مختلف القارات ممن يعتنقون النصرانية، حتى نقل الأستاذ كامل الشريف في كتابه “ المغامرة الإسرائيلية في إفريقيا “ عن زعيم سياسي نيجيري في كتاب له عن إسرائيل قال فيه:

(إن إسرائيل ليست اسما جديدا في تاريخ العالم. فقد علمت في المدرسة الأحد في قريتي: أن شعب إسرائيل هو شعب الله المختار) !.

و لقد بلغ من تركيز عدونا على الجانب الديني أنه حاول أن يستغل ديننا ذاته لتأييد قضيته، حتى إنهم بعد حرب سبع وستين كانوا يرفعون أمام بعض ضباطنا وجنودنا لافتات كتب عليها قوله تعالى في القرآن: “ {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصبرين (249)} [البقرة: 249].

و أحيانا قوله تعالى: “ {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47].

و من عجائب ما سمعناه وقرأناه أن مناحيم بيجن حينما خطب - معقبا على خطاب الرئيس: “ أنور السادات“ في الكنيست الإسرائيلي - ليؤكد حق اليهود في إقامة وطن في فلسطين، كان مما قاله: “ إن حق إسرائيلفي فلسطين حق أبدي تاريخي تشهد له الكتب، ومنها القرآن نفسه “.

و استدل هنا بالآية الكريمة التي جاءت في سورة المائدة (آية 21 على لسان موسى عليه السلام: {يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خسرين (21)} [المائدة: 21].

و قال: “ إن الله فرض لنا الأرض المقدسة دون سائر الخلق، فلا يجوز لأحد دينيا أن ينازعنا فيها “ !!.

و الآية تعني أنه كتب لهم دخولها، أي قدره سبحانه، وقد دخلوها بالفعل وأنفذ الله قدره، بعد ما ضرب عليهم التيه أربعين سنة جزاء نكوصهم، وقولهم لنبيهم في وقاحة متناهية: {إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قعدون (24)} [المائدة: 24].

و لا تعني الآية أن الله كتب لهم البقاء الدائم فيها، وإلا لتناقض هذا مع الواقع، فقد أخرجوا منها منذ ألفي سنة!!.

المصدر السادس: كتابات اليهود عن أنفسهم

ما يكتبه يهود اليوم عن أنفسهم: عن شخصية اليهودي، عن هويته وتكوينه، عن انتمائه وولائه، عن طموحاته وأحلامه. عن دوافعه وغاياته.

و حسبي أن أسجل هنا بعض مقتطفات من كتاب صدر حديثا في “ الكويت “ عن “ الأيولوجية الصهيونية “ اعتمد مؤلفه على كتابات اليهود - من مختلف الاتجاهات الدينية والعلمانية - عن أنفسهم، وتفسيراتهم لكتبهم، ونبوءات أنبيائهم، وتاريخهم البائد، وواقعهم القائم، وتطلعاتهم الجامحة، عن “ الأقانيم الثلاثة “ التى تتكون منها أيديلوجيتهم: الشعب.. التوراة.. الأرض.

ويقول المؤلف: من المعروف أن التيار الحلولي في اليهودية القديمة عبر عن نفسه في إدراك العلاقة بين اليهودي والأرض والله.

وإذا كان تاريخ اليهود هو حجز الزاوية في تاريخ العالم، فالأرض المقدسة هي مركز الدنيا. والمعادل الجغرافي للتصور اليهودي للتاريخ.

و سنورد فيما يلي بعض الاقتباسات من كتابات بعض الصهانية، لنبين أن بنية الحلولية اليهودية التقليدية هي البنية الكاملة الواضحة في موقف الصهانية من الأرض، وسنكتفي بالحد الأدني من التعليق:

تظهر الحلولية القديمة، بشكل حاد وكامل، في كلمات الحاخام حاييم لانداو: “ إن روح شعبنا لا ييستطيع التعبير عن نفسها إلا إذا عادت الحياة القومية إلى أرضنا من جديد، لأن “ القبس الإلهي “ لا يؤثر في شعبنا إلا وهو في أرضه “.

أما الحاخام الصهيوني كوك فيقول: “ ليست أرض إسرائيل شيئا منفصلا عن روح الشعب اليهودي.

إنها جزء من جوهر وجودنا القومي. ومرتبطة بحياتنا ذاتها، وبكياننا الداخلي ارتباطا عضويا... إن ما نعنيه أرض إسرائيل يمكن فهمه فقط من خلال روح الرب امنتشرة في شعبنا كله، والتي تشع بتأثيرها على كل العواطف السليمة “.

هذه الحلولية الثلاثة قد لا تظهر في كتابات الصهانية العلمانيين، ولكنها تظهر بشكل واضح في كتابات بوبر، الذي كتب لغاندي يقول: “ إننا لم نستطع، ولا نستطيع أن نتخلي عن المطلب اليهودي، فهناك شئ أسمى حتى من حياة شعبنا، مرتبط بهذه الأرض، إنه عمل الشعب ورسالته المقدسة “. “ إننى أؤمن بتزاوج الإنسان والأرض... إن هذه الأرض تعترف بنا لأنها - بواسطتنا - تصبح مثمرة “.

إن المطلق الذي يعلو على الإنسان قد ربط الشعب بالأرض ربطا لا فطاط للشعب منه.

و إستعارة عبارة الزواج التى استخدمها بوبر، تحيط بها هالة من القداسة في التراث اليهودي، فعلاقة الله بالشعب قد وصفت في العهد القديم بأنها علاقة زواج، ولا يختلف موقف بوبر، برغم إنسانية مصطلحة الزائفة، عن موقف الحاخام القبالي: “ نحن شعب لا يليق أن نلقب بإسرائيل (المدافعين عن الله) إلا إذا كنا في أرض إسرائيل”.

و يقول جوردون “ المتمرد”: “إن البعث القومي لن يتم إلا عن طريق العودة إلى حقول وطننا القومي وتحت سمائه.. إننا نأتي إلى وطننا لنزرع في تربتنا الطبيعية التى نزعنا منها، ولنضرب بجذورنا عميقة في مصادرها الحياتية. ولنمد فروعنا بعيدا خلال هواء وطننا القومي وتحت شمسه”.

“ وحينما سئل وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، وهو عالم آثار يهودي أيضا، ومفسر غير متفرغ للتوراة، عما إذا كانت مطالب إسرائيل الدينية “ و“ التاريخية “ بخصوص بعض أجزاء الأرض الحتملة يجب إن يكون لها دور في السياسة الإسرائيلية، أجاب قائلا: “هذا هو أساس الوجود الإسرائيلي، وهي: الشعب اليهودي، والكتاب المقدس وأرض اليهود.

(و لذلك) إذا اجتمعت التوراة وأمة التوراة فلابد أن تكون معهما أيضا أرض التوراة “.

و يتحدث المؤلف عن العنف وفلسفته عند الصهانية، إلى أن يقول: “ وهذا الجانب من الفكر الصهيوني يتضح بجلاء في كتاب الثورة، الذي كتبه مناحم بيجن. يقول فيلسوف العنف: “ أنا أحارب، إذن إنا موجود”.

“من الدم والنار والدموع والرماد سيخرج نموذج جديد من الرجال، نموذج غير معروف البتة للعالم في الألف والثماني السنين الماضية: اليهودي المحارب أولا وقبل كل شئ يجب ان نقوم بالهجوم: نهاجم القتلة. بالدم والعرق سينشأ جيل متكبر كريم قوي “.

“ والعنف عند بن جورين، يقوم بالوظيفة نفسها في إعادة صياغة الشخصية اليهودية ؛ إذا يصف الرودا الصهاينة بهذه الكلمات: “كنا ننتظر مجيء الأسلحة ليلا ونهارا، ولم يكن لنا حديث إلا الأسلحة، وعندما جاءتنا الأسلحة، لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبدا... كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا “.

و موقف بن جوريون مبني على تصور جديد للشخصية اليهودية على أنها شخصية محاربة منذ قديم الأزل: “إن موسى، أعظم أنبيائنا هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا “، ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشي مسألة منطقية، بل حتمية، كما لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء ان يؤكد بن جورجين أن خير مفسر ومعلق على التوراة هو الجيش؛ فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن، فيفسر بذلك كلمات أنبياء العهد القديم ويحققها. (و لنلاحظ كيف يكتسب العنف هو الآخر شيئا منالقداسة !).

(و إذا كان العنف هو البوتقة التي يولد من خلالها اليهودي الجديد فهو أيضا البوتقة التي يولد فيها المجتمع الصهيوني الجديد.

فالجيش الإسرائيلي لا يقوم بالدفاع عن إسرائيل فحسب، بل إنه المكان الذي تولد فيه الحضارة الإسرائيلية ذاتها:”عن الجيش مدرسة للشباب الناشىء“.

دار حضانة لتفرد الأمة، لحضارتها وشجاعتها، “زهنا في الجيش يجب أن يجند معلمونا بكل ما أوتينا من قوة“.

والجيش هو أكبر معهد تعليمي في أرض الميعاد؛ فالمهاجرون يلتحقون بهذا المعهد حال وصولهم إلى إسرائيل، حيث يكتسبون الخبرات، ويتعلمون العبرية، ويطرحون عنهم قصور المنفي ليصبحوا مواطنين إسرائيليين عاديين وحسب كلمات بن جوريون لعب الجيش دورا حضاريا أساسيا في مزج جماعات المهاجرين بعضها بالبعض الآخر).

ويتحدث الؤلف عن الولاء عند اليهود ولمن يكون، فكان مما قاله: (وقد عد ليفي أشكول المساهمات اليهودية التي تتم على “ أرض أجنبة “ محض خيانة للروح اليهودية الخالصة، ومثل هذا الطرح يثير قضية ولاء اليهود، ولمن يكون؟ والأجابة الصهيونية على هذا السؤال واضحة تمام الوضوح؛ فولاء اليهود الموجودين في كل مكانهم لشعبهم اليهودي ولوطنهم القومي فحسب، وليس لأوطانهم التي يعيشون فيها.

ولذا حذر كلاتزكين الشعب الألماني من أن حدود ألمانيا لا تستطيع، بأي صورة من الصور، أن تحد من حركة الشعب اليهودي أو ولائه، لأن ولاء اليهودي ليهوديته شيء يسمو على الحدود الوطنية:” إن اليهودي المخلص لا يمكنه إلا أن يكون مواطنا يهوديا، ولا يمكن أن تجد في الوجدان اليهودي أدنى أثر للقومية الألمانية، ثم يضيف كلاتزكين” أن كل يهودي يدعو بلدا أجنبيا وطنه إنما هو خائن للشعب اليهودي“.

وبين وايزمان أن في أعماق كل يهودي صهيونيا كامنا، وأن أولئك الذين يتساوى ولاؤهم القومي اليهودي مع ولائهم لأوطانهم جديرون بالرثاء والاحتقار).

(و لعل تقسيم العالم إلى يهود وأغيار، الذي يتبناه الصهاينة، ثم يعطونه مضمونا زمنيا، يأخذ شكلا إجراميا في كلمات الجاخام موشية بن صهيون او سبزاي، الذي يفسر التلمود بطريقة تسوغ القضاء على الفلسطينين واحتلال كل فلسطين، وياخذ هذا التقسيم ذاته شكلا عرقيا قبيحا في كلمات الحاخام إبراهام أفيدام (زامل)، حاخام القيادة المركزية الإسرائيلية، حينما نصح بعدم الثقة في العرب، لأن على اليهود - في رأيه، وحسب الشريعة الدينية - ألا يثقوا في الأغيار. ولكن حينما يخبر الحاخام الجنود الإسرائيليين أنه “مصرح لكم، بل من واجبكم، طبقا لشريعة، أن تقتلوا المدنيين (من الاغيار) حتى لو كانوا من الخيرين، أو بمعنى أصح، المدنيين الذين قد يبدو أنهم خيرون، حينما يقتبس لهم من التلمود هذه الكلمات: “ينبغي عليك أن تقتل أفضل الأغيار” فالمسألة تتوقف عن كونها عنصرية فبيحة، لتصبح تحريضا على الإبادة).

هذا.. هو عدونا

إن مشكلة إسرائيل أنها وليدة الصهيونية، وأنها مصابة بآفات أو عاهات أساسية ملازمة لها، وهي جزء من كيانها، وليست أعراضا طارئة عليها، وهي التي تقف حائلا وحاجزا بيننا وبينهم.

و إذا كان التعرف على عدونا المغتصب لأرضنا، المهدد لوجودنا واجبا دينيا وقوميا، فلا يتم لنا ذلك إلا إذا حاولنا التعرف على هذه الآفات الخطيرة، المنبثقة عن العقيلة والنفسية الصهيونية، التي كونتها تعاليم التلمود الخطرة، مضافا إليها تطلعات الصهيونية الأشد خطرا.

1-العنصرية:

أولى هذه الآفات هي: العنصرية، وهذه آفة في بنية الفكر الديني اليهودي الذي أنشأته أسفار التوراة وملحقاتها، وغذته ونمته تعاليم التلمود، الذي يقدسه اليهود أكثر من تقديسهم للتوراة، فاليهود ديانة شعب، والتوراة كتاب شعب، بل الله سبحانه رب شعب، هذا الشعب هو شعب إسرائيل.

نرىالقرآن يعلن في صراحة ويقين: إن الله هو: {رب الناس}، و{رب كل شيء}، و{رب العالمين}، لم يقل:إنه رب العرب، أو رب المسلمين، في حين تقول التوراة في تأكيد عن الله: إنه “رب إسرائيل”!.

بل إن التوراة من إولها إلى آخرها لا تهتم ببني إسرائيل، وتاريخ بنى إسرائيل، فلا ذكر فيها لآخرة ولا للجنة أو النار، إنما العناية فيه بملك إسرائيل، ومجد إسرائيل.

إن التوراة تقول عن هذا الشعب: إنه “الشعب المختار”، ونحن نقول هذا عنه أيام كان يحمل رسالة التوحيد، ويحارب الوثنية، وبنفذ تعاليم الأنبياء، حتى إذا غير ما بنفسه غير الله ما به، فقد انحرف في عقيدته، وانحرف في سلوكه، ووقف في وجه الأنبياء والرسل، كما قال القرآن: {أفلكما جاءكم رسل بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم فريقا تقتلون (87)} [البقرة: 87]، ولهذا قال يوحنا المعمدان، وقال المسيح عليهما السلام لهم: يا أولاد قتلة الأنبياء!.

و القرآن الذي أعلن الله فضل بني إسرائيل على العالمين، أى عالمي زمانهم، هو نفسه الذي قال: {لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كنوا يفعلون (79)} [المائدة: 78،79]، {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباء وبغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بايات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)} [آل عمران: 112].

و قد نوهم بعض الناس أن تسمية إسرائيل “الشعب المختار” أشبه بتسمية الأمة الإسلامية: {خير أمة أخرجت للناس}، وهذا خطأ يقينا، فالأمة الإسلامية ليست أمة عنصرية، بل هي أمة رسالة وأهداف ومبادىء من آمن بها واعتنقها، فهو من هذه الأمة، من أي عرق أو أي لون أو أي وطن كان.

لقد استدر اليهود عطف العالم عليهم باعتبارهم جنسا مضطهدا مشردا، شهروا سيف الاتهام الذي استغلوه استغلالا بشعا، وهو “معاداة السامية”.

والحقيقة أن معظم يهود اليوم ليسوا ساميين، وليسوا من نسل إسرائيل، بل هم كما أثنت كثير من الباحثين المنصفين من الغربيين الذين قالوا: إن يهود اليوم ليسوا يهوديا، أي ليسوا ساميين ولا إسرائيليين، بل إن نسبة كبيرة من اليهود هم من سلالة يهود مملكة الخزر، التي نشأت في شرق أوروبا، حين اعتنق بعض قبائل التتار الدين اليهودي،وبعد سقوط مملكة الخزر انتشر عدد منهم في منطقة القرم، وغدت بولندا مهجرهم الرئيسي، حيث قدر عددهم فيها عام (1650 م) بحوالي نصف المليون، وكانوا يتمتعون فيها بقسط وافر من الحكم الذاتي، حتى أعملت فيهم جيووش شمبيلتكي الأوكراني المذابح، ودمروا جاليتهم في سنة (1658 م). [33]

إن اليهود طالما شكوا إلى العالم والقوى المؤثرة فيه من عماداة السامية، وهم الآن يعادون (السامية الحقيقية) المتمثلة في شعب فلسطين العربي السامي، الذي أخرج من دياره، وشرد في الآفاق بغير حق.

وإن يهود الذين شكوا من (العنصرية النازية) المتعالية،يجسدون اليوم (عنصرية نازية جديدة) متعصبة لا ترى إلا نفسها، ولا تعترف بحق لغيرها، وخصوصا إذا عارض اتجاهاتها.

2-العنف والعدوانية:

وإذا كانت (العنصرية) هى الآفة الأولى في إسرائيل، والكامنة في البنية الأساسية لفكرها واعتقادها الديني، فأن الآفة السانية هي (العنف) أو الطبيعة العدوانية، التي تتميز بالقسوة والغلظة والعناد، حتى سمتهم التوراة كتابهم نفسه (الشعب الصلب الرقبة).

وعبر عن ذلك القرآن فخاطبهم بقوله: {ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغفل عما تعملون(74)} [البقرة:74].

وفي موضع آخر بين القرآن أن هذه القسوة كانت عقوبة من الله لهم على نقضهم لما عهد به إليهم من مواثيق، فقال تعالى: {فبما نقضهم ميثقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية} [المائدة:13] والمصادر الدينية لإسرائيل من شأنها أن تصنع هذه الطبيعة العدوانية، التي لا تبالي في سبيل تحقيق أهدافها بما تسفك من دماء، وما تنتهك من حرمات، وما تخرب من ديار، وما تهدر من أموال، واعتبار الناس كأنما هم أدوات لخدمة إسرائيل.

وهذا التوجه واضح في أسفار التوراة الخمسة، وفي أسفار الأنبياء الملحقة بهذه الأسفار، وبخاصة سفر أشعيا، الذي أعجب به الإسرائليون، وسموه (النبي المحارب).

وهو أشد وضوحا في (التلمود) الذي يرجع اليه اليهود أكثر مما يرجعون إلى التوراةذاتها، وربما يقدسونه أكثر من تقديس التوراة.

يعبر عن ذلك مناحم بيجين الذي كان أحد أركان العصابات الصهيونية الإجرامية قبل قيام إسرائيل، ورئيسا لائتلاف الليكود بعد قيام إسرائيل، بكلمته المعبرة في كتابه (التمرد): أنا أحارب إذن أنا موجود!.

ومن استقرأ تاريخ إسرائيل حديثا، معشعب فلسطين خاصة، ومع العرب عامة، يجد هذه الطبيعة ظاهرة غير خافية، ترجمت عنها: المجازر البشرية التي أجبرت بها الشعب الفلسطيني على الخروج من دياره، وتشريده في آفاق الأرض، وما تقوم به الى اليوم من أعمال عدوانية تقوم بها الحكومة، ويقوم بها المستوطنون، وما تضمه من أرض فلسطينية-بغيا وعدوانا- إلى دولتها، وما تضمه من مستوطنات في القدس وفي الضفة وفي غزة، وما أشعلوه من مذابح في صبرا وشاتيلا 17،وفي مسجد (الخليل) في فجر رمضان للصائمين الركع السجزد، وفي (قانا) بلبنان، وفي قتلي النفق في (القدس)، وما كشفت عنه الوقائع قبل ذلك من القتل الجماعي للأسرى المصريين وقتل تلامذه بحر البقر في مصر.

وفيما يحدث كل يوم من اعتقال وتعذيب، وعقاب جماعي، وعقاب أسرى الفدائي وهدم بيت أهله، ثم محاولة الدول-بأمررئيس وزرائها السابق والحالي- قتل الأفراد واغتيالهم وتصفيتهم، كما فعل رابين في قتل فتحي الشقاقي، ويحيى عياش، وكما فعل نتينياهم في محاولة قتل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، وفضيحته هو وجهازه الموساد على رؤوس الأشهاد. كل ذلك بمنطق القوة لا بقوة المنطق، فالمنطق الفذ الذي تفهمه إسرائيل هو منطق العنف والإرهاب.

وإنا لنعجب من الشعب الذي طالما شكا من الاضهاد والعدوان من النازية وغيرها، كسف يضطهد شعبا بأكمله، ويعتدي على أرضه وسيادته وحرماته، ولا ذنب له إلا تمسكه بوطنه، ودفاعه عن ملكه؟!.

3-التوسعية :

وثالث الآفات الكامنة في طبيعة إسرائيل، هي: الأحلام أو الأطماع التوسعية.

إنها لا تكتفي بما اغتصب من أرض، وما نهبت من أملاك الغير، بل هي لا تشبع من غصب، ولا تسأم من نهب، إنها جهنم، يقال لها: هلامتلأت، وتقول هل من مزيد؟.

إنها لا تزال تحلم بإسرائيل الكبرى: منالفرات إلى النيل.

بل هناك من يقولون: ملكك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل، ومن الأرز إلى النخيل.

من نهر الفرات في العراق إلى نهر النيل في مصر.

ومن شجر الأرز في لبنان إلى شجر النخيل في المملكة العربية السعودية في المدينة وخيبر، حيث كان يعيش أجدادهم هناك.

وهذا ما قاله رجل منهم بصراحة، هو إسرائيل شاحاك الإستاذ بجامعة تل أبيت، الذي كشف النقاب عما يخبئه الإسرائيليون في ضمائرهم، وسجله في كتاب نشر بالإنجليزية، يبين فيه أن إسرائيل التي يحلم بها قومه تمتد إلى أجزاء من سوريا، و لبنان، و تركيا، و العراق، و السعودية، و اليمن، و الكويت، و مصر إلى الإسكندرية!

بل هم في الواقع يريدون الصيطرة على العالم، ولكن سياستهم المعهودة هي الوصول إلى الهدف البعيد خطوة خطوة. قد يقول البعض: إن هذا حلم بعيد المنال، ولا يتصور من إسرائيل أن تركض وراء وهم سراب، لا يمكن تحقيقه في أرض الواقع، وهي الآن أعقل من أن تتحدث الأحلام.

ونقول: إن قيام إسرائيل نفسها كان حلما، أو خيالا، منذمائة عام، ثم غدا حقيقة واقعة، وقد لا تتحدث إسرائيل عن ذلك اليوم، لما يجلبه ذلك عليها من مشكلات، فهي تصمتعن ذلك لفترة ما، وفقا للسياسة المراحل.

وكم رفضنا من أشياء، لأنها دون ما نؤمن به من حقوق لنا، مثل قرار التقسيم، ثم بعد ذلك تمنينا لو قبلنا ما كنا رفضنا.

إن إسرائيل تسعى أبدا لتحقيق أهدافها وأحلامها، التي كنا نعتقدها في وقت ما ضربا من المحال، ولكنها تحققت، أما أحلامنا نحن، فهي دبر آذانها، وتحت أقدامها.

ولا ينبغي أن ننسي أن هناك قوى كبرى ساعدت- ولا زالت تساعد- إسرائيل على تحقيق ما تريد، ابتداء من بريطانيا العظمى التي وعدت بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين على لسان وزير خارجيتها (بلفور) في وعده المشهور في (2/11/1917 م)، والذي قيل فيه: من لا يملك، وعد من لا يستحق.

وانتهاء بالولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى والقطب الأوحد في عالم اليوم، والتي تقف وراء إسرائيل بالمال والسلاح و(الفيتو)! ولو لا المال الأمريكي، والسلاح الأمريكي، والفيتو الأمريكي، ما وصلت إسرائيل إلى ما وصلت إليه اليوم.

ومرورا بالاتحاد السوفيتي الذي قال في إبان قوته: إن إسرائيل خلقت لتبقى .

4-اللاأخلاقية :

و تعتمد إسرائيل مبدأ (اللاأخلاقية) في تعاملها مع العرب والفلسطينيين، ففلسفتها قائمة على أن الأخلاق تتغير، فلا ثبات لها وأنها تتجزأ، فلا عموم لها، فلا غرو أن تتعامل بمعيار مزدوج، معيار مع النفس، ومعيار مع الأغيار، وهذا للأسف ما قررته توراتهم، وسفر التثنية فيها: إن للإسرائيلي أن يقرض بربا مع غير الإسرائيلي، وليس له ذلك مع الإسرائيلي، على خلاف ما قرره الإسلام: أن الحلال حلال للجميع، وأن الحرام حرام على الجميع، ولقد سجل القرآن على هؤلاء استباحتهم لمن عداهم، وعدم تأثمهم في ذلك دينا، كما قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75)} [آل عمران:75].

و إسرائيل تقرر كذلك المبدأ الجاهلي: (يحلونه عاما ويحرمونه عاما)، والتحليل والتحريم وفق هواها ومنافعها الخاصة، كما تتبنى الفلسفة الميكافيلية: الغاية تبرر الوسيلة، فكل الوسائل عندها مباحة ومشروعة في سبيل تحقيق غايات إسرائيل، بغض النظر عن احتجاجات المحتجين، واستنكارات المستنكرين.

و العرب المسلمون قوم أخلاقيون، فقد علمهم دينهم ضرورة الالتزام بالعنصر الأخلاقي في كل جوانب الحياة ومعاملاتها، فالعلم لا ينفصل عن الأخلاق، والتشريع لا ينفصل عن الأخلاق، والاقتصاد لا ينفصل عن الأخلاق، والحر لا تنفصل عن الأخلاق، و السياسة لا تنفصل عن الأخلاق.

و لا يقبل الإسلام بحال مبدأ: الغاية تبرر الوسيلة، بل يوجب شرف الغاية، وطهر الوسيلة، ولابد من الوسيلة النظيفة لتحقيق الغاية الشريفة، ولا يرضى الإسلام الوصول إلى الحق بطريق الباطل، فإن الله طيب لايقبل إلا طيبا.

ولا غرابة أن نرى إسرائيل تحترم العهود والمواثيق إذا كانت في صالحها، وتضرب بها عرض الحائط إذا خالفت مصالحها، وها هو بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل يسأل عن “اتفاقات أوسلو” وما بعدها -و التي نرفضها نحن أساسا- فيقول بصراحة: أنها قد ماتت!

و هكذا تحقق في هؤلاء ما قاله القرآن في أسلافهم: {الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56)} [الأنفال: 56].

و هم بهذا يطبقون ما قاله بعض الساسة الأروبيين من قبل: إن المعاهدات ليست إلا حجة القوي على الضعيف!

إن (الأخلاق) المشروعة في إسرائيل هي أخلاق العنف والإرهاب والاستحلال، هذا ما تقوم به الدولة، التي لا يزال تسيطر عليها روح رجال العصابات، وما يقوم به المستوطنون، الذين يسندون ظهورهم إلى قوة الدولة وحمايتها.

والحق أن إسرائيل التي تصف الفلسطينيين الذين يدافعون عن وطنهم وأهليهم وحرماتهم بأنهم (إرهابيون) هي في الواقع (الإرهابي الأكبر) في العالم؛ لأنها تأخذ حق غيرها، وأرض غيرها، بالقوة والسلاح والعنف، فهو إرهاب معتد ظالم باغ في الأرض بغير الحق، وقد بين ذلك كتاب “الإرهاب يؤسس دولة: نموذج إسرائيل” [34].

و هناك مواقف وأمثلة لا تحصى تدل على (الاتجاه اللاأخلاقي) عند إسرائيل، لعل أحدثها وآخرها ما قامت به نحو رئيس المكتب السياسي لحماس في الأردن الأخ المجاهد خالد مشعل، والذي حاولت اغتياله عن طريق جهاز علمي متطور، يسلط على دماغه مادة كيمياوية قاتلة، مستخدمة في ذلك جوازات سفر كندية مزورة، احتجت كندا عليها، كما لم تبال أن تقوم بذلك على أرض الأردن الذي عقدت معه معاهدة سلام، ولو لا رعاية الله وحمايته، ثم تنبه الأخ خالد، ويقظة مرافقة، لذهب ضحية الغدر، دون أن يدري أحد أنه قد اغتيل عمدا. هذا هو الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل من قديم، ولا زالت.

وهاهو اليوم آريل شارون -وزير البنى التحتية في إسرائيل- يعلن في جرأة ووقاحة عارية: أن محاولة قتل خالد مشعل، إذا كانت قد فشلت في المرة السايقة، فإنها ستتكرر وتتكرر، حتى تتحقق. هكذا قال الإرهابي العريق، ولم يبال بأحد. وإذا لم تستح فاصنع ما شئت!.

أما الفلسطينيون فإرهابهم -إن صحت تسميته بذلك- إرهاب مشروع، مستجيب لقول القرآن: {و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60]، فهو إرهاب للدفاع والقاومة لا لاستباحة الحرمات!

و اللاأخلاقية عند اليهود ليست شيئا عارضا في سلوكهم، بل هي أصيلة عميقة الجذور، ضاربة في أغوار تاريخهم من قديم، حتى عند أنبيائهم كما تحكي كتبهم المقدسة نفسها.

فقد جاء في العهد القديم على لسان كتبته: أن يعقوب وأمه خدعا إسحاق حتى يحصلا على بركته ليعقوب بدلا عن عيسى أخيه الأكبر... وأن راحيل زوجة يعقوب سرقت من أبيها لأبان -خال يعقوب- أصنامه حين رحيلهما عنه.

و جاء قبل ذلك -في سفر التكوين أيضا- أن ابتني لوط عاشرتاه بعد أن أسكرتاه. وأنجيبتا منه المؤبيين والعمونيين.. فهم أولاد زنى.

و جاء في سفر يشوع عن سقوط أريحا على يد بني إسرائيل: دمروا المدينة.. وأقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ.. حتى البقر والغنم والحمير.

ثم جاء في سفر صموئيل الأول: أنا الذي أرسلني الرب لأنصبك ملكا على إسرائيل.. فاذهب الآن، وهاجم عماليق.. ولا تبق على أحد منهم.. بل اقتلهم جميعا.. رجالا ونساء وأطفالا ورضعا..بقرا وغنما ووجمالا وحميرا.

ثم جاء في نفس السفر: أن الملك شاول طلب من داود مهرا لأبنته مائة غلفة من غلف الفلسطينيين.. فراق داود الأمر.. وقتل ما أتي رجل من الفلسطينيين.. وأتى بغفلهم كاملة.. مهرا لمصاهرة الملك.

وفي نفس السفر أيضا: انقلب داود على الملك شاول، وانضم الى الفلسطينيين في حربهم ضد الملك الإسرائيلي..ولكن رفض الفلسطينيون انضمام داود لجيشهم.. فتوسل داود لملكهم أخيش قائلا: ماذا جنيت؟ وأي علة وجدت في عبدك حتى لا أشترك في محاربة أعداء الملك؟.

وفي سفر صاموئيل الثاني: اغتصب أمنون أخته ثامار -وهما أبنا داود- ثم عاشر أبشالوم بن داود محظيات أبيه، وحارب أبشالوم أباه داود طمعا في الملك، وقتل الابن في القتال.

وفي سفر الملوك.. جاء عن سليمان أنه عبد عشتاروت إلهة الصيدونيين..وملكوم اله العمونيين..وأقام مرتفعات ذبائح لجميع آلهة نسائه الغربيات. [35]

هذا ما قالته أسفارهم المقدسة، ولم نقله نحن!

ولا غرو قال المسيح عليه السلام: لكم الويل أيها الكتبة المراؤون، أيها الحيات أولاد الأفاعي، أبناء قتلة الأنبياء، كيف تفلتون من عقاب جهنم؟!..

5-الشح وعبادة المال :

ومن الآفات الخلقية الملازمة للطبيعة الإسرائيلية: عبادة المال، والشح به، والحرص عليه، وقديما عبدوا العجل الذهبي، وهو يشير إلى مدى تعلقهم بالذهب وبريقة. وقد وصفهم القرآن بالبخل وسجله عليهم في قوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا(53)} [النساء:53]. يقول العلامة رشيد رضا رحمه الله في تفسير هذه الآية في المنار:

{أم لهم نصيب من الملك} قالوا إن (أم) هنا منقطعة، وهي عند جمهور البصريين للإضراب والاستفهام، والمراد بالإضراب هنا: الانتقال من توبيخهم على الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل المشركين على المؤمنين، إلى توبيخهم على البخل والشح والأثرة. واختار الاستاذ الإمام أن (أم) إذا وقعت في أول الكلام تكون للإستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ يستفاد من قرينة المقام، أي ليس لهم نصيب من الملك كما لهم نصيب من الكتاب، بل فقدوا الملك كله بظلمهم وطغيانهم {فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} أي ولو كان لهم نصيب من الملك لسلكوا فيه طريق البخل والأثرة بحصر منافعه ومرافقه في أنفسهم، فلا يعطون الناس نقيرا منه إذ ذاك. والنقير هو النقرة أو النكتة في ظهر نواة التمر، وهي الثقبة التي تنبت منها النخلة، شبهت بما نقر بمنقار الطائر أو منقار الحديد الذي تحفر به الأرض الصلبة والنقير كالفتيل في الآية السابقة: {ولا يظلمون فتيلا (49)} [النساء: 49]، يضرب به المثل في الشىء القليل والحقير والتافه. وكذلك يضرب المثل بالقطمير، وهي القشرة الدقيقة التي على النواة بينها وبين التمر.

وحاصل المعنى: أن هؤلاء اليهود أصحاب أثرة شديدة، وشح مطاع، يشق عليهم أن ينتفع منهم أحد غير أنفسهم، فإذا صار لهم ملك حرصوا على منع الناس أدنى النفع وأحقره، فكيف لا يشق عليهم أن يظهر نبي من العرب، ويكون لأصحابه ملك يخضع لهم فيه بنو إسرائيل.

هذه الصفة لا تزال غالبة على اليهود ظاهرة فيهم فإن تم لهم ما يسعون اليه من إعادة ملكهم الى بيت المقدس وما حوله، فإنهم يطردون المسلمين والنصارى من تلك الأرض المقدسة، ولا يعطونهم منها نقيرا من نواة، أو موضع زرع نخلة، أو نقرة في أرض أو جبل، وهم يحاولون الآن -وحاولوا قبل الآن- ذلك بقطع اسباب الرزق عن غيرهم.

فالنجار اليهودي في بيت المقدس يعمل لك العمل بأجرة أقل من الأجرة التي يرضى بها المسلم أو النصراني، وإن كانت أقل من أجرت المثل، ولعل جمعياتهم السياسية والخيرية تساعدهم على ذلك، فالدلائل متوفرة على أن القوم يحاولون إمتلاك الأرض المقدسة، وحرمان غيرهم من جميع أسباب الرزق فيها، يفعلون هذا وليس لهم نصيب من الملك “هذا وما كيف لو”.

وهل يعود اليهم الملك كما يبغون؟ الآية لا تثبت ذلك ولا تنفية، وإنما تبين ما تقتضيه طباعهم فيه لو حصل، وسيأتي البحث في ذلك في تفسير سورة الإسراء التي تسمي أيضا (سورة بني إسرائيل) ويدخل في ذلك ما تقتضه من الكثرة وهم متفرقون ومتعلقون بأموالهم في كل الممالك، ومن الاستعداد للحرب والزراعة، وقد ضعف ذلك في أكثرهم، ولكنهم يعتقدون اعتقادا دينيا أنهم سيقيمون الملك أو سوف يقيمونه في البلاد المقدسة، وقد ادخروا لذلك مالا كثيرا، فيجب على العثمانيين أن لا يمكنوا لهم في فلسطين، ولا يسهلوا لهم طرق امتلاك أرضها، وكثرة المهاجرة إليها، فإن في ذلك خطرا كبيرا كما نبهنا في تفسير الآية السابقة من عهد قريب [36]أه.

كتب هذا الشيخ رشيد رضا في تفسيره الذي كان يصدر به (مجلة المنار) وكان ذلك في ج11 -المجلد الثالث عشر- الجمعة 30 ذو القعدة 1328ه-2 ديسمبر 1910 م. أي منذ ما يقرب من 90 عاما.

الصهيونية أعلى مراحل الاستعمار

هذه الآفات النفسية، والعاهات الخلقية، والأمراض السلوكية، التي تجسمت في الشخصية اليهودية التلمودية -و الأمراض سيما بعد ظهور الحركة الصهيونية وتوجهاتها الخطيرة- أفرزت العصبات الإرهابية اليهودية في عهد الآنتداب البريطاني، وقبل قيام إسرائيل في 15/5/1948 م وأفرزت المجازر البشرية، والهجمات العدوانية، والأساليب الشيطانية، التي قامت عليها سياسة إسرائيل في سلمها وحربها مع الفلسطينيين ومع العرب والمسلمين.

أفرزت هذه الآفات شر أنواع الاستعمار في التاريخ، وهو الاستعمار الصهيوني، الذي قال فيه من قال: الصهيونية هي أعلى مراحل الاستعمار.

و ذلك لما تميز به الاستعمار الصهيوني اللعين عن أنواع الاستعمار الأخرى، التي عرفها العالم قديما وحديثا، والتي أشار القرآن إلى آثاره على لسان ملكة سبأ حين قال: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34)} [النمل: 34]، أشارت إلى دخول الملوك فاتحين مستعمرين، فهم يفسدون البلاد، ويذلون العباد.

و في العصور الحديثة عرف الناس الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والهولندي وغيرها، وكلها شر على من استعمروهم.

ولكن الاستعمار الصهيوني أشد وأنكى، فهو، كما أخونا. د.حسان حتحوت [37]: استعمار إحلالي توسعي عنصري إرهابي ظالم.

1-استعمار إحلالي :

أي هو استعمار استيطاني، يريد تفريغ البلاد من أهلها ليحل هو محلهم ما استطاع.

ويزعجه أن يرى معدل المواليد العرب أعلى منه لدى اليهود بما في ذلك من تهويد ديموجرافي.. وليس مثل الصليبيين يملك وطنا آخر يستطيع أن يعود إليه فلا نية لديه إلا البقاء.

وهو لا يحاول التخلص من العرب بالتهجير أو الاضطرار إليه أو هدم البيوت أو تغيير الجغرافيا فقط، بل يجلب مزيد من اليهود من أنحاء العالم ليحلوا محل العمالة الفلسطينية وهي الخط الحيوي الباقي للفلسطينيين.

وقد صرح بهذا ساستهم ومفكروهم، مثل البروفسور “بن زيون دينور” الذي أعلن أن ليس في بلادنا متسع لشعبين.

و مثل “يوري لبراني” (مستشار بيجن للشؤن العربية) الذي قال: سنختزل الجالية العربية إلى طائفة من الحطابين وجرسونات المطاعم! ومثل “شيب الداود” الذي قال: إما “إسرائيل الكبرى” وإما “إسماعيل الكبرى”.

(يعني بإسماعيل الكبرى: الدولة العربيةالتي جحمع العرب تحت راية واحدة، وهذا يعني: انتهاء إسرائيل).

2-استعمار توسعي :

و هو ثانيا استعمار توسعي. ما زالت خريطة من النيل إلى الفرات في الكنيسيت. والخطان الأزرقان في أعلى وأسفل العلم اليهودي يرمزان للنيل والفرات وسئلت “جوولدا مائير” عن حدود دولة إسرائيل كما تراها فقالت:عندما نصل إلى الحدود سنخبركم وصرح "بن جورين" بأن الدولة اليهودية تطمح أن تشما حدودها لبنان وجنوب سوريا و الأردن وشبه جزيرة سيناء.

(و لهذا لم يضم اتفاق “أسلو” شيئا عن “الحدود” وستظل سرا عند قادة إسرائيل، لا يفصحون عنه، إلا عندما تتحق الأحلام).

3-استعمار عنصري :

و هو استعمار عنصري. وفي ثصريح سابق “لرفائيل إيتان” الذي كان رئيس الأركان قال: إن من يتهم البيض في جنوب إفريقيا بالعنصرية كذاب.. السود هناك هم الذين يريدون التحكم في الأقلية البيضاء، تماما مثلما يريد العرب أن يتحكموا فينا. وعندما صوتت الدول الإفريقية بجانب قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية عنصرية في عام 1975 (القرار الذي تم لحسه فيما بعد)، كان تعليق “بيجن”: كيف تحسب اشعوب التي كانت إلى عهد قريب تعيش فوق الأشجار أنها أصبحت تقود العالم؟.

بل إن العنصرية قائمة في اليهود بين بعضهم والبعض. “الأشكينازي” وهو اليهود الأوروبي الأبيض يرى نفسه أرقى من (السيفارديم).

وبينما يشكل السيفارديم سبعين بالمائة من اليهود، فقد رسم نظام للتعليم والمصروفات الدراسية بحيث لم يسمح لهم بأكثر من ستة بالمائة في الجامعات وثلاث بالمائة عند التخرج.

أما اليهود الأحباش الذين طنطنوا بهم فحثالة المجتمع لدرجة أنه عند التبرع بالدم تنتقى زجاجات دم اليهود الأحباش فتراق، ويرمى بالدم حتى لا يستعمل، وعندما اكتشفت هذه الفضيحة أحدثت مرارة كبيرة لدى الاحباش، وإحساسا بالاضطهاد والتفرقة العنصرية “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى” بل إن اليهود الأرثوذكس أصدروا من قريب فتوى بأن المحافظين واليهود الإصلاحيين ليسوا يهودا.

4-استعمار ظالم :

و أما استعمار ظالم، فبديهية لا تحتاج إلى تدليل. لكن نحب أن يشهد شاهد من أهلها. فالأستاذ “جوداماجنس” أول رئيس للجامعة العربية يقول: إن اليهود أكثر من حق في مطالبة العالم بالعدالة، ولكنني على غير استعداد للحصول على العدل لليهود عن طريق الظلم للعرب.

ويقول البروفسور “بنيامين كوهين” الأستاذ بجامعة تل أبيب: لقد كان اليهود هلى الدوام ضحايا القسوة فكيف جاز لهم أن يكونوا على هذه القسوة.وهناك الكثيرون منهم يرون هذا الرأي. وفي أمريكا حركتان يهوديتان كبيرتان اسمهما “السلام الآن” و“الأرض مقابل السلام”، وينكرون الظلم الواقع على الفلسطينيين ويرون إعطاءهم وطنا والعيش معهم في حسن جوار. ومثلهم عدد ضخم من اليهود داخل فلسطين.

5-استعمار إرهابي :

و هو كذلك استعمار إرهابي، فهذا أشد وضوحا، فالإرهاب لحمته وسداه، الإرهاب والذي مهد لقيام الدولة منذ عهد العصابات المعروفة: الهاجاناة، والأرجون، والاسترن، التي اقترفت الفظائع.

و الإرهاب هو الذي أسس الدولة، وأقامها بالحديد والنار، فقتل النساء والأطفال والشيوخ بطرق وحشية لم يعرف التاريخ لها مثيلا، حتى كانوا يراهنون على ما في بطون الحوامل: أذكر هو أم أنثى؟ ثم يبقرون بطنهت -و هم يتضاحكون، ليروا من الفائز منهم؟ ثم يذبحون الأم والطفل معا!.

و الإرهاب هو الذي وسع الدولة؟ بأكثر مما أعطاهم قرار التقسيم، ثم ضم إليها ما ضم في حرب يونيو سنة 1967 م.

و الإرهاب هو الذي يهدد الجيران من العرب، أن يملكوا أي قوة نووية أو غير نووية، يجب أن يملكوا هم القوة وحدهم، ولهذا ضربوا من قديم المفاعل النووي العراقي، بل هم يقتلون الشبان النوابغ من العرب في المجال النووي،كما دل على ذلك أكثر من حادثة. بل هو يهدد المسلمين جميعا، إذا حاولوا ذلك، كما نرى في الموقف من محاولة باكستان امتلاك قنبلة نووية، كما فعلت جارتها وغريمتها الهند.

و الإرهاب هو الذي يقتل -بيد الدولة وأجهزتها وبأمر رؤسائها وقادتها- أبطال المقاومة الذين يدافعون عن أرضهم ومقدساتهم وأهليهم، كما رأينا في اغتيال الشقاقي وعياش والشريف، ومحاولة اغتيال مشعل.

الإرهاب الصهيوني هو الذي قتل -من قديم- المصلين في مسجد يافا، وهو الذيصنع مجزرة دير ياسين، وهو الذي قتل أطفال مدرسة (بحر البقر) في مصر، وهو الذي قتل المصلين بعد ذلك في مسجد الخليل في فجر رمضان، وهو الذي قتل من قتل في النفق، وقتل من قتل في (قانا) بلبنان، وقتل أخيرا العمال البرآء بالقرب من حاجز (ترقوميا) بمنطقة الخليل، ولا زال يقتل ويقتل ولا تزال يده مغموسة بدماء الأبرار.

و العجب أن يفعل الإرهاب الصهيوني ذلك كله، ويدعي أننا نحن الإرهابيون، أما هو فبرىء من كل تهمة، براءة أخوة يوسف من إلقائه في الجب!.

الصهيونية خطر على العالم كله

و الحقيقة التي يجب التنبيه عليها: أن اليهودية الصهيونية التي نتعامل معها اليوم، ليست خطرا على المسلمين أوالعرب وحدهم، بل هي خطر على العالم كله، وعلى البشرية كلها بما تحمل من روح التعصب، وما تحمل من أفكار هدامة، معادية لكل الديانات، وخصوصا السماوية منها، ومعادية لكل الشعوب. هذه الأفكار التي غذتها التعاليم التلمودية الخطرة، إنها خطر على المسيحية كما هي خطر على الإسلام، ولننظر في رأي كل من اليهود في المسيحية، والمسيحيين في اليهودية، ليتضح لنا ذلك.

ماذا تقول اليهودية في المسيحية؟

ينقل لنا الأستاذ محمد السماك في كتابه (الأصولية الإنجيلية أو الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي) [38]هذه النصوص:

(يسمح لليهودي أن يكذب ويشهد زورا للإيقاع بالمسيحي، فاسم الرب لا يدنس ولا يحلف به، حين نكذب على المسيحيين) [39].

(يجب على اليهود السعي الدائم لغش المسيحيين) [40].

(من يفعل خيرا للمسيحيين، فلن يقوم قبره قط) [41].

(..و الآن دعونا نوضح لكم كيف مضينا في سبيل الإسراع بقصم ظهر الكنيسة الكاثوليكية، فاستطعنا التسرب إلى دخائلها الخصوصية، وأغوينا البعض من رعيتها “كهنتها الداخليين” ليكونوا روادا في حركتنا، ويعلمون من أجلنا).

أمرنا عددا من أبنائنا بالدخول في جسم الكاثوليكية، مع تعليمات صريحة بوجوب العمل الدقيق والنشاط الكفيل بتخريب الكنيسة من قلبها، عن طريق اختلال فضائح داخلية، ونكون بذلك عملنا بنصيحة أمير اليهود، الذي أوصانا بحكمة بالغة: دعوا بعض أبنائكم يكونوا كهنة ورعاة أبرشيات، فيهدموا كنائسهم.

ومع الأسف الشديد، لم يبرهن جميع اليهود من أبناء العهد عن إخلاصهم للمهمة الموكولة غليهم، فخان كثيرون العهد، لكن الآخرين حافظوا على عهدهم، ونفذوا مهماته بشرف وأمانة.

نحن آباء جميع الثورات التي قامت في العالم، حتى تلك التي انقلبت علينا أحيانا، ونحن أيضا سادة الحرب والسلام، بدون منازع. ونستطيع التصريح اليوم بأننا نحن الذين خلقنا حركة الإصلاح الديني للمسيحية، فكالفين كان واحدا من أولادنا، يهودي الأصل، أمر بحمل الأمانة، بتشجيع المسؤولين اليهود ودعم المال اليهودي، فنفذ مخطط الإصلاح الديني، فما أذعن مارتر لوثر لإيحاءات أصدقائه اليهود، وهنا أيضا نجح برنامجه ضد الكنيسة الكاثوليكية بإرادة المسؤولين اليهود وتمويلهم.

و نحن نشكر البروتستانت على إخلاصهم لرغبتنا، برغم أن معظمهم -و هم يخلصون الإيمان لدينهم- لا يعون مدى إخلاصهم لنا، إننا جد ممتنين للعون القيم الذي قدموه لنا في حربنا ضد معاقل المسيحية، استعدادا لبلوغ مواقع السيطرة الكاملة على العالم.

حتى اليوم تمكنا من قلب الأنظمة القائمة في معظم ممالك أوروبا، والبقية آتية لا ريب عما قريب. فروسيا شرعت في تمهيد الطريق لمسيرتنا، فرنسا، بحكومتها الماسونية تحت إصبعنا. إنجلترا باعتمادها على تمويلنا تحت قدمنا، ولكونها بروتستانتية فهي معولنا في القضاء على الكنيسة الكاثوليكية. أما إسبانيا والمكسيك فهما دميتان بأيدينا، وثمة دول عديدة، علاوة على الولايات المتحدة الأمريكية، واقعة في شراكنا.

إن معظم صحف العالم تعمل تحت سيطرتنا، فلنغذ عن طريقها -بقوة وفعالية أكثر- الحقد العالي على الكنيسة الكاثوليكية.

ولنمض، لدعم وتقوية مخططاتنا، بتسميم أخلاق الأغيار، ننشر روح الثورة بين الجماهير، نشجعها على الوطنية، وازدراء وحدة العائلة والارتباط بمحبتها، واعتبار الدين، أي دين، هراء ومضيعة للوقت، وقضية سبقها العصر، ولم تعد تتماشى مع متطلباته ثم أخيرا، لنتذكر دائما أن ملك اليهود المنتظر لن يرضى بحكم هذا العالم، قبل خلع البابا عن كرسيه في روما، والإحاطة بجميع ملوك العالم” [42].

و ماذا تقول المسيحية في اليهودية؟

أما ماذا تقول المسيحية في اليهودية، فهاك بعضه موثقا.

لنقرأ هذه النصوص التي سجلها الأستاذ السماك:

“يعتبر اليهود خطرا على جميع شعوب العالم، وخاصة على شعوب المسيحية” [43].

“إن القوى ذاتها التي “صلبت المسيح” طيلة(1900) سنة، تسعي اليوم الى “صلب” كنيستة، لقد فرض على المسيحية، حياة أو موتا، لكن معظم القادة المسيحيين لم يعوا ذلك بعد، إن الشيوعية -اليهودية العالمية- التي نجحت في اذلال شعوب الأرض، تترقب الفرصة المواتية الآن لسحق المسيحيةسحقا كاملا” [44].

“كل ما أتى به المسيح، بوحي من الرب، لا يعني أي شىء عند اليهود! لقد أضناني البحث الطويل عبثا في معظم كتب اليهود عن عبارة تعكس شيئا من شعور إنساني نبيل نحو المسيح..وأنا أعترف بأنني، أن أفعل ذلك، لم أكن أتوقع إطلاقا أن أجد شيئا عن إحترام المسيح بين صفحات هذه الكتب، لكني عرفت أن اليهودي الذي ينتابه مثل الشعور النبيل يفقد يهوديته فورا، ويغدو غير يهودي بالمرة.

ففيما نجد في قرآن محمد أفكارا تعبر عن الاهتمام بالمسيح والاحترام العميق لشخصه [45]، نقرأليهودي في قرن التاسع عشر “غرايتيس” من المفروض أنه من المثقفين، وصفه للمسيح بقوله: إنه “المولود الجديد المقتنع بالموت”.. أما عن فكرة الصليب فيقول عنه: “إن اليهود ليسوا في حاجة الى مثل هذا الرمز الذي يولد شعورا متشنجا.. من أجل رفع مستوى عقائدهم الروحية”، بل إن هناك ما هو أخطر من ذلك بكثير، ففي كتاب أصدره سنة ( 1880 م) يهودي أسباني، وهو موسى دوليون، يصف المسيح بانه “كلب ميت”، وأنه “مدفون في كومة روث”!.

في أواخر القرن التاسع عشر، راح اليهود يصدرون طبعات بالعبرية يوضحون فيها “الفقرة السرية” من التلمود، كي لا يثيروا حقدنا عليهم، فخذفت من الطبعات غير العبرية الألقاب والنعوت التي اصطلحوا على تسمية المسيح بها، مثل: المجنون، الساحر، النجس، الكلب، ابن الحرام، الوثنى، ابن الشهوة..إلخ، إلى جانب مسمياتهم لأمه العذراء الطاهرة” [46].

“يتضمن التلمود كل الكفر والإلحاد والخسة” [47] أ.ه.

وقد رأينا كبار الأدباء العالميين يحذرون من الشخصية اليهودية المصاصة للدماء، كما في مسرحية “شكسبير” الشهيرة “تاجر البندقية”.

وكذلك رأينا موقف الأديب والقصاص الروسي الكبير “فيودورا يستوفسكي” من المسئلة اليهودية، كما نشر في رسالة ترجمها موفق الديلمي [48].

إن بني اسرائيل حرفوا أو بدلوا كلام الله في التوراة، فزادوا ونقصوا، ثم حرفوه مرة أخرى، ففسروه بحسب أهوائهم، وأخضعوه لمطامعهم الدنيوية، وأغراضهم العنصرية، وهذا ما سجله عليهم القرآن الكريم: {فبما نقضهم ميثقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة: 13].

إنهم يزعمون أنهم أمة (الكتاب المقدس)، ولكن أين هو الكتاب المقدس الذي أنزله الله تعالى على موسى نورا وهدى للناس؟.

وحتى الكتاب القائم الآن -على ما به من تحريف ووتبديل- لا يأخذون منه الا إلا ما يحقق مآربهم ، ويوافق أغراضهم. فهم -كما وصفهم القرآن- يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

إن الكتاب يقول: “أحب الله من كل نفسك، وكل قلبك” ولكنهم لا يحبون إلا أنفسهم ومصالحهم ولا يعرفون من الكتاب الا ما حشاه به أجدادهم من فقرات العنف والقسوة والتذبيح والتقتيل، واستباحة كل من عاداهم من الأمم والشعوب، وخصوصا شعب كنعان!.

لا يعرفون منه إلا ما احتواه من التفرقة العنصرية التي تجعل من بني إسرائيل، شعب الله المختار، وتجعل غيرهم أدنى درجة منهم، بل تجعل بعضهم عبيدا لهم إلى الأبد.

فمن ذلك: أن الإسرايليين يحرم عليهم أن يقتل بعضهم بعضا، وأن يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، على حين أنه مباح للإسرائيليين، بل واجب عليهم غزو الشعوب الأخرى، وخاصة شعب كنعان، وواجب عليهم بعد انتصارهم على بلد ما أن “يضربوا رقاب جميع رجالها البالغين بحد السيف” فلا يبقوا على أحد منهم، ويسترقوا جميع نسائها وأطفالها، ويستولوا على جميع ما فيها من مال وعقار ومتاع أو “ينهبوه نهبا” حسب تعبير أسفارهم (التثنية:20/13،14).

بل إن إسفارهم تقرر أن شعب كنعان قد كتب عليه في الأزل، أن يكون رقيقا لبني إسرائيل، وأنه لا ينبغي أن يكون لأفراد هذا الشعب وظيفة ما في الحياة غير هذه الوظيفة، فإن تمردوا عليها أو طمحوا إلى الحرية وجب على بني إسرائيل أن يردوهم إليها بحد السيف. وتقرر أسفارهم أن هذا الوضع قد فرض عليهم لدعوة دعاها نوح على كنعان ونسله [49].

وإذا كان هذا في اسفار التوراة. فكيف بما حواه التلمود، الذي يجعل غير اليهود (الغويم) أحط من البهائم وأذل من الكلاب؟!.

وللمسيحيين العرب موقفهم من إسرائيل والصهيونية، وهو موقف يدين الطغيان الإسرائيلي، وينكر بغيه في الأرض بغير الحق.

وقد شاركت في مؤتمر في بيروت جمع بين المسلمين والمسيحيين العرب. وقد انعقد تحت شعار: “مسلمون ومسيحييون معا من أجل القدس”.

وقد استمعت فيه إلى كلمات قوية معبرة من عدد من الآباء المسيحيين، منهم الأب المعروف (كابوتجي) مطران القدس الذي طرده الإسرائيليون منها وبابا الإسكندرية الأنبا شنودة الزعيم الكنيسة القبطية في مصر، الذي تكلم فأجاد، وآخرون تكلموا فأحسنوا.

ومنهم من كتب عن الصهيونية كتبا لها قيمتها العلمية والدينية.

اقرأ ما يقوله الأب بولس حنا مسعد في كتابه (همجية التعاليم الصهيونية) [50].

“للنصراني إنجيل يبشر به العالم، وللمسلم قرآنه ينشره بين جميع الشعوب، أما الإسرائيلي فله كتابان: كتاب معروف لا يعمل به، وهو التوراة، وآخر مجهول عند العالم، يدعي (التلمود) يفضله على الأول ويدرسه خفية، وهو أساس كل مصيبة!”.

لقد بينا أن العنصرية لدي اليهود لا يتجزأ من كيانهم النفسي، وإن العالم مقسم إلى (يهود وأغيار) واليهود هم الأخيار، والأغيار هم الأشرار، وإن استباحة حرمات الآخرين أو (الأغيار) جزء لا يتجزأ نت تراثهم الديني.

إن الله ذاته-تعالى وشأنه- عندهم عنصري! يقول الأب بولس حنا: (إن النصارى يؤمنون بأن الله هو أبو الجميع، والمسلمون يؤمنون بأن الله رب العالمين، أما الصهيونيون فلا يريدون أن يكون الإله إلا لهم وحدهم، ولهذا عرف عندهم أنه (إله إسرائيل)) [51].

الرئييس فرانكلين يحذر من اليهود

ومن السياسيين الذين أدركوا ببصيرتهم النافذه خطر اليهود على مجتمعاتهم: الرئيس الأمريكي فرانكلين.

ففي القرن الثامن عشر وعلى التحديد في عام (1789 م) أصدر بنجامين فرانكلين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة رسمية لتحذير الأمريكان من اليهود، وقد ألقاها في خطاب رسمي عند وضع دستور الولايات المتحدة جاء فيها: “هناك خطر عظيم يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية، وهو خطر اليهود، وفي كل أرض حل فيها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقي، وأفسدوا الذمة التجارية، وهم منعزلون لا يندمجون مع غيرهم، وهم منذ أكثر من (1700) عام يندبون حظهم، لأنهم طردوا من ديار آبائهم، ولو ردت غليهم فلسطين فلن يذهبوا جميعهم إليها، لأنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض، ولابد من العيش بين المسيحيين وغيرهم ممن لا ينتمون إلى عرقهم، وإذا لم يبعد هؤلاء اليهود عن الولايات المتحدة بنص دستورها، فغن سيلهم سيتدفق غليها في غضون مائة سنة، وسيتمكنون من أن يحكموا شعبنا ويدمروه، ويغيروا شكل الحكم الذي بذلنا في سبيله دماءنا، وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا، ولن تمر مائتا سنة حتى يكون مصير أحفادنا العمل في الحقول لإطعام اليهود، على حين يظل اليهود مسيطرين على المؤسسات المالية، وإذا لم يبعد الشعب الأمريكي اليهود نهائيا، فسوف يلعنهم أبناؤهم وأحفادهم في قبورهم، كما أن اليهود لن يمارسوا المثل الأمريكية العليا، ولو عاشوا بين الأمريكيين عشرة أجيال، لأن الفهد لا يستطيع إبدال جلده الأرقط.

إن اليهود خطر على أمريكا إذا سمح لهم بحرية الدخول، وسيقضون علىمؤسسات الأمريكية، وعليه يجب استبعادهم بنص الدستور.

إن ما جاء في هذا الخطاب في القرن الثامن عشر ينطبق تمام الانطباق على اليهود في هذه الأيام، فقد سيطروا على اقتصاد أمريكا وسياسة أمريكا، وقد حل بالشعب الأمريكي ما تنبأ به الزعيم الراحل بنجامين فرانكين [52].

و ما تخبئه الأيام لأمريكا من كيد اليهود أعظم وأعظم، وكما قال الشاعر العربي قديما:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا

ويأتيك بالأخبار من لم تزود‍!

أو كما قال الشاعر الآخر‍‍‍‍:

أمرتهم وأمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد‍!

أمريكا و إسرائيل

إن إسرائيل لم تقم ألى أي حق أو منطق، من الدين أو الخلق أو التاريخ، أو الشريعة، فهي دخيلة على المنطقة، غريبة عنها، وإنما فرضت نفسها، بالعنف والدم والحديد والنار، مستغلة ضعف العرب والمسلمين، وتفرقهم، ومستندة إلى قوة الاستعمار ومساندته، ولا سيما أن دول الاستعمار تدين بالمسيحية التي تؤمن بما في كتب اليهود وأسفارهم على ما فيها من تحريف وتناقض.

فالغرب في الحقيقة هو صانع إسرائيل، وممدها بالمال والسلاح، كما في غرب أوروبا وأمريكا، أو بالرجال كا في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا.

و لو لا المليارات الدائمة والمستمرة من الغرب، ولو لا المساعدات المالية الأمريكية، والمعونات العسكرية الأمريكية، والتأييدات السياسية الأمريكية، المتمثلة أوضح ما تكون في الفيتو الأمريكي، ما قامت إسرائيل، ولا استمرت بعد قيامها.

و آخر ما شاهدناه في هذه المسرحية المأساة أو الملهاة هو موقف أمريكا من نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وتخصيص (100) مائة مليون دولار لذلك، وتعليل البرلمان الأمريكي ذلك بعلل واهية مردودة، نقدها الصحفي المعروف أحمد يوسف القرعي في صحيفة “الأهرام” القاهرية، فقال:

لم يكن قرار مجلس النواب الأمريكي الصادر في (10 يونيو) الماضي إلا مجرد إجراء تشريعي ضمن إجراءات أخرى في برنامج زمني محدد لعملية تمويل بناء السفارة ونقلها.

وقد أورد قانون الكونجرس خطوات هذا البرنامج مشفوعة بعدد من المزاعم والادعاءات التاريخية والقانونية والسياسية بشأن عروبة القدس، ويعجب المرء كيف يجرؤ مجلس تشريعي لدولة كبرى أن في متن قوانينه مثل هذه الافتراءات.

و بعد المغلطة التاريخية التي وقع في شراكها الكونجرس الأول في الفقرة الأولى من الديباجة بشأن حق اختيار عاصمتها، بالرغم من أن القدس أرض محتلة وتخضع لقانون الحرب.

و بعد ما أكد الكونجرس جهله بالتاريخ في الفقرتين الثانية والثالثة عندما زعم أنه ومنذ عام (1950 م) كانت مدينة القدس -ولا تزال- عاصمة لدولة إسرائيل دون ان يحدد أية قدس مقصودة.

بعد هذا وذاك يفاجئنا قانون الكونجرس في الفقرات التالية (من 4 إلى 8) من الديباجة بادعاءات دينية باطلة من الأفضل تذكير القارىء بها:

4-أن مدينة القدس هي مركز الروحي لليهودية، وتعتبر أيضا مدينة لكل معتنق الأديان!.

5-أنه منذ عام (1948 م) وحتى عام (1967 م) كانت تحت القدس مدينة مقسمة، وكان المواطنون الإسرائيليون من كل المعتقدات، بالإضافة إلى المواطنين اليهود من كل الدول لا يسمح لهم بالدخول إلىالأماكن المقدسة، التي كانت تحت سيطرة الأردن.

6-أنه ومنذ عاة (1967 م) تمت إعادة توحيد مدينة القدس أثناء صراع ما عرف بحرب الأيام الستة!.

7-أن ومنذ عام (1967 م) كانت القدس -ولا تزال- مدينة موحدة تديرها إسرائيل التي تكفل الحقوق الكاملة للجميع من الأديان المختلفة، لدخول الأماكن المقدسة داخل المدينة!

8-أن هذا العام (1995 م) يعتبر العام الثامن والعشرين على التوالي الذي يشهد أن القدس كانت - ولا تزال- تدار كمدينة موحدة وتحترم وتؤمن فيها حرية الجميع من الأديان المختلفة!.

و الكونجرس بمثل هذه الادعاءات والافتراءات جعل منالقدس المركز الروحي لليهودية دون سواها من الأديان السماوية، وجعل من إسرائيل حمى الأماكن المقدسة، وحامية حريات دخول معتنقي الأديان المختلفة.

و لا شك أن وقائع الاحتلال الإسرائيلي للقدس وطوال ثلاثة عقود (1967 -1997 م) كافية للرد على مغالطات الكونجرس التي أوردها وكأنها نتائج مسلم بها.

ونسجل هنا أكثر الوقائع خطورة لكي يدرك أعضاء الكنجرس كم هم منحازون إلى ادعاءات ومزاعم وأساطير إسرائيل:

و تبدأ أكثر الوقائع خطورة بمحاولة إحراق إسرائيل للمسجد الأقصى في (12 أغسطس سنة 1969 م)، ولم تكن هذه المحاولة إلا بداية مخطط عاجل وآخر آجل، لهدم المسجد الأقصى، فقد سبق المحاولة بدء الحفريات العميقة تحت المسجد وحوله، بزعم البحث عن آثار هيكل سليمان المندثرة منذ ألفي سنة، وإقامة نفق سياحي، كما سبق المحاولة البدء في مصادرة وهدم ونسف عقارات الأوقاف الإسلامية الملاصقة للمسجد الأقصى.

و مما يدل دلالة قاطعة على وجود مخطط عاجل وآخر آجل لهدم المسجد الأقصى هو: تساؤل صحيفة “هارتس” الإسرائيلية في (28 مارس سنة 1982 م): هل أصبحت مسألة هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة مسألة وقت فقط؟ وجاء في مقال الصحيفة: “ إن الحكومة الإسرائيلية تختيىء وراء الحركات الدينية المتطرفة لتحقيق أهدافها في نسف قبة الصخرة وإقامة الهيكل الثالث على انقاضها”. طرحت الصحيفة الإسرائيلية هذا التسائل أثناء حكم الليكود، وأشارت إلى أن مناحم بيجن كان قد وعد المتدينين -لدى تسليمه رئاسةالحكومة الإسرائيلية في مايو سنة (1977 م)- بأن يحقق لهم مطلبهم بأقامة الهيكل الثالث على جبل البيت أو الهيكل، وهو الموقع الذي يقوم عليه الحرم القدسي الشريف.

ولم يكن وعد بيجن وعدا شخصيا بقدر ما كان وعدا من كل مؤسسات الحكومة الإسرائيلية، لتهويد القدس وطمس مقدساتها الإسلامية، ومنح المتطرفين اليهود كل فرصة لتدنيس هذه المقدسات. وعلى سبيل المثال يكفي الإشارة إلى الحكم الصادر من محكمة العدل الإسرائيلية العليا بتاريخ (23 سبتمبر سنة 1993 م)، بإعلان الملكية اليهودية على منطقة الحرم القدسي الشريف، وذلك لإفساح المجال أمام اليهود لدخول حرم المسجد ومنع أي أعمال تقوم بها إدارة الأوقاف في ساحات الحرم القدسي الشريف، من ترميم وزراعة أشجار، وإقامة إحتفالات دينية، وكانت جماعة “ ‘مناء جبل الهيكل” أسعد الجماعات اليهودية المتطرفة بحكم المحكمة، إذ أصبحت هذه الحركة المتطرفة هي الوحيدة على الحرم القدسي الشريف.

حدث هذا سنوات حكم حزب العمل الإسرائيلي مما يدل -أيضا- على لعبة الأدوار فيما بين رؤساء إسرائيل العشرة إبتداء من ابن جوريون وحتى نيتانياهو، الذي استهل حكمه بتشريع عملية نفق المسجد الأقصى، وافتتحه في (سبتمبر سنة 1996 م)مستفزا بذلك مشاعر العرب والمسلمين، ومتحديا نداءات الرأي العام العالمي لخطورة افتتاح النفق على أساسات المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

تلك مجرد وقائع صارخة من ممارسات إسرائيل العديدة والمتنوعة لانتهاك حرمة المقدسات الإسلامية وأيضا المسيحية.

والكونجرس الأمريكي عندما يتناسى كل هذا، ويكرر ادعاءات ومزاعم إسرائيل في قوانينه وقراراته، يزج بنفسه -كما قلنا- دون أن يدري، في معركة عقائديه على جبهة إسلامية مسيحية واسعة، يشهد لها التاريخ أن أعلى مراتب التسامح الديني قد ازدهرت في القدس طوال 14 قرنا من الزمان، تحت ظلال السيادة العربية الإسلامية [53].

لقد كشفت أمريكا القناع عند اوتها لأمة الإسلام، وحقها التاريخي في القدس الشريف،كما أعلنت بوضوح ووجه مكشوف عن انحيازها الكامل والسافر لإسرائيل، ودعاوي إسرائيل، وافتراءات إسرائيل، واعتداءات إسرائيل.

في حين وقفت ضد ليبيا، وضد العراق، وضد باكستان، وضد كل من تسول له نفسه إن يقول لأمريكا: لم؟ دعك من أن يقول: لا!.

فلنعرف ذلك لأمريكا، وليعرف ذلك الذين يعتبرونها -إلى اليوم- البلد الصديق، والذين لا يزالون يعتبرونها راعية السلام.

إنها حقا راعية السلام بمعنى واحد محدد، وهو سلام إسرائيل وحدها من كل مقاومة أو منافسة، ومن كل سوء يمسها ظاهرا أو باطنا!.

فلا تهنوا وتدعوا إلى السلمو أنتم الأعلون

منذ كنا طلابا في المرحلة الإبتدائية بالأزهر الشريف، ونحن مشغولون بقضية المسلمين الأولى، قضية أرض النبوات والمقدسات، أرض فلسطين.

وكان مما أكد اهتمامي بهذه القضية: أني انتسبت مبكرا إلى مدرسة رجل كانت هذه القضية من أكبر شواغله، وفي مقدمة اهتماماتها، تلك هي مدرسة حسن البنا الذي كان من الرواد الذين نوروا العقول، وألهبوا العواطف، من أجل فلسطين والمسجد الأقصى.

كنا نسير المظاهرات الصاخبة، ونلقي الخطب النالية، وننشىء القصائد الحماسية، لإلهاب المشاعر، وتحريك الشعوب، وتجنيد القوى والطاقات من أجل فلسطين، وخصوصا في الثاني من نوفمبر من كل عام: ذكرى وعد (بلفور) الذي قيل فيه: من لا يملك وعد من لا يستحق!!

وقد علق على هذا الوعد الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين بقوله: إن فلسطين ليست وطنا بغير شعب حتى تستقبل شعبا بغير وطن!!

وحينما فتح باب التطوع سنة 1948 م،بادرنا إلى التدريب من جهة، وإلى تعبئة مشاعر الجماهير من جهة أخرى، وذهب من اخواننا وزملائنا إلى ارض المعركة من ذهب، واستشهد من ادخر الله له الشهادة، وسيق الى المعتقل من كتب الله له الحياة، وشهدنا اندحار الجيوش العربية السبعة أمام عصابات اليهود، بخيانات الخائنين، وتآمر امتآمرين.

إسرائيل المزعومة!

وهكذا قدر لجيلنا أن يشهد سلسلة دامية الحلقات من المآسي، في قضية فلسطين.

شهدنا قرار التقسيم سنة 1947، الذي رفضناه بالإجماع، لأن أحدا لا يقبل تقسيم داره بينه وبين غاصب ظالم. ثم تمنينا لو قبلنا ما رفضناه بعد أن جرى ما جرى.

ثم شهدنا قيام دولة (إسرائيل) في 15/5/1948، وإخراج مئات الألوف من أبناء فلسطين من ديارهم، وتشريدهم في الأرض.

شهدنا قيام دولة (إسرائيل) التي ظللنا سنوات عدة نطلق عليها اسم (إسرائيل المزعومة) ثم خجلنا من أنفسنا، حين كانت هذه المزعومة تصول وتجول على كل الجبهات، ولا نملك نحن إلا الشجب والشكوى إلى مجلس الأمن! فحذفنا وصف (المزعومة) بعد أن أوشكنا أن نكون نحن (المزعومين)!!.

شهدنا النكبتين الكبيرتين: النكبة الأولى سنة 1948، والنكبة الثانية 1967، التي احتلت بها إسرائيل ما بقي من فلسطين: الضفة الغربية بما فيها القدس، وغزة، إضافة الى سيناء والجولان وجنوب لبنان.

فصل جديد في المأساة

ولكن قضاء الله لهذه الأمة، أنها لا تموت، وأنها أمة ولود لا تزال تنجب الأبطال، الذين لا يدعون الراية تسقط أبدا، فقامت حركات النضال و الجهاد لتحرير الأرض المقدسة، التي بارك الله فيها للعالمين، ابتداء من (فتح) إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقامت (الانتفاضة) التي بهرت العالم، وزلزلت إسرائيل، وما ذلك إلا لأنها انتفاضة إسلامية، كانت منطلقاتها المساجد، ورايتها المصاحف، وشعاراتها: لا اله الا الله، والله اكبر؛ونشيد أشبالها:خيبر، خيبر، يا يهود، جيش محمد سوف يعود!!.

ولكن ها نحن اليوم نشهد فصلاجديدا، لم يكن ليخطر لنا على بال، قلب كل الموازين، ونقض كل القواعد، وغير كل الثوابت التي أصبحنا وامسينا عليها نصف قرن من الزمان، ونشأنا على ذلك أطفالنا، وربينا عليه شبابنا، فشب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير: أن إسرائيل خطر عسكري وسياسي وديني واقتصادي وثقافي، وصنفت في ذلك مؤلفات، وأنشئت لذلك مراكز ومؤسسات، وعقد له ندوات ومؤتمرات.

وكم بدأنا وأعدنا في حقنا في الأرض كل الأرض، وأن العدوان لا يكسب المعتدي شرعية، وما قام على الباطل فهو باطل. الخ. ثم تخاذل المتخاذلون، فإذا هم يرضون بالواقع بعد عدوان 5/6/1967 م وإذا هم يبنون سياستهم على مجرد إزالة آثار العدوان، والرضا بالعودة إلى حدود ما قبل 5 يونيو 1967 م أي أن العدوان الجديد كأنما أضفى الشريعة على العدوان القديم! عدوان (1967 م) أنسى عدوان(1948 م). ثم زاد الطين بلة -كما يقولون- فرضي من رضي بمجرد حكم ذاتي تحت سلطان إسرائيل!!.

ثم انتهى المطاف إلى ما شهدناه اليوم من قبول الدون، والقرار الهون: من تجزئة الحل، وإسقاط القدس، والتنازل عن جزء من دار الإسلام لغاصبة، والسكوت عن حق الملايين الثلاثة أو الأربعة في العودة إلى ديارهم المغصوبة، ومد يد المصافحة إلى أبطال دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغيرها. كل هذا في المقابل 2% من مجموع أرض فلسطين، على نحو ما قال العربي قديما: إذا مالم تكن إبل فمعزى!!.

أنا أعلم أن الشعوب قد تأتي عليها ساعات توقع فيها على هدنة او صلح وهي كارهة مرغمة، بعد اندحارها في حرب لا تملك بعدها إلا التسليم. كما فعلت اليابان بعد ضربها بالقنابل الذرية، وكما فعلت إلمانيا بعد هزيمة هتلر.

و لكن أن يستسلم الفارس، وهو شاهر سيفه، حامل رمحه، ممتط جواده، وأن يعتبر استسلامه لعدو مجدا وفتحا يحسب له، ويغبظ عليه، ويعد تنازله عن جزء من وطنه مكسبا، ويطالب الحناجر أن تهتف باسمه، والأيدي ان تصفق له. فهذا مالم نعهده في تاريخ الأبطال والفرسان إلا حين يستحيل الفارس إلى دمية، والفرس إلى حمار، والسيف إلى عكاز!.

إشفاق على أبنائنا

إنني أشفق على أبنائنا وشبابنا الذين حفظناهم أناشيد الجهاد، وإغاني العودة وعلقنا قلوبهم وعيونهم بالمسجد الأقصى، وقبة الصخرة، ومسرى الرسول، وأولى القبلتين، وصببنا في عقولهم وضمائرهم ووجدانهم كراهية بني صهيون وظلم إسرائيل التي قامت على اغتصاب الأرض، وانتهاك العرض، وتشريد الأهل.

فإذا بنا -ما بين عشية وضحاها- نشطب هذا كله، وننسخه بجرة قلم، ليصبح العدو صديقا، والاغتصاب مشروعا، والعدوان مقبولا، مع أن الوطن لم يتحرر، والمشرد لم يعد إلى أرضه؛ والأقصى لم يزل أسيرا، فكأننا نقول لهذا الجيل المسكين: لا تصدقونا فيما كنا نقول لكم، إن الذي كنا نسميه بالأمس جهادا وبطولة ونضالا أصبح اليوم عنفا وإرهابا، والذي كنا نسميه سفاحا غدا اليوم شريفا.

لا يوجد شيء ثابت عندنا، كل ما كان حقا يمكن أن يكون باطلا، افتحوا النوافذ لتهب عليكم نسمات إسرائيل، وافتحوا الأبواب عليكم بضائع إسرائيل، وبنات إسرائيل أيضا، و“إيدز” إسرائيل!!.

حفل التوقيع البائس

لقد أكد رابين عشية سفره إلى واشنطن للتوقيع على الاتفاق المزعوم للسلام ستظل عاصمة لإسرائيل، وللشعب اليهودي إلى الأبد، وأن العلم الفلسطينيين لن يخفق فوقها يوما من الأيام!! وهو بهذا يبلغ رسالة إلى الفلسطينيين يؤكد فيها أحد الثوابت التي لا تقبل التغيير، أو التعديل في السياسة الإسرائيلية، فعلى الفلسطينيين أن ينسوا قضية القدس، ويشطبوها من خريطتهم.. وأكد ذلك في حفل التوقيع حين قال امام العالم: نحن قادمون من القدس، العاصمة التاريخية والأبدية للشعب اليهودي!!.

و لقد ذكر أبو عمار، وأبو مازن في كلمتيهما: أنهما يأملان أن تحل المشكلات الصعبة لامعلقة في المرحلة القادمة، وهي: مشكلات القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود، فإذا كانت هذه هي المشكلات المعلقة، فما المشكلات التي تم حلها إذن؟!.

الفرق بين رجلين وكلمتين

و الحق اني كنت أتابع حفل التوقيع الذي يرونه عرسا، ولا أرى فيه إلا مأتما!.

كنت أقارن بين الموقفين وبين الكلمتين: موقف عرفات ورابين، وكلمتيها، فأجد -وا أسفاه- فرقا شاسعا.

كان موقف رابين موقف المتفضل المتنازل، وموقف الممتن الشاكر! حتى إنه ختم كلمته بتكرار كلمة: شكرا (بالإنجليزية) ثلاث مرات!.

لم ينس رابين أن يتحدث عن تاريخهم القديم والحديث، وكفاحهم الطويل، وشهدائهم وضحاياهم، تمهيدا لحديثه عن السلام، واستشهد بالتوراة، وذكر فقرات من (سفر الجامعة)، ودعا إلى الصلاة من أجل السلام، ولم يكن هم عرفات إلا المديح والشكر والعرفان، فلم يلتفت إلى شيء من قبيل ما ذكره رابين، ولم يستشهد بآية من القرآن، ولم يجر على لسانه كلمة واحدة عن الإسلام! ولم يذكر المسجد الأقصى بعبارة واحدة!!.

انتهز رابين الفرصة، وعلم أن العالم كله يشاهده ويستمع إلى كلمته، فضمنها ما يدعم قضيته، ويحشد عواطف العالم معه، فتحدث -و هو القاتل- بلهجة الضحية، وبدا -وهو الظالم- في صورة المظلوم [54]!.

كان رابين صارم التقاطيع، متهجم الوجه، وكان عرفات ضاحك الوجه، صدقا أو تظاهرا، ولا أدري علام يضحك؟ إن كانت الظروف أرغمته على هذا الاتفاق الرخيص-فقد كان الواجب أن يبكي، فإن لم يجد بكاء تباكى! أو بدا على الأقل كما بدا خصمه.

لقد عرف تاريخ العمل الفلسطيني من قبل (أيلولا أسود) واليوم نراه (أيلولا آخر) أشد سوادا!.

سلام السراب أو سراب السلام

في معرض الكتاب بالدوحة في شهر ديسمبر سنة 1992 م، وفي أمسية شعرية ألقيت قصيدة عن (سلام السراب أو سراب السلام) عبرت بها نحو مشاعري عن مسيرة السلام المزعومة، قلت فيها:

يا عجبـا لمن يجـري
وراء سرابـه النفســي

يظــن لـه به ريــا

ويرجـع افـرغ الكـأس

يفـرط في دم الشهـداء

يـا للعــار و البـؤس!

يبيـع الأرض و التاريخ

بالأرخـص مـن فلـس!

بحكم في حمى صهيـون

يـاللثمــن البخــس!

فلا دولتـــه قامــت

ولا أبقــى على النفـس

وضاع جهـاد قرن كامل

دفنـوه فــي الرمــس

جهـود كلهــا ذهبـت

“كأن لم تغــن بالأمس”!

فما معنــى فلسطين

بلا أقصـى ولا قـدس؟!

فلسطين بـلا قـدس

كجثمـان بـــلا رأس!


و كنا نحسب الحكم الذاتي في حمى صهيون -ألذي أنكرناه وعارضناه- يمهد لدولة فيما بقي من فلسطين فإذا الجمل يتمخض لا عن فأر، بل عن صرصور يسمى (السلطة الفلسطينية). فأين حق الفلسطينيين في إقامتهم دولتهم المستقلة على تراب وطنهم الحر؟.

إنه الوهن

إنه (الوهن النفسي) الذي حذر منه النبي(ص)، الأمة في فترات (الغثائية) من تاريخها، حين قال: “و لينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”. رواه أحمد وأبو داود.

وهو الذي حذر منه القرآن بقوله: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعملكم (35)} [محمد: 35]، {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجعون من الله ما لا يرجعون} [النساء: 104] فالمتاعب مشتركة، والمعاناة لنا ولهم. ولكن فرق بين من بعاني في سبيل الله والحق والعدل، ومن يعاني في سبيل الطاغوت والباطل والظلم!

إننا لا نزايد على الفلسطينيين، لسنا ملكيين أكثر من الملك كما يقال، ولكن هناك حقائق يجب أن تعرف وتذكر وتؤكد، وهي:

1-إن الفلسطينيين لم يؤخذ رأيهم في هذا الأمر الجلل الذي غير ثوابتهم، ونقض تاريخهم، فلم تعقد لذلك مؤتمرات، ولا دعى المجلس الوطني الفلسطيني (السلطة العليا للفلسطينيين).

2-إن فصائل عديدة وكبيرة.إسلامية ووطنية- من الفلسطينيين رافضة لهذا الحل، بل الانقلاب المفاجىء، وتراه استسلاما لا سلاما، وتنازلا عن حقوق ضخمة في غير مقابل.

وشخصيات كبييرة رفضت التوقيع على هذا الهوان، منهم أعضاء في الجنة التنفيذية، مثل فاروق قدومي الذي قال: لا أوقع على شهادة وفاة قضية فلسطين!، ومنهم أعضاء استقالوا مثل عبد الله الحوراني الذي قال بالحرف الواحد:

إني أرى هذا الاتفاق تنازلا عن حقوقنا الوطنية والتاريخية، وقرارات مجالسنا الوطنية: في العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتثبيتا للاستيطان، وتجاوزا للحقوق الإنسان الفلسطيني، واتفاقية جنيف الرابعة، وإسقاطا لحقنا نحن الأربعة الملايين لاجىء فلسطيني في العودة الى وطننا، وفق قرار الأمم المتحدة رقم (194) لعام (1949 م) لأنه يتجتهل ذلك تماما. الخ.

ما قال، وما أبلغ وأصدق ما قال.

3-إن فلسطين-ليست ملك الفلسطينيين وحدهم، والقدس ليست قدسهم وحدهم، والأقصى ليس أقصاهم وحدهم، إنها ملك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وليست ملك هذا الجيل وحده، بل ملك الأجيال الإسلامية إلى أن تقوم الساعة. فإذا وهن الفلسطينيون أو طائفة منهم لما أصابهم من لأواء وضعفوا واستكانوا، فواجب المسلمين في كل مكان أن يهبوا لإنقاذ القدس، فريضة من الله. والذي انقض الله على يديه القدس قديما، لم يكن فلسطينيا ولا عربيا، بل كان بطلا إسلاميا كردي الأصل، عربه الإسلام.

4-إن المعركة بيننا وبين بني صهيون مستمرة، نقاتلهم ويقاتلوننا، حتى تأتي المعركة الفاصلة التي نبأنا بها من لا ينطق عن الهوى، وهي التي يكون كل شيء فيها معنا ضد يهود، حتى الشجر والحجر، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: “تقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم، حتى يختبىء أحدهم وراء الحجر، فيقول الحجر: يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله”!!.

وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي (ص) “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد اللهّ هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود”.

5-إن الرباط مستمر، و الجهاد ماض، في أرض النبوات، ومسرى الرسول الكريم، حتى يأذن الله وحده بالنصر، وينجز وعده.

روى الأمام أحمد في المسند، والطبراني بسند رجاله ثقات عن أبي أمامة أن رسول الله (ص) قال: “لاتزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم -إلا ما أصابهم من لأواء.أي من أذى) حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. قيل: يا رسول الله، واين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس”.

لماذا سارعت إسرائيل إلى الاتفاق؟

إن إسرائيل قد سارعت بإقامة هذا الاتفاق لتحديد أمور ثلاثة تهمها:

الأول: ضرب الصحوة الإسلامية في فلسطين وفي العالم العربي، بل في العالم الإسلامي، وقد كشفوا عن ذلك في كلماتهم حين تحدثوا عن قلقهم من تنامي خطر الأصولية الإسلامية [55]، وقد قال بيريز في زيارته للهند: إننا نضع أيدينا في أيديكم للوقوف في وجه الأصولية الإسلامية المتشددة، أي في قضية كشمير وجامو.

و قد نقلت وكالة رويتر بعيد الانفاق: حديثا لمسؤول إسرائيلي قال فيه: إننا لو تباطأنا عن هذا الاتفاق فقد نفاجا بعد ثلاث سنوات أو أربع بقوة غسلامية تملك صواريخ بعيدة المدى، وربما تملك القنبلة النووية.

و إسرائي تريد ان تكون هي القوة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك الصواريخ، وتحتفظ وحدها بترسانتها النووية.

الثاني: الاختراق الإسرائيلي للعالم العربين ثم العالم الإسلامي كله، ليصبح سوقا مفتوحة لبضائعها، ومصنوعاتها، ولغزو خبرائها، وغزو نسائها أيضا.

فإسرائيل -كما قال بيريز- تبحث عن الثروة والقوة، فإذا ألغيت المقاطعة وكسر الحاجز النفسي، فتح الطريق أمام إسرائيل، لتكسب على كل صعيد.

الثالث: الأمل في ان يتصارع الفلسطينيون فيما بينهم ما بين مؤيدين للاتفاق منتفعين من ورائه، ومعارضين له، رافضين له شكلا ومضمونا، وأن يتحاوروا بينهم بلغة السلاح، لا بالألسنة والأقلام. وبذلك يصفي بعضهم بعضا، وإسرائيل تتفرج مشرقة الأسارير!.

الصحوة الإسلامية لن تموت

و نود أن نقول لإسرائيل: أن الصحوة الإسلامية لن تموت بغذن الله، وأن الأصولية ستزاد قوة وإصرارا، كلما هاجمتها القوى المعادية للسلام.

و علينا أن نوعي قومنا بما يدبر لهم، حتى يقفوا كما وقفالشعب المصري من قبل ضد التطبيع، وعلينا كذلك: ان نناشد أخوتنا الفلسطينيين ان يتقوا الله في أنفسهم، وأن يحذروا من أي قطرة دم تراق على أيدي فئة منهم، وألا يكونوا سياط عذاب في يد إسرائيل -تجلد بها ظهر الانتفاضة المؤمنة- ما دام المسجد الأقصى أسيرا، والملايين مشردين.

دعوة لعلماء المسلمين

ثم إتي أدعو الأحرار من علماء المسلمين، ودعاة الإسلام، ومفكريه: أن يسارعوا بالاجتماع ويتنادوا لإنقاذ الأقصى، وليقولوا كلمتهم فيما يجري من أحداث، وقد قالوها من قبل منفردين، فليقولوها اليوم مجتمعين.

توصيات

نحن المسلمين دعاة سلام، ولسنا هواة حرب، ولكنا نخوض الحرب مستميتين للدفاع عن أنفسنا وكياننا ومقدساتنا، لأن حربنا عندئذ في سبيل الله، وهذا شأن أهل الأيمان أبدا {الذين ءامنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت} [النساء:76].

وإذا انتهى اللقاء بيننا وبين خصومنا بغير معركة كما في غزوة الخندق كان تعليق القرآن: {وكفى الله المؤمنين القتال} [الأحزاب: 25]، وقرآننا يقول بعد ضرورة الالتجاء إلى القتال: {وإن جنحوا للسلم فانجح لها وتوكل على الله} [الأنفال: 61].

ولكن إسرائيل لم تجنح للسلم يوما، لأن هذا ضد طبيعتها وتكوينها، وكيف يجنح للسلم من قام كيانه على الدم والعنف والاغتصاب والعدوان؟ وهي تعمل اليوم جاهدة لتفريغ القدس من أهلها مسلمين ومسيحيين، لتملأها بالمستوطنين القادمين من الغرب والشرق.

ومن هنا كانت مسامة المعتدين مرفوضة دينا وخلقا وقانونا وعرفا، فلا يفل الحديد الا الحديد، وما اغتصب بالقوة،لا يرد إلا بلقوة وفي ضوء ذلك نوصي بما يلي:

1-يجب أن تعود “ثورة المساجد” التي سميت بعد ذلك “الانتفاضة”, والتي أجبرت إسرائيل على الاعتراف بمنظمة التحرير، وساقتها الى الجلوس معها للتفاوض، وأن تعود بأقوىمما كانت، مسنودة من جميع الفلسطينيين، سلطة وشعبا، ومؤيدة من جميع العرب، وجميع المسلمين، وجميع الأحرار والشرفاء في العالم.

إن (إسرائيل) هي الإرهابي الأكبر في العالم. إنه ارهاب الدولة، أو دولة الارهاب.إنهاالدولة التي قننت الظلم قننت الظلم والتعذيب، وهدم البيوت، وانتهاك حقوق الأفراد والأسر.

والسبيل الوحيد للشعب الفلسطيني هو (المقاومة).

ومن حق كل شعب أن يقاوم المحتل الغاصب، بكل ما يستطيع من قوة.

وإذا كان (مناحم بيجن) قدرفع شعار: أنا أحارب إذن أنا موجود!! فأن الشيخ أحمد ياسين رفع شعارا مضادا: أنا اقاوم،اذن أنا موجود!! وسيغلب حق (أحمد ياسين) باطل (مناحم بيجن).

2-يجب رفض ما سمي “التطبيع” مع إسرائيل، على كل صعيد، سياسيا، أو اقتتصاديا، أو اجتماعيا، أو ثقافيا، فلا يجوز التبادل الدبلوماسي مع إسرائيل، ولا التعامل الاقتصادي مع إسرائيل، ولا فتح مكاتب لإسرائيل، ولا يحل لمسلم السفر إلى إسرائيل، ولو بدعوى الصلوة في “المسجد الأقصى”، فأنما يشد المسلم رحاله إلى هذا المسجد حينما يتحرر من سلطان اليهود.

يجب أن نرفض اختراق العقل العربي والإسلامي بأي صورة، وأن نقاوم غزو (الإسرائيليات الجديدة) لثقافتنا الإسلامية والعربية، وأن نتمسك بهويتنا خالصة لا تشوبها شائبة.

3-يجب إعادة “المقاطعة” الاقتصادية لإسرائيل، واستمرارهاحية فعالة، وتوسعيها لتكون مقاطعة عربية اسلامية، فلا يحل لمسلم أن يبيع لها أو يشتري منها، وهذا واجب الدول الإسلامية، وواجب الأفراد المسلمين، ويجب على كل مسلم أن يعلم أن أي دينار أو درهم أو جنيه أو ريال، يذهب إلى إسرائيل يتحول إلى صاروخ أو قنبلة أو رصاصة تقتلنا بها أو تهددنا بها إسرائيل، بل يجب أن تتسع هذه المقاطعة لتشمل كل من يساند إسرائيل، وخصؤصا أمريكا التي تقف بكل قوتها مع إسرائيل، ويجب على المسلمين كافة: مقاطعة البضائع الأمريكية، ابتداء بالطائرات ومرورا بالسيارات، وانتهاء بالهامبرجر والبيتزا والكولا والسجائر ونحوها.

4 -يجب أن يعلوا العربوالمسلمون على خلافاتهم، وينسوا معاركهم الجانبية، ويقف صفا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فالمعركة كبيرة، لا يجوز أن تشغلنا عنها النزاعات الصغيرة، وقد قال الشاعر:

إن المصائب يجمعنا المصابين!.

فكيف بأم المصائب: إسرائيل وغطرستها وإستكبارها في الأرض؟!

وقد قال تعالى: {إن الله يحب الذين يقتلون في سبيله صفا كأنهم بنين مرصوص (4)} [الصف: 4].

يجب أن نقاوم كل محاولة لتمزيق الأمة أكثر مما هي ممزقة، وأن نسعي إلى توحيد الكلمة في ضوء كلمة التوحيد، فأن لم نستطع الإرتقاء إلى أفق التوحيد، فلنسعى إلى التقريب، وذلك أضعف الأيمان.

لا مجال لإثارة الخلافات الدينية: سنة وشيعة، ولا الخلافات العرقية: عرب وأكراد، أو عرب وبربر، ولا الخلافات الأيديولوجية: يمين ويسار، ولا الخلافات الطبقية: أغنياء وفقراء.

ويجب أن نركز على مقاومة الخلاف بين الفصائل الفلسطينية بعضها وبعض، فالجميع في خندق واحد، هو مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني.

وما أروع ما قال الشيخ أحمد ياسين في قطر: إذا قاتلتنا السلطة الفلسطينية فلن نقاتلها، وإذا آذتنا فلن نرد السيئة بمثلها، سنكون كخير ابني آدم حين قال له أخوه: لأقتلنك، قال: {لإن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العلمين (28)} [المائدة: 28].

5-يجب أن نعلن بوضوح “إسلامية المعركة” فالقدس ليست مجرد شأن فلسطيني، بل ولا مجرد شأن عربي، بل هي شأن إسلامي.

ولهذا نرفض ما يردد أحيانا من أن الفلسطينيين هم أصحاب الشأن، ولا ينبغي أن نكون ملكيين أكثر من الملك، فالقدس شأن الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ولو أن الفلسطينيين تخاذلوا وسلموا في شأنها، لوجب على مسلمي العالم أن يرفض ذلك، ويقاوم الفلسطينيين أنفسهم، وكما لا يجوز أن يقال: إن مكة والكعبة والمسجد الحرام هي شأن سعودي، لايخص سائر المسلمين، فكذلك يقال عن القدس الشريف والمسجد الاقصى.

6-يجب أن نسعي لتأسيس “هيئة إسلامية شعبية عالمية” من أجل إنقاذ القدس، فلو كان لنا خلفة مبايع من المسلمين، يجسد وحدتهم، ويقود أمتهم -كما كان عليه حال الأمة أكثر من ثلاثة عشر قرنا- لنادى في المسلمين: أن هبوا لتحرير الأقصى، ولاستجاب الملايين لندائه، وأقبلوا بكثافة ليواجهوا قوة إسرائيل، وأسلحة إسرائيل، ولتقتل منهم ألوفا أو عشرات الألوف، ولكنها لن تستطيع أن تقتل كل المجاهدين، وتواجه كل المسلمين.

فإذا لم تكن لدينا خلافة تملك حق التوجيه والأمر، فليكن بديلنا عن ذلك “مؤتمر عالمي لعلماء المسلمين” يدعى إليه، بعيدا عن تأثير السياسات المحلية، والتوجيهات الرسمية، ليقول كلمته، ويرجه بيانه إلى الأمة، وينشىء هذه الهيئة العالمية المنشودة “هيئة إنقاذ الأقصى”.

7-و على هذه الهيئة أن تنشىء “صندوق القدس” صندوقاشعبيا إسلاميا عالميا، يساهم كل المسلمين -بل كل الأحرار الشرفاء- من أقصى الأرض وأدناها، بما يقدرون عليه، والقليل على القليل كثير، وذلك لإنقاذ القدس والمسجد الأقصى، ومواجهة خطط إسرائيل الجهنمية في إقامة المستوطنات، والترحيل الصامت لأهل القدس، والحفر المتواصل تحت المسجد المبارك، والتدمير المرتقب للمسجد الأقصى.

نتوجه بهذه التوصيات إلى كل الفلسطينيين: سلطة ومعارضةوإلى كل العرب: مسلمين ومسيحيين، وإلى كل المسلمين: عربا وعجما، وإلى كل الشرفاء والمنصفين، وأعداء البغي في الشرق والغرب، ليساندونا في معركتنا العادلة، وليقفوا مع قوة الحق، لا مع حق القوة.

وإن الحق لمنصور ولو بعد حين. وقد قال تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}.

للمزيد عن جهود الإخوان تجاه فلسطين وحرب 1948م

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو

أقرأ-أيضًا.png
مرشدو الإخوان والقضية الفلسطينية
الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد حامد أبو النصر والقضية الفلسطينية

الأستاذ مصطفي مشهور والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد المأمون الهضيبي والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

تابع الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

الدكتور محمد بديع والقضية الفلسطينية