إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

الإخوان المسلمين في حرب فلسطين

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
الإخوان المسلمين في حرب فلسطين


بقلم / الأستاذ كامل الشريف


محتويات

مقدمةالطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين }

{ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأمثال نضربها للناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين }

صدق الله العظيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد المجاهدين وعلى آله وأصحابه والداعين بدعوته إلى يوم الدين وبعد .

فإن هزيمة العرب والمسلمين أمام اليهود في فلسطين ليست من الحوادث الهينة التي يستوعبها كتاب واحد وإن أسبابها وإن كانت واضحة ‎لمن يسر الله له سبل الحق وأنار بصيرته وبصره مازالت مشكلة يستعصي فهمها على الكثيرين .

ولست أزعم أنني أوفيت هذا الموضوع حقه لكنني أحمد الله عز وجل أن أتاح لي الفرصة وجعل لي فضل السبق فكان هذا الكتاب هو أول كتاب يتصدى للحرب الفلسطينية ويكشف الكثير من أسرارها ويمزق الحجب عن أخطاء فاحشة أريد لها أن تظل مخبوءة إلى أبد الآبدين .

ولقد تنبأت في الطبعة الأولى حين توقعت اعتداءات يقوم بها اليهود ولم تمهلني الأيام كثيراً على قرب ما بين الطبعتين حتى سمعنا كثيراً عن الاعتداءات التي راح ضحيتها ألوف من العباد الآمنين .

وها نحن أولاء نوالي إرسال هذه النذر ونشير إلى العدوان الأكبر وقد أهل علينا ولفحت وجوهنا ناره ويوشك أن يحل بأوطاننا فيدمر علينا حضارتنا وينغص علينا حاضرنا ومستقبلنا .

إن خطر الدولة اليهودية الدخيلة يزداد وضوحاً كل يوم ومما يعزينا أن الشعوب العربية والإسلامية أصبحت أكثر اقتناعاً بخطر هذا العدو الماكر وأكثر استعداداً لمكافحته واستئصال شأفته ولم يعد ينقصها إلا توضيح الطريق القويم وإزالة الشبهات التي تخيم على مداخل السبيل المستقيم .

ماذا أعدت الحكومات العربية ؟

ماذا فعلت الحكومات العربية لمواجهة هذا الخطر المتزايد ؟

إن كل عدوان يقع من جانب اليهود وكل خطوة جريئة نحو تثبيت دعائم الدولة وتوسيع رقعتها نقابلها باحتجاج إلى هيئة الأمم وتكون احتجاجاتنا مرة شديدة اللهجة ومرة خفيفتها حسب عدوان اليهود ومدى خطورة أعمالهم .

جفف اليهود بحيرة الحولة وسيستفيدون من خصوبة أرضها بدون حق وسيتحكمون في مصير الجيش السوري لو أراد التقدم خطوة واحدة للأمام .

ونقل اليهود عاصمة دولتهم إلى القدس غير مبالين باحتجاجات الدول العربية ولا قرارات مجلس الأمن ولن يسمح اليهود ببقاء جيش أردني يقاسمهم المدينة المقدسة ويدور حول عاصمتهم بمواقعه في ( بيت لحم ) ( والخليل ) .

واعتدى اليهود عشرات المرات على مواقع الجيش المصري ومعسكرات اللاجئين في غزة لتدمير قوة المصريين المعنوية وإقناعهم أن السلامة في الصلح مع إسرائيل .

فماذا فعلنا إزاء هذا الاستهتار الواضح ؟ ملأنا ملفات الأمم المتحدة|هيئة الأمم باحتجاجات شديدة اللهجة حتى لم يبق فيها متسع لمزيد !

هذا عبث لا طائل وراءه وهزل جعل منا أمثولة المتندرين وأضحوكة الضاحكين .


واجبنا نحو الأرض المقدسة :


إن واجبنا كعرب وكمسلمين يدفعنا للعمل على استرداد الأرض المقدسة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وأرض الإسراء والمعراج والتربة التي تحوى بين طياتها جموعاً متلاحقة من شهداء الإسلام وأبطاله .

وحتى إذا تركنا ناحية الإسلام جانبا كما يريد دعاة الوطنية المحدودة أولئك الذين لا يفكرون في أمر إلا من خلال نظرتهم لمصلحة أوطانهم المجردة إننا نجد هذه الحقيقة مائلة أمام أعيننا وهي أن بقاء إسرائيل خطر يهدد الأقطار المجاورة لها وأن دفاعنا عن فلسطين يعتبر في الوقت نفسه دفاعا عن مصر و |سوريا و الأردن والحجاز .

إن مصلحة الإسلام ومصلحة العروبة ومصلحة الوطنية المحدودة تلتقي كلها في مكافحة اليهود والقضاء عليهم وتخليص الإنسانية من شرورهم ومكائدهم .

هل ينكر إلا مكابر جاحد أن اليهود يسيل لعابهم كلما ذكروا (سيناء ) المصرية ؟ إنهم يعتبرونها بقعة مقدسة ويعملون جاهدين لضمها إلى دولتهم بكل وسيلة فهي الأرض التي تاه فيها أسلافهم أربعين عاما وهي الأرض التي ناجى فيها موسى ربه وشهدت نزول الألواح والوصايا وهي الأرض التي حمتهم من طغيان الفراعنة أيتركونها وهي لا تقل في نظرهم قدسية عن فلسطين إن لم تزد ؟.

هذا إلى جانب أهميتها الاستراتيجية وقيامها كدرع صخري منيع يقف في وجه مصر ويتحكم كقلعة راسخة في البحرين الأبيض والأحمر ويقع بين قارات ثلاث أفريقيا وآسيا ولا يبعد كثيراً عن أوربا يضاف إلى ذلك كله خصوبة أرضها وامتلاؤها بالمعادن والخامات اللازمة للنهضة الصناعية الإسرائيلية وهل ينكر أحد أن اليهود يعملون منذ الآن لاستخلاص بقية المدينة المقدسة من يد الجيش الأردني وطرد هذا الجيش نهائيا من فلسطين ليتم لهم احتلال البقاع المقدسة وتدمير المسجد الأقصى ليقوم على أنقاضه هيكل سليمان الموعود .!

وما يقال عن مصر و الأردن يقال عن |سوريا و لبنان وأطماع اليهود فيهما معروفة غير منكورة فهل هذا الخطر يمكن السكوت عليه ؟ وهل هذا عدو يمكن مجابهته بهذه الوسائل المخزية الهزيلة ؟

الهزيمة الماضية :

يجب أن نتخلص من ظلال الهزيمة الماضية وألا نذكر منها إلا الدروس والعبر وأن ندرك تماما أن هذه الهزيمة لم تقع نتيجة لتفوق اليهود من الناحية العسكرية لقد وقعت لأننا كنا نحمل عواملها معنا من أول يوم بدأنا فيه حربنا مع اليهود فإن فساد نظم الحكم القائمة في العالم العربي وما طبعت عليه من طغيان وغفلة أمات النخوة في الشعوب وقتل فيها معالم الرجولة وخلفها قطعاناً هائمة لا يجمعها هدف ولا توجد بينها غاية وتركها تتخبط في دياجير من الظلمات يستحيل معها معرفة الحقائق ووضوح الأهداف والوسائل الموصلة إليها وكان من نتائج ذلك ضعف الجيوش العربية وانعدام الروح المعنوية فيها وضعف دربتها واستعدادها .

واختلاف الدول العربية بعضها مع بعض اختلافا نتج عنه اصطدام الخطط ووجود ثغرات نفذ منها العدو المتربص .

كل هذه المصائب كانت كافية لإيقاع الهزيمة فإذا جاءت بعد ذلك السياسية اليهودية وقوة تأثيرها على الدول الكبرى والمحافل الدولية ثم تفوق اليهود في القيادات العسكرية التي استغلت ما في يدها من قوة محدودة استغلالاً يشهد لها بالبراعة والمقدرة حين ظهر فشل قادتنا العسكرية في استغلال قواتنا الكبيرة استغلالاً سليماً كافياً فكان مثلنا ومثلهم كمثل متوسط الحال الذي يحسن استغلال ثروته ولا يضيع المليم إلا في المكان المناسب ومثل الغنى السفيه الذي يبعثر ماله يمينا وشمالا فلا تظهر عليه آثار النعمة ثم ينتهي به الحال إلى الإفلاس والخراب .

إذا علمنا ذلك كله وربطنا المقدمات بالنتائج أمكننا أن نعرف أسباب الهزيمة وأن نحدد مواطن الداء العضال .

إلى العلاج :

إن المحور الذي تدور حوله أنواع الفساد كما تدور أسراب البعوض حول المستنقعات العفنة هو فساد نظم الحكم في العالم العربي وكل محاولة للكفاح والإصلاح قبل تقويم هذا الأساس هي في الحقيقة ضرب من العبث وإضاعة الجهد .

ونحن لا نريد أن ننافق مع المنافقين أو أن نأخذ مكاننا في صفوف المتملقين ونقول معهم : إن ((الحال عال )) ((وليس في الإمكان أبدع مما كان )) أو نحاول معالجة الأطراف البعيدة دون أن نضع أصابعنا على منابت الداء ومنابع الفساد .

إن إصلاح نظم الحكم في العالم العربي يجب أن يكون الهدف الأول الذي تتطلع إليه صفوف العاملين فإذا فرغوا من ذلك فما أهون الإصلاح وما أيسر البناء إنه يصبح حينئذ سهلاً ميسوراً .

إن النتيجة الطبيعية لإصلاح نظم الحكم هي قوة الشعوب وشعورها بالعزة والكرامة وإقبالها على التضحية والواجب وتوجيه جهدها وجهة صحيحة سليمة ومن وراء ذلك كله تكون قوة الجيوش وبناء المانع والأخذ بأسباب القوة و الجهاد .

خطوات لابد منها :

إن هذا الطريق الذي أوضحناه وأشرنا إلى مداخله قد يكون طويلاً وشاقاً ويلزم للشعوب كي تسير فيه وتنتظم على جوانبه كثير من الجهد والوقت وإن كل تأخير في مكافحة اليهود يكون في مصلحتهم دون ريب ويتيح لهم الفرص لمواصلة الإعداد ويدفعهم للتوسع على حساب العرب قبل أن تتغلب حركات الإصلاح في دولهم ويصبح من العسير إحراز كسب جديد .

وإذن فلابد من وسيلة يكون من شأنها عرقلة الاستعداد اليهودي وتعطيل حركات الإنشاء القائمة في إسرائيل ويكون ذلك كله تمهيدا للغزو الأكبر ولن يتأتى ذلك إلا بوسيلتين تسيران جنبا إلى جنب وهاتان الوسيلتان هما :

1- الحصار الاقتصادي .

2- حرب العصابات .

الحصار الاقتصادي :

إن أول ما يهتم به اليهود هو السيطرة على اقتصاديات الشرق العربي وأكثر ما يعنيهم من قيام إسرائيل هو تحويلها إلى مصرف كبير تسيل فيه وإليه أموال اليهود من جميع بقاع العالم ولذلك فإن مقاطعة البضائع اليهودية ومنع التهريب إلى إسرائيل يعتبر وسيلة حاسمة لتدمير خطط اليهود والقضاء على دولتهم .

إن الجامعة العربية تحاول هذه المحاولة لكن وسائلها الضعيفة لم تأت بالثمرة المرجوة وإن كانت الشعوب العربية بدافع من وطنيتها لم تتبادل التجارة مع إسرائيل حتى الآن بالطرق المباشرة فما لاشك فيه أن بضائع اليهود تدخل أسواقنا عن طريق الشركات الأجنبية الاستغلالية على أنها صناعة إنجليزية أو إيطالية وعن طريق هذه الشركات المنكودة يتم هذا التبادل وذلك شريان الحياة الذي يتدفق من دمائنا ليسيل في جسم هذا العدو المشلول والفضل أولاً وأخيراً لهذه الطائفة من الخواجات والمتمصرين الذين يأتون إلى ديارنا معدمين ثم يستغلون غفلتنا ليصبحوا أثرياء قادرين ثم يصل بهم الحال إلى معاونة خصومنا ونصرة أعدائنا ثم نجد بيننا من الحمقى من يصيحون في بلاهة (أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا)!

حرب العصابات :

حينما ساقتنا القوة الباطشة إلى المعتقلات عقب الحرب الفلسطينية كتبت عدة مذكرات للمسئولين في الجيش المصري ناديت فيها بوجوب تسخير القوة الشعبية الفلسطينية لإرهاق العدو وإرغامه على قتال طويل المدى بواسطة عصابات عربية صغيرة تنتشر في صحارى فلسطين فتدمر الجسور والطرق وتحرق المصانع والمعامل وتغير على المستعمرات الزراعية وتعمل يد التحريق والتدمير في مزروعاتها وآلاتها وتنشر الرعب والفزع في كل مدينة وقرية ومستعمرة وقلت : إن هذه الحالة لن تكلف كثيرا ولكنها كفيلة بتعطيل الجهاز الإنشائي في دولة إسرائيل وإرغام جيشها الكبير الذي تفرغ للتدريب والإعداد على حماية حدودها المترامية وعلى حراسة طرق المواصلات والمستعمرات والمصانع وغيرها من المراكز وفي ذلك ما فيه من إرهاق لميزانية الدولة وإشغال لهذه القوات إلى جانب الخسائر الهائلة التي يمكن أن تقع في الجنود والعتاد .

وقد كان مما يساعد على نجاح هذه الخطة أن الحرب كانت لا تزال قائمة والشعب الفلسطيني لا يزال يعيش في مناطق من فلسطين المحتلة وليست هناك حدود معترف بها بين إسرائيل والمناطق العربية من فلسطين كما أن الدول العربية كانت تستطيع في ذلك الحين أن تعلن أن الشعب الفلسطيني قد استرد حقه في تحرير وطنه بالوسائل التي يراها بعد فشل التدخل العربي الجماعي في تحقيق هذه النتيجة ولقد كنا نعتقد أن اشتعال الحرب التحريرية من جانب الفلسطينيين قد يغرى العدو بتكرار مهاجمة شبه جزيرة سيناء فقد نصحنا بضرورة تحصين هذه المناطق تحصينا قويا ولقد اقترحنا من أجل تحقيق هذه الغاية بناء مستعمرات زراعية على طول الحدود في المناطق التي يوجد فيها الماء والأراضي الزراعية الصالحة كما دعونا إلى إنشاء قوات للبادية من القبائل العربية وإعدادها لتؤدى دورا فعالا في عرقلة وإحباط أي هجوم متوقع من جانب العدو وناشدنا المسئولين في الحكومة السعدية القائمة أن يشجعوا المصريين على الهجرة إلى سيناء وتعميرها حتى لا تبقى هذه المناطق الحيوية فارغة مما يغرى المستعمر الصهيوني باحتلالها .

نعم صرخنا من وراء أسوار المعتقلات في مذكرات مكتوبة إلى المسئولين أن استمروا في الحرب وإذا كانت الظروف قد اضطرتكم لإنهاء الحرب النظامية هذه النهاية المؤسفة وخرجت جيوشكم مثخنة بجراح الهزيمة وبها شوق إلى الثأر والانتقام فأشعلوا حرب العصابات وهي كفيلة بتحقيق ما عجزت الجيوش النظامية عن تحقيقه وإن أمامكم كثيراً من الشواهد على نجاح هذه الوسيلة .

إن العصابات هي التي حررت يوغسلافيا وهي التي حررت فرنسا من الألمان وهي التي دمرت حكومة الصين الوطنية وهي التي حررت إندونيسيا المسلمة وهي التي لا تزال ترج الأرض تحت أقدام الملايو وتوشك أن تفرغ من فرنسا في الهند الصينية .

إن الوسيلة الوحيدة إرهاق إسرائيل وتدمير قواها واستنزاف ماء حياتها لن تكون إلا بحرب عصابات يقوم بها الشباب الفلسطيني الناقم المغبط الذي يتحرق شوقا لملاقاة أعدائه وتنغيص عيشهم كما نغصوا عليه حياته .

قلنا هذا الكلام في ذلك الحين ولكن حكومة الإرهاب كانت مشغولة بقتل ((حسن البنا )) والقضاء على فكرة الإسلام وحين مادت الأرض تحت ذلك العهد الأغبر واصلنا الكتابة والنصح ولكن هذا الجهد كله ذهب الى أدراج الرياح لدرجةأني أصبحت مقتنعا أنه لا خير يرجى في هذه الحكومات وليس هناك مفر من إعلان هذا الرأي ودعوة الجماعات الوطنية الشعبية في مصر وسائر البلاد العربية لتتعاون جميعا في هذا السبيل .

هذه هي الأسلحة الخطرة التي يمكن توجيهها إلى إسرائيل : الحصار الاقتصادي المنظم وحرب العصابات المنظمة القوية .

وإني إذ أصدرت هذه الطبعة الثانية من هذا الكتاب أشكر لحضرات القراء الكرام ذلك التشجيع الكبير الذي حبوني به عند صدور الطبعتين الأولى والثانية والذي حملته رسائلهم من مصر وسائر بلاد العروبة مما جعلني أزداد يقينا أن الكثرة الغالبة من شباب هذه الأمة لا تزال تولي قضية العروبة والإسلام في فلسطين ما تستحقه من اهتمام ورعاية .

ومادام هذا الصنف من المؤمنين يؤدى رسالته في بناء الأمة العربية الإسلامية الجديدة فإن عودة الأرض المقدسة إلى أحضان الإسلام باتت وشيكة الوقوع وإن طال المدى وكثرت تكاليف الجهاد وأعباؤه وكل آت قريب {ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا} .

المؤلف
القاهرة (27 فبراير 1951).


مقدمة الطبعة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلاة وسلاما على نبينا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

فإني قد ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذه الصفحات عن جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين مخافة أن يظن الناس أنى أقصد من وراء ذلك دعاية للإخوان أو تفاخراً بأعمالهم وجهادهم والإخوان بحمد الله أزهد الناس في الدعاية وأشدهم عزوفا عن الضجيج والإعلان ثم إن النتيجة العامة للحرب ليست مما يشجع أحداً على الفخر ببطولته مهما كان شجاعاً أو بجهاده مهما كان مخلصا في هذا الجهاد .

والناس من يلق خيرا قائلون له  ::: ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

وهذه الهزيمة التي منينا بها في فلسطين ليست هزيمة لطائفة دون أخرى ولكنها هزيمة تقع على الأمة العربية والإسلامية كلها ويشترك فيها الصغير والكبير وهذا الجيل والأجيال التي تليه والإخوان يحسون بهذه الهزيمة ويجترون مرارتها ولن يخفف من وقعها على أنفسهم أنهم أخلصوا النية في جهادهم وبذلوا أقصى ما يستطيعون من جهد ليحولوا دون وقوع الكارثة الرهيبة .

ولقد سردت الوقائع كما شهدتها من غير تزييف ولا مواربة ذلك لأنني أعتقد أن الهزائم هي الوسيلة للنصر وأن الذي لا يهزم لا يعرف كيف ينتصر وليس عيبا أن تهزم الشعوب ولكن العيب كل العيب أن تستنيم هذه الشعوب للهزيمة وتستسيغ الراحة و الدعة تحت ذكرياتها ونتائجها وكما أن معرفة الداء هي أول مراحل العلاج فإن معرفة الأخطاء هي أول مراحل النجاح ومن هنا حاولت أن أعالج ظروف الحرب الفلسطينية وأسباب الفشل قيها بشيء غير قليل من الصراحة وهو ما سيراه القارئ بارزا في كل جملة من هذه الصفحات فإن ضياع فلسطين وتشريد أهلها وهزيمة العرب والمسلمين فيها كل هذا عندي أهم بكثير من إرضاء حاكم أو قائد أو زعيم ولأني أريد أن أضع الحقائق المجردة على ما فيها من مرارة وقسوة بين يدي الجيل الجديد عساه يتخذ من هزائمنا جسرا يصل به إلى النصر الحاسم ومن أخطائنا وهفواتنا دروسا يستنير بها يوم يبدأ زحفه الميمون لتطهير الأرض المقدسة من أرجاس البشرية ونفايات الشعوب .

ولعل من حسن الحظ أن تصدر الطبعة الثانية من هذا الكتاب وقد بدأ الشعب يعرف حقيقة جهاد الإخوان وتضحياتهم في حرب فلسطين ويعرف أن الاضطهاد الذي وقع عليهم إنما قصد به إبعادهم عن ميادين الجهاد خدمة للصهيونية والاستعمار كما بدأ الشعب يحس أنه كان مخدوعا حين خضع لتأثير الدعاية التي دبرتها حكومة الطغيان وساهمت فيها الصحافة المغرضة بنصيب وافر والتي حاولت فيها أن تنال من هذا الجهاد البريء لتظهره للناس في صورة مظلمة على أنه بداية لحركة ثورية كبرى أريد بها إضرام حرب أهلية في مصر وإغراق شعبها الآمن في لجة من الدماء .

فإلى الجيل الجديد من الإخوان المسلمين حيث يتركز الأمل الباسم للإسلام وشعوبه و إلى المهاجرين من أهل فلسطين حيث يهيمون على وجوههم في انتظار ساعة الخلاص أهدى هذه الصفحات راجيا أن تنال القبول والله من وراء القصد وهو نعم النصير .

المؤلف
|القاهرة (18 مايو 1950).

1- فذلكة تاريخية

((إن بريطانيا إذا حكمت أمة مائة عام فإن سياستها تحكم بعدها مائة عام أخرى ))

فلسطين بلاد عربية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا تلك حقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ولكن أبت السياسة الإنجليزية الاستعمارية إلا أن تجعل منها قضية شائكة متشعبة وأن تجعل من شعبها البائس كبش الفداء أمام سلطان اليهود ونفوذهم ولن تجد مشكلة لعب فيها الاستعمار دوراً رئيسياً كهذه المشكلة ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا : إن بريطانيا هي التي خلقتها لتحقيق خطة مرسومة فالمعروف أن اليهود اضطروا في أواخر القرن الماضي من جراء المذابح الهمجية التي وقعت عليهم في عهود الطغيان إلى التفكير في إيجاد وطن قومي يحتمون بجنسيته ويكون ملاذاً لهم إن هبت عليهم العواصف وأصبحوا هدفا لطغيان جديد ولم تكن فلسطين هي هدفهم الأوحد لكنهم اختلفوا في تحديد الأرض التي يلجئون إليها وكانت فلسطين أحد المواطن التي فكروا فيها لما لهم بها من صلات تاريخية ترجع إلى آلاف السنين وكانوا يعلمون حقيقة الصعاب التي تعترضهم في الوصول لهذه الغاية ففلسطين في ذلك الحين كانت جزءا من أملاك الدولة العثمانية فوق ما تحتله من مكانة خاصة في نفوس العرب والمسلمين فحاولوا جس النبض في عاصمة آل عثمان وتوجه زعماؤهم إلى الباب العالي يلتمسون شراء بعض الأراضي واستثمارها غير أن السلطان قابلهم بجفاء وغلظة مما جعلهم ينصرفون عن التفكير في هذا الشأن حتى قامت الحرب العظمى في عام (1914 ) وتغيرت تبعا لنتائجها أوضاع كثيرة في العالم وورثت بريطانيا وحليفاتها تركة ( الرجل المريض ) بمقتضى (معاهدة سايكس بيكو) في سنة (1916) وآلت فلسطين إلى بريطانيا فوجدها اليهود فرصة سانحة وقاموا يعاودون السعي فلم يجدوا هذه المرة إعراضا ولا جفاء ولكن وجدوا تأييدا وعطفا شاملا مما أغراهم بمضاعفة الجهود والسير بالفكرة نحو التنفيذ .

كان هناك شبه اتفاق بين الحلفاء والجماعات اليهودية على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين واستطاعت الفكرة الصهيونية أن تكسب نصرا جديدا حين عمل بعض زعمائها أمام عصبة الأمم وترك للجنة منهم رسم الخطة التي تنتهجها دول الحلفاء لإبراز الفكرة إلى عالم الوجود ومن هنا جاء صك انتداب فلسطين ضربة قاصمة لآمال العرب ومشجعا لليهود على مواصلة الكفاح ويكفي لإبراز الشذوذ الذي كان يرافقه أن نثبت بعض ما جاء في نصوصه الرسمية فقد جاء في البند الثاني من ذلك الصك ما نصه :

((تكون الدولة المنتدبة (أي بريطانيا) مسئولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي )) وجاء في المادة الخامسة ما نصه :

((يعترف بهيئة يهودية صالحة كهيئة عمومية لتشير وتعاون في إدارة فلسطين في الشئون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك مما يؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين )).

ونلاحظ أن صك الانتداب قد حوى كل هذه الضمانات لليهود حين كان عددهم في فلسطين لا يكاد يتجاوز (6%) من مجموع عدد السكان ومما يؤكد تدخل الإنجليز ليخرج الصك على هذه الصورة الشاذة أن نصوصه لم تخرج في معناها عن الوعد المشهور الذي وجهه اللورد ((بلفور)) وزير خارجية بريطانيا في 2 نوفمبر سنة 1917) إلى البارون ((روتشيلد)) الزعيم الصهيوني الإنجليزي والذي جاء فيه :

((إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسنبذل جهدنا لتسهيل تحقيق هذه الغلبة على أن يفهم جليا أنه لم يؤت بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى)).

وواضح ما في هذا التصريح من تناقض عجيب فإن مجرد التفكير في إقامة وطن قومي لليهود يضر أبلغ الضرر ((بالطوائف غير اليهودية )) وهم أهل البلاد والغالبية العظمى من السكان .


2- بريطانيا تغرر بالعرب

((اليوم انتهت الحرب الصليبية))

مارشال اللنبى

حاولت بريطانيا تخدير العرب والتقليل من هذا الخطر فأصدرت عدة تصريحات تشير إلى أن الوطن القومي لا يعنى قيام حكومة يهودية وإنما لا يزيد على كونه وطنا روحيا لليهود تماما كالفاتيكان للمسيحيين أو مكة للمسلمين و((لإظهار مواهب اليهود الثقافية وتمكينهم من ممارسة حريتهم الدينية وأكدت في الكتاب الأبيض الذي أصدره المستر (باسفيلد ) وزير المستعمرات البريطانية في عام (1930) ((أنها لا ترمى إلى إنشاء حكومة يهودية لأن كل محاولة لتوسيع الوطن القومي إلى نقطة أبعد من تلك التي وصل إليها تعتبر خرقا للعهود المقطوعة للعرب )).

بيد أن هذه العهود الزائفة لم تمنع بريطانيا من السير في خطتها المرسومة وأخذت تضع الوسائل إنجاز المهمة التي انتدبت من أجلها في فلسطين فبدأـ بتعيين إدارة إنجليزية أغلب موظفيها من اليهود أو من الإنجليز الذين اشتهروا بعدائهم للعرب فعينت السير (هربرت صموئيل ) اليهودي مندوبا ساميا في فلسطين وعينت ( نورمن بنتويتش ) اليهودي نائبا عاما للحكومة وتركت له سن التشريعات والقوانين التي تسير عليها الإدارة وملأت المناصب الكبرى بالموظفين اليهود ثم فتحت باب الهجرة(المشروعة) على مصراعيه حتى زاد عدد اليهود أضعاف ما كان عليه قبل عهد الانتداب فبينما كان عددهم لا يزيد على خمسين ألف نسمة في عام 1916 وصل الرقم لأكثر من نصف مليون في عام (1940) ورغم هذا العدد الهائل الذي وصل بطريق الهجرة المشروعة فقد أخذوا ينظمون خطة واسعة لتهريب مئات الألوف من اليهود المقيمين في مختلف بلدان أوربا وكان المفروض أن ينتقل إلى فلسطين اليهود البؤساء الذين ضاقت بهم سبل العيش وذاقوا مرارة الحرمان في معتقلات النازية ولكن قلة تافهة من المهاجرين هي التي كان ينطبق عليها وصف المشردين أما الباقون فكانوا من الرجال الأشداء الذين حشدوا لغرض خاص وقد أوضح الجنرال ((مورجان)) رئيس منظمة ((الأونرا)) حقيقة الخبر حين قال : ((إن هؤلاء المهاجرين ليسوا مشردين ولا بؤساء وإنما يحشدون لمهمة سياسية لا تمت للإنسانية والإنقاذ بسبب من الأسباب )).

وكانت بريطانيا تتعلل أمام العرب بعجزها عن وقف تيار التهريب بينما كانت ناجحة أبلغ النجاح في منع أي عربي من دخول فلسطين متى دعت الضرورة إلى ذلك كما وقفت أمام الإخوان المسلمين مما سيأتي بيانه بعد حين وكانت حركة التهريب وإيواء اللاجئين تحتاج إلى أموال طائلة يعجز عن توفيرها يهود فلسطين بمفردهم فلم تدخر الحكومة البريطانية جهدا في تسهيل السبل أمام وفودهم ليطوفوا أنحاء العالم ويستحثوا إخوانهم من اليهود على بذل التبرعات الضخمة وكان هذا يحدث في بريطانيا نفسها وتتولى الحكومة مهمة نقل هذه الأموال وتسهيل وصولها وصرفها .

ولقد حاول العرب تقليد اليهود في هذه الحركة وطلبوا السماح لوفودهم بالطواف في بلدان العالم الإسلامي لجمع التبرعات والإعانات وصرفها في استنقاذ الأراضي وتنفيذ مشاريع الإصلاح ولكن السياسية المتقلبة كانت تضع في وجوههم كافة العراقيل وكمثال لذلك يكفي أن نذكر أن وفدا من المؤتمر الإسلامي العالمي الذي انعقد في القدس عام (1933) سافر إلى الهند ليتولى جمع التبرعات من مسلميها ولقى هناك إقبالا عظيما وترحيبا فائقا حتى أن نظام حيدر أباد تبرع بمليون روبية وتبرع مولانا طاهر سيف الدين ((سلطان البهرة)) بحوالي نصف المليون كما تبرع كثير من زعماء المسلمين وقادتهم بمبالغ كبيرة غير أن الحكومة فطنت لخطورة هذه الحركة فأرسلت إلى حاكم الهند العام بلاغا سريا تأمره بوقف هذا النشاط النشاط واتخاذ كل وسيلة لمنع تصدير هذه الأموال بحجة ((أن ذلك مخالف لسياسية حكومة جلالة الملك في فلسطين ))كما جاء في نصوص هذا البلاغ .

ولم تقف معونة بريطانيا عند حد تسهيل السبل أمام اللاجئين وتمويلهم بل عمدت إلى سن تشريعات وقوانين تكفل انتقال الأرض العربية إلى اليهود عن طريق الضرائب الباهظة التي أثقلت بها كاهل الفلاح العربي وعن طريق تنازلها لليهود عن الأملاك الأميرية ومعظم الأراضي البور حتى بلغ ما وقع في يد اليهود من جراء هذه الخطة حتى عام (1938) أكثر من (22) بالمائة من مجموع الأراضي بينما كانت أملاكها قبل الانتداب لا تزيد عن (3) بالمائة من مجموعها ورأى العرب أن أرضهم توشك أن تنقرض من جراء هذه السياسة الغاشمة فالتمسوا من الحكومة تخفيف ضرائب الأملاك ومراعاة الفارق بين مستوى الفلاح اليهودي والفلاح العربي سواء في ناحية المال أو الإنتاج ووضع قيود تكبل انتقال الأرض بهذه الصورة وبخاصة أن اليهود كانوا يدفعون مبالغ خيالية إذ كان المتر الواحد يصل في بعض المناطق إلى مئات الجنيهات ولكن الحكومة استمرت في طريقها المرسوم مما اضطر الشباب العربي إلى إعلان حركة إرهابية على السماسرة والبائعين وأدى ذلك إلى اغتيال عدد من الخونة .

وتعددت محاولات كثيرة لاغتيال عدد آخر لكنها فشلت وغادر أكثر السماسرة البلاد العربية المجاورة حيث لا يزالون يعيشون فيها عيشة بذخ وإسراف .

ولم يكن في وسع الشباب العربي أن يفعل غير هذا إذ لم تكن لديهم كما أسلفت وسائل التنظيم والتمويل ولم يكن إخوانهم في أقطار العروبة جادين في معونتهم رغم المشروعات التي اقترحت والمؤتمرات التي انعقدت وتمخضت كلها عن قرارات كثيرة ((خطيرة)) لم يكن أثر مطلقا إلا في عوالم الحبر والورق غير أن هذا الحركات الإرهابي رغم أنها لم توقف حركة البيع والسمسرة جاءت بالنتائج الوخيمة إذ خلفت وراءها جراحا عميقة وخصومات شديدة بين القبائل التي ينتمي إليها القاتلون والمقتولون وبذلك حقق الاستعمار هدفين من أهدافه فاستمر في نقل الأراضي العربية لليهود وطبق نظريته التقليدية العتيدة (فرق ... تسد) وهكذا انتقل كثير من الأرض العربية إلى اليهود والتنقل معها التفوق الكامل سواء في التجارة أو في الصناعة ففي الصناعة منحت حكومة الانتداب لليهود كثيراً من المشروعات الهامة كشركة الكهرباء الفلسطينية وشركات استغلال معادن البحر الميت وغيرها أما في التجارة فقد ابتدعت أسلوبا عجيبا في معاملة التجار العرب والتضييق عليهم ففرضت ضرائب باهظة على الوردات حتى تفتح الأسواق أمام الصناعات اليهودية المحلية .

على أن هذه السياسة المستترة لم تلبث أن وضحت وضوحا سافرا حين أخذت بريطانيا تدرب الشباب اليهودي على القتال وتفتح السبل أمامه لتشكيل الفرق واسترداد الأسلحة ثم تمكنه من الاستيلاء على مخازن السلاح ومواقع الدفاع المنيعة ولم تغادر أرض فلسطين إلا بعد أن اطمأنت إلى تسليح المستعمرات والقرى وتحصينها ثم كشفت القناع نهائيا عن وجهها البغيض حين أسلمت اليهود أمهات المدن والموانئ العربية .

3-العرب يدافعون عن حقوقهم

((إن أهداف الصهيونيين هي إبادة العرب جميعا وإقامة هيكل سليمان محل المسجد الأقصى))

دكتور ليدر ...رئيس اللجنة الصهيونية

ما كادت الحرب العامة الأولي تضع أوزارها حتى شملت البلاد العربية موجة من اليقظة والنشاط فقامت تطالب بحقوقها وتستنجز دول الحلفاء الوعود التي قطعتها على نفسها للشريف ((حسين)) عاهل الحجاز بمنح البلاد العربية استقلالها وإحياء مجد الوحدة العربية البائدة وكان العرب يظنون أن الطريق ممهدة أمامهم لنيل هذه الحقوق بعد ما أعلن الرئيس ((ولسن))مبادئه الأربعة عشر التي أكد فيها حرية الشعوب وحقها المقرر في تقرير مصيرها غير أن هذه الوعود والعهود لم تلبث أن تلاشت وعلم العرب أ نهم كانوا مخدوعين حين وقفوا في صفوف الحلفاء متأثرين بالدعايات الباطلة والوعود الكاذبة فسرت في البلاد العربية موجة من الحنق لم تلبث أن تحولت إلى عراك مسلح فنشبت الثورات الدامية في العراق والشام وغيرهما .

هذا البلاد العربية أما في فلسطين فقد كان الوضع أخطر من هذا بكثير إذ كان على عرب فلسطين أن ينازلوا عدوين كبيرين في ميدان واحد كان عليهم أن ينازلوا العدو البريطاني ممثلا في حكومة الانتداب وأن يحاربوا أهداف الصهيونية ربيبته وصنيعته وبصدور صك الانتداب ومن ورائه وعد ((بلفور)) شعر العرب بخطورة المؤامرة التي تدور حولهم فقاموا يدافعون عن حقوقهم بالقوة بعد أن يئسوا من نزاهة الضمير البريطانية ومن تذكيره بالعهود التي قطعها على نفسه وأصبحت فلسطين منذ ذلك الحين مسرحا لثورات دامية ومعارك عنيفة بين الثوار وقوات الاحتلال ولا تكاد الثورة تبلغ شدتها حتى يصدر الإنجليز وعدا جديدا ويأمروا بتأليف لجنة من رجالهم لدرس الحالة واتخاذ الوسائل التي تكفل حقوق العرب فتقف الثورات وتباشر اللجان أعمالها وتقدم تقاريرها وتكون النهاية وعدا جديدا يضم إلى الوعود التي سبقته بينما تستمر الحكومة في خطتها المرسومة من تقوية اليهود وتثبيت جذورهم حتى كان عام (1936) حين أعلن العرب فيه الإضراب الكبير الذي استمر ستة شهور طوال تعطلت فيها موافق البلاد ومداسها وجابت المظاهرات السلمية أنحاء البلاد مطالبة بوقف الهجرة وإقامة حكومة وطنية .

وحاول الإنجليز قمع هذه الحركة بالقوة فبدأ احتكاك بين الحكومة والشعب لم يلبث أن تحول إلى ثورة لاهبة واستعصم المجاهدون بالجبال الوعرة ومضوا يغيرون على قوافل الإنجليز ومعسكراتهم وقلقت بريطانيا لهذه الحالة قلقا شديدا فأخذت تبعث بفرق كبيرة من الجيش لتطارد المجاهدين في قمم الجبال وكانت هذه القوات مجهزة بأسلحة حديثة معززة بالطائرات والدبابات وبلغ قوادها إدارة العمليات الحربية ضد الثوار وهما على التوالي الجنرال ((سيرجون ديل )) والجنرال ((سيرارشبالد ويفل ))والأخير هو الذي سطع نجمه في مواجهة الهجمات النازية و الفاشية على مصر خلال الحرب العالمية الثانية وارتكب الإنجليز في هذه الفترة من الجرائم الوحشية ما يندى له الجبين فدمروا المنازل وأحرقوا القرى وتركوا المدن نهبا مباحا لجنودهم وأخذوا يسرقون الناس جماعات لأعواد المشانق ويفرضون أقصى العقوبات على من يشتركون في الثورة بطريق مباشر أو غير مباشر حتى إنهم كانوا يحكمون بالإعدام على من توجد في حوزته طلقة ذخيرة فارغة!

كل هذه الأساليب البربرية استعملتها بريطانيا في قهر الشعب الأعزل وصرفه عن حقوقه المشروعة غير أنها رأت أن هذه الأعمال لم تزد النار إلا اشتعال ولم تزد الشعب إلا تمسكا بحقوقه والدفاع عنها فعمدت إلى أسلوب جديد وطالبت ملوك العرب وأمراءهم نداءات للمجاهدين يطلبون فيها إنهاء الثورة ويعدون بالتدخل الحاسم لحفظ حقوق العرب المشروعة في فلسطين وانخدع العرب هذه المرة أيضا فأعلنوا نهاية الثورة وتألفت لجنة مشتركة لبثت في فلسطين فترة طويلة ثم قدمت تقريرها في عام (1937) ولم تكن هذه اللجنة بأحسن حظا من زميلاتها من اللجان السابقة لأن حكومة الانتداب كانت تنصرف حسب خطة مرسومة وتعمل لتحقيق الغرض الذي وجدت من أجله والذي حدده صك الانتداب وهو قيام دولة يهودية في فلسطين غير أن هذه اللجنة أشارت بتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين وكانت هذه المرة هي المرة الأولى التي أشير فيها بتقسيم فلسطين ولقد صمم عرب فلسطين على استنكار هذه المشروع وإحباط تنفيذه وشاركهم في ذلك حكومات العالم العربي وشعوبه غير أن الحكومة البريطانية أبدت ارتياحا لهذا المشروع وأظهر اليهود موافقتهم عليه كخطوة أولى لتحقيق الكبير ولم تلبث الاضطرابات أن عادت للظهور احتجاجا على مشروع التقسيم فاضطرت الحكومة البريطانية إلى التضييق على العرب والقيام بحركة اعتقالات واسعة لقادة الشعب وزعمائه وحاصرت الحرم الشريف الذي يقيم فيه المفتى وعزلته من منصبه كرئيس للمجلس الإسلامي الأعلى وأمام هذا الإرهاب العنيف لم يجد العرب بدا من مقاومة العدوان بمثله فاشتعلت الثورة واشتبك الفريقان مرة أخرى في عراك دام استمر إلى منتصف عام (1939) ثم توقف حين اشتعلت الحرب العالمية الثانية ورأوا تأجيل النظر في القضية حتى نهاية الحرب .

وبعد نهاية الحرب تجددت المشكلة من جديد وقام العرب يطالبون بريطانيا بإنهاء الانتداب البريطاني وإقامة حكم وطني يحقق للبلاد سيادتها واستقلالها وقام اليهود أيضاً يستنجزون بريطانيا وعودها ويضغطون عليها بمختلف الوسائل ليرغموها على تسليم البضاعة وظهر هذا الضغط بصورة إرهاب عنيف شنته العصابات اليهودية على قوات الاحتلال فاضطرت الحكومة الإنجليزية لإيفاد لجنة إنجليزية أمريكية بالاتفاق مع حكومة الولايات المتحدة لبحث المشكلة ووضع تقرير يتضمن وسيلة علاجها ولقد انتهت هذه اللجنة من سياجتها في عام (1947) وقدمت تقريرها الذي ارتأت فيه تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وظل هذا المشروع موضوع أخذ ورد حتى عرض على الأمم المتحدة التي أقرته بأغلبية (25) صوتا ضد (13) صوتا مع امتناع (17) عضوا عن الاقتراع ولقد حاول مندوبو العرب منع تنفيذ هذا المشروع بكل الوسائل وحملوا هيئة الأمم المتحدة مسئولية المتاعب التي ستنشأ عن تنفيذ هذا القرار وأعلنوا متضامنين أن حكوماتهم ستمنع تنفيذ هذا المشروع بكل وسيلة وما كاد قرار التقسيم يذاع على العالم في (29) نوفمبر من عام (1947) حتى انفجرت القنبلة إلى ساحة حرب عنيفة ولم يلبث هذا الانفجار أن أحدث تأثيره في العالم العربي فقامت شعوبه وهيئاته تطالب حكوماتها بالتدخل في الصراع القائم حتى تحفظ حقوق العرب في فلسطين .


4-فلسطين بين قوتين

{ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } ((قرآن كريم))

نحن الآن في شهر نوفمبر من عام (1947) والعالم كله يرقب باهتمام النتائج التي توشك أ، تتمخض عنها لجان فلسطين في مجلس الأمن والعالم العربي يمسك أنفاسه جزعا على مستقبل شقيقته الصغرى وكان الجميع بعلمون أن قرار التقسيم الذي يوشك أن يصدر سوف يحيل الأرض المقدسة مهد الرسالات والسلام إلى بركة من الدماء تتناثر حولها الجثث والأشلاء فاضت الصحف العربية بأنباء الاستعدادات العسكرية التي تجرى في فلسطين لخوض حرب عنيفة يتقرر فيها مصير الجنسين وكان اليهود يستعدون من زمن بعيد تحت ستار من الكتمان ساعدهم عليه امتلاكهم لمناطق برمتها لم يكن عربي يستطيع دخولها وكان زعماؤهم يقتصدون كثيرا في إصدار التصريحات الرنانة تاركين هذه المهمة لزعماء العرب الأماثل الذين كانوا يرسلون التصريحات العنيفة والتهديدات المرة كل من عاصمة حكمه بصورة كان من شأنها تحزب الرأي العالمي ووقوفه في صف اليهود الضعفاء وكانت خدمة عظمى قدمها زعماؤنا الأمجاد من حيث لا يشعرون ولكن رغم هذا التكتم كان من المعروف أن اليهود يملكون عدة منظمات عسكرية في فلسطين وبعض بلدان أوربا.

وكانت هذه المنظمات تزيد في مجموعها على الثمانين ألف جندي وقد شكلت على أساس حرب العصابات لتقاوم الهجمات العربية وكان أشهر هذه المنظمات جيش الهاجانا ((حرس المستعمرات )) الذي بدأ تشكيله إبان الحكم العثماني على هيئة نظام الخفراء وظل يكبر وينمو تحت رعاية الإنجليز حتى استطاع أن يكون جيشا منظما كامل التدريب والإعداد ولقد ساعده على استكمال تدريبه اشتراك بعض وحداته في حروب الصحراء خلال الحرب العالمية الثانية تحت اسم ((الفيلق اليهودي))فاستطاع أن يتدرب تدريبا عسكريا مشروعاً ويشاهد عن كثب تشكيلات الجيوش الكبيرة وتحركاتها وساعدته هذه الظروف كذلك على تهريب كمية كبيرة من العتاد وتخزينها في مقاطعات مجهولة من أرض فلسطين ولقد حاولت بريطانيا أن تدارى موقفها فقبلت تطوع عدد من الشباب العربي في جيوشهم ولكنها بدلا من أن تشركهم عملياً في الحرب كما صنعت مع اليهود إذا بها تشكل منهم مجموعات من ((الحمالين الذين يعملون في الخدمات العامة وراء الخطوط ! وكانت كل القوات العسكرية في فلسطين عام (1936) وحدث خلاف بين زعماء هذه الوحدات فنشأت عن ذلك جماعات متطرفة كانت تميل إلى العنف والإرهاب وهي التي عرفت فيما بعد باسم ((أرجون زفائى ليومي )) وجمعية ((اشترون )) الإرهابية وهذه الأخيرة وهي التي قامت بالدور الرئيسي في أعمال الإرهاب التي شنها اليهود على البريطانيين في أواخر حكمهم وهي العمال التي اعترف بها الدكتور (( حاييم وايزمان )) (( رئيس الجمهورية الإسرائيلية )) في كتاب أصدره أخيرا بعنوان (( الخطاء والتجارب )) والذي قال فيه بصراحة : إن مماطلة بريطانيا في تنفيذ وعودها لليهود هي التي أثارت الجماعات اليهودية ودفعتها للقيام بأعمال الإرهاب .

ومن الفرق التي شكلت في مطلع هذه الحرب فرقة (( البالمخ )) الفدائية وقد أنشئت على النمط الروسي وسلحت تسليحا حديثاً يتناسب والدور الرئيسي الذي أعدت له وجلبت لها من الخارج سيارات مصفحة من النوع الذي صلح للسير عبر الأرض الفلسطينية وكانت جميع القرى والمستعمرات اليهودية مقامة على أساس عسكري يناسب الدفاع والهجوم فكانت كلها محاطة بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام مليئة بالأسلحة والمعدات .

كانت هذه الاستعدادات تجرى تحت سمع الحكومة البريطانية وبصرها وهي التي كانت تولت تحصين المستعمرات وتسليحها وساعدت اليهود على إقامة مصانع الذخائر والأسلحة الصغيرة كتلك التي أقيمت في ((ناثانيا )) و(( الياجور )) وإلى مثل هذه المصانع كانت تهرب أجزاء السيارات و الدبابات من شتى بقاع العالم فتركت وتخبأ في الأماكن المعدة لهذا الغرض حتى إذا جاء الوقت المعلوم خرجت من مخابئها لتهاجم الجموع الشعبية شبه العزل .

هكذا كان الاستعداد اليهودي يجرى لحرب الإبادة التي عولوا على خوضها أما الجانب الآخر من طرفي الصراع فكان على النقيض تماما رغم الثورات المتلاحمة التي خاضها والتي اظهر فيها من ضروب البطولة ما قل نظيره في التاريخ فالشعب الفلسطيني ظل في (( حالة )) حرب مع الصهيونية وحليفتها بريطانيا منذ صدر (( وعد بلفور )) وفي الوقت الذي كان يهود العالم كله يؤيدون اليهود في فلسطين تأييدا إيجابيا ويمدونهم بالأسلحة والذخائر والكفاءات العسكرية كان الشعب العربي الفلسطيني يقف في الميدان وحده ينازل دسائس اليهود والاستعمار ولا يجد من أبناء العمومة في الأقطار العربية المجاورة أدنى عون أو مساعدة اللهم إلا تلك المواقف المسرحية لمندوبي العرب في المحافل الدولية !

ولقد ظل هذا النوع من الجهاد هو المسيطر على عقول زعماء العرب ورجالهم حتى بدأ الصراع فعلا ولا يزال هو المسيطر على عقولهم حتى اليوم وبعد أن ظهرت النتيجة الحتمية لذلك الصراع .

لذلك كله كان من طبيعي أن يبدأ القتال وليس هناك تكافؤ بين القوى المتحاربة ولقد أدرك الشعب الفلسطيني ذلك فقام ينظم نفسه بعد أن سبق السيف العذل فتشكلت في مطلع هذه الحرب عدة منظمات عسكرية أخذت تمارس التدريب على قدر ما تسمح به الحكومة الانتداب فتشكلت منظمة ((النجادة)) وتشكلت بعدها ((الفتوة))التي كان يشرف عليها الحزب العربي الفلسطيني وكانت جوالة ((الإخوان المسلمين )) مشكلة قبل ذلك بوقت قصير ولقد انخرط في صفوف هذه المنظمات ألوف من الشباب غير أن القيود التي فرضها الإنجليز على التسلح والتدريب وقفت حائلا دون إعدادها وتجهيزها فظلت مفككة لا يجمعها نظام ولا تربطها قيادة حتى بدأت المعركة وهذه الفرق لا تزال تدرب أعضاءها على السير في طابور منتظم ! ولم يكن في استطاعة الشعب الفلسطيني أن يقوم بأي عمل جدي نحو إعداد نفسه فإن القيود التي فرضتها حكومة الانتداب كانت لا تزال تمنع العرب من إحراز الأسلحة فضلا عن الظهور بها والتدريب على استعمالها وإذن فإنه من الظلم البين أ، يلام الشعب الفلسطيني على هذه التقصير المعيب ولكن اللوم كله يتركز في زعماء الجامعة العربية الذين شغلوا ا أنفسهم بمعالجة القضية عن طريق المحادثات والمفاوضات والاعتماد على الوعود البريطانية الكابة دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة العمل الجدي فيقيموا لهم معسكرات في الدول العربية التي تتمتع بشيء من الاستقلال ويتولوا تدريبهم على أيدي الضباط الأكفاء ليكونوا على استعداد للدفاع عن كيانهم إذا جد الجد وطويت أوراق المحادثات وأصبح الحكم للقوة المسلحة .

ومن الإنصاف للواقع أن نقرر أن زعماء الدول العربية قد فكروا أخيرا في سلوك هذا الطريق فقرروا في اجتماع ((عاليه)) في عام ((1947)) افتتاح معسكر على حدود سوريا وتكليف ا لهيئة العربية باختيار عدد من خيرة الشباب من مختلف الجهات ليتدربوا على أعمال العصابات والاضطلاع بالقيادات الصغيرة حتى إذا أتموا التدريب رجعوا إلى بلادهم ليدربوا غيرهم ويشرفوا على تنظيم حركة المقاومة في مناطقهم هذه الخطة كانت هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ فلسطين وقد فهمها زعماء العرب بعد فوات الوقت ورغم ذلك فإن الحكومة البريطانية لم تسمح بتنفيذها ووجهت مذكرة إلى الحكومات العربية تستنكر فيها هذا التصرف وتعتبره عملا عدائيا موجها إلى مصالحها في فلسطين فانكمشت دول الجامعة أما هذه المذكرة وماتت الخطة في مهدها وبدأ المعسكر يسرح الشباب الفلسطيني وظلت حركة المقاومة الوطنية تعتمد على جماعات من المحاربين لا تجمعهم خطة ولا قيادة .

وأرادت الجامعة أن تنظم الحركة في داخل البلاد فعينت الفريق ((طه الهاشمي باشا)) واللواء ((إسماعيل صفوت باشا)) يشاركهما عدد كبير من الضباط العراقيين والسوريين ومنحتهم سلطات واسعة وأموالا كبيرة ووكلت لهم مهمة التنظيم والتدريب ولكنهم لم يقوموا بعمل جدي لإنقاذ الموقف وبدلا من أن يعكفوا على تنظيم الجيش الداخلي في البلاد والتحكم في منابع القوة الدافقة والحماسة العنيفة في الشعب الفلسطيني أخذوا يجمعون عددا من المتطوعين من البلاد العربية وينفقون عليهم الأموال الباهظة ويجرون عليهم الرواتب الضخمة ونسى هؤلاء القادة ((العباقرة)) أن فلسطين لم تكن في ذلك الوقت في حاجة إلى رجل واحد من الخارج بقدر ما كانت محتاجة إلى عقول تنظم القوى الموزعة وتوجهها وجهة سليمة وحتى هذه السرايا التي أتعب القواد أنفسهم في إعدادها والإنفاق عليها لم تأت بالنتائج المطلوبة إذ كانت ضعيفة إلى أبعد الحدود في التدريب فوق أن أفرادها كانت تنقصهم الروح المعنوية العالية إذ كانت غالبيتهم من العمال المتعطلين الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم ووجدوا الجهاد فرصة سانحة للكسب فما كادوا يدخلون البلاد حتى تعددت حوادث السلب والنهب والتهجم على الأغراض والمتاجر .

اشتد إحساس العرب الفلسطينيين بخطورة الحالة وضعف أملهم كثيرا في الجامعة العربية ولجنتها العسكرية ومضوا يواصلون إعداد أنفسهم بأنفسهم فانهالت وفودهم على البلاد العربية تستجلب الأسلحة والذخائر وتعتمد على الهيئات الشعبية فيجمعها وشرائها وتشكلت قيادات محلية في فلسطين أخذت تباشر نشاطها في منطق مختلفة وكان أشهر القادة على الإطلاق الشهيد((عبد القادر الحسيني )) قائد منطقة القدس والشهيد ((حسن سلامة)) قائد المنطقة الوسطى )).

ولقد كان ((عبد القادر)) قائد عصابات ماهرا وحوادث النسف والتدمير التي قام بها في أحياء القدس اليهودية تشهد له رحمه الله بالبراعة والمقدرة في تنظيم الخطط وتنفيذها ولقد بلغ من قوة هذه الحركات ودقتها أن اعتقد الإنجليز واليهود أنها لا يمكن أن تكون عربية إطلاقا وأشاعوا أن القائمين بها ليسوا إلا متطوعين من الألمان واليوغسلاف ممن يشتركون في الحركات وسبق لهم الاشتراك في حروب كبرى وكنا جميعا نعلم أنها حركات عربية صرفة يقوم بها العرب المجاهدون ممن يشرف على تدريبيهم وتنظيمهم ((عبد القادر الحسيني)) وصحبه الأبرار .

ولازالت أذكر له تلك المعركة التي قادها عند ((كفار عصيون)) على طريق الخليل بيت لحم وكنت يومها في مدينة الخليل وشاهدت كيف استطاع عبد القادر الحسيني أن يحصر قوة يهودية مصفحة وظل يصليها نيرانا حامية بعد أن ضرب حولها حصارا لا فكاك منه حتى اضطرها إلى الاستسلام وكان عبد القادر يتفجر حيوية وحماسة ويعتقد أن هذه الانتصارات المدوية التي أحرزها هو يكاد يكون أعزل من السلاح سوف تشفع له عند أعضاء اللجنة العسكرية فتعطيه شيئا من المال الكثير الذي أخذته من الجامعةوشيئا من السلاح الذي جمع لها من كل بلاد العرب ولكن اللجنة العسكرية لم تشأ أن تسير على قول القائل :

يجود علينا الخيرون بمالهم  ::: ونحن بمال الخيرين نجود

فرفضت الدفع ثم قبلت الدفع وماطلت في التنفيذ ثم تمطت ونفذت وكان المبلغ (370) جنيها وتركوا لمقدرته وكفاءته مهمة توزيعها على ثلاثة آلاف جندي كانوا معه أما السلاح فقد نفضوا أيديهم منه وقد يكونون تركوا له شراء السلاح من هذا المبلغ أيضا.

وتردد ((عبد القادر )) على اللجنة في تنقلاتها بين مختلف العواصم حتى يئس منها وقدم تقريرا إلى الجامعة في ( 6 إبريل سنة 1948 ) يحملها فيه مسئولية ضياع فلسطين وكأنه قد شعر أنه أدى واجبه وأنذر إذ استشهد بطلا في معركة القسطل في ((8)) إبريل أي بعد يومين من إرسال تقريره ومضى ((عبد القادر )) البطل إلى ربه يشكو له عدوان اليهود وعدوان اللجنة العسكرية للجامعة العربية !

أما ((حسن سلامة)) فلم يكن أحسن حظا من صاحبه إذ عمل أقصى ما يستطيع للدفاع عن ((يافا))والمنطقة الوسطى وأدار عدة معارك رائعة في منطقة ((تل أبيب )) قبل أن يلاقى حتفه في معركة ((رأس العين)) وبموت هذين القائدين تدهورت المقاومة العربية وفقدت أهم عناصرها وهي القيادة وظلت اللجنة العسكرية وجامعتها العربية تغطان في نوم عميق لا تقطعه إلا أحلام النصر الحاسم والفوز المبين .

كانت هذه الفوضى ملحوظة في فلسطين خلال تلك الفترة وقد شاهدت آثارها بعيني وقت أن فرغ اليهود من إعداد أنفسهم وأخذوا يسيرون بفكرتهم نحو التنفيذ وكانت قواتهم المنظمة تتحكم فعلا في جبهات القتال وتقضى على حركات المقاومة في المدن والقرى واحدة تلو الأخرى ثم جاءت الجيوش العربية فقضت قضاء تاما على الشعب الفلسطيني ووصفته بالتجسس والخيانة والعمل لصالح الأعداء وكان ذلك بفعل دعايات الإنجليز واليهود .... وهكذا أخرج الشعب المكافح من مسرح الحرب وقضى عليه أن يظل بعيدا عن الميدان ويحرم حتى من حق الدفاع عن وجوده وكيانه !!!

5-الإخوان وقضية فلسطين

((إن كل أرض يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله هي جزء من وطننا له حرمته وقداسته والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره))

حسن البنا

لم يكن اهتمام الإخوان بقضية فلسطين وليد الحوادث الأخيرة التي أعقبت قرار التقسيم ولكنه سبق ذلك التاريخ بزمن طويل فالإخوان ((كهيئة إسلامية عالمية)) كانت تضع في برنامجها مهمة الدفاع عن القضايا الإسلامية في مختلف أنحاء المعمورة وكانت دورهم دائما موئلا للمجاهدين الأحرار من مختلف بلاد العروبة ومواطن الإسلام وكان لفلسطين دائما المقام الأوفى من عنايتهم واهتمامهم فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهي تحتل مكانا وسطا في البلاد العربية وضياعها يعزل العالم الإسلامي بضعه عن بعض ولو نجح اليهود في احتلالها لأصبحت دائما مباءة خطرة لعناصر الشر وبركانا زاخرا بالنار يزعزع أمن البلاد العربية وسلامها 0

وحين وضحت نيات السياسة البريطانية في فلسطين أخذ الإخوان يعقدون المؤتمرات تباعا ويبينون للشعوب والحكومات حقيقة هذا الخطر الذي يهدد كيانهم ومستقبلهم حتى نجحوا في إشراك العالم الإسلامي كله في هذه القضية وباتت قضية المسلمين والعرب لا قضية أهل فلسطين وحدهم وحين قامت القلاقل في فلسطين أخذوا يمدون المجاهدين بما يقع في أيديهم من مال وسلاح حتى كانت ثورة (1936) حين نجح عدد من شبابهم في التسلل إليها والاشتراك مع الثوار في جهادهم وبخاصة في مناطق الشمال حيث عملوا مع المجاهد العربي الكبير ((الشيخ عز الدين القسام)) وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذ الإخوان يعملون للقضية عملا إيجابيا فأرسلوا وفودا من دعاتهم وشبابهم يؤلبون العرب ويستحثونهم للكفاح ويتولى نفر منهم تدريب الشباب الفلسطيني تدريبا سريا ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد حتى أصبحت شعبهم ودورهم هي مراكز القيادة وساحات التدريب ولا يزال أهل فلسطين يحمدون للداعية الإسلامي ((سعيد رمضان)) مواقفه الكريمة وأثره البالغ في توجيه الشباب العربي وجهة خالصة ويذكرون بالفخار والإكبار جهود الأساتذة ((عبد الرحمن الساعاتي ؛ وعبد المعز عبد الستار ؛ وعبد العزيز أحمد )) وغيرهم من كرام الدعاة والمدربين وما كان لهم من حسن التوجيه وطيب الأثر .

ولقد أدرك اليهود ما ينطوي عليه هذا التدخل من خطر شديد على أهدافها وخططهم فقاموا ينشرون المقالات الطوال في صحف أوربا وأمريكا ويفعمونها بالتهم الخطيرة عن الإخوان المسلمين وحقيقة خطرهم على الولايات المتحدة وبريطانيا وكانوا يحاولون بذلك استعداء الحكومة الأمريكية لتقوم بعمل حاسم وسريع وتستأصل هذا الخطر الإسلامي الذي يهدد مصالحها بالزوال وليس أدل على ذلك من مقال كتبته فتاة صهيونية تدعى ((روث كاريف )) ونشرته لها جريدة ((الصنداى ميرور )) في مطلع عام (1948) ونقلته جريدة ((المصري )) لقرائها في حينه ونحن ننقل بدورنا أهم ما جاء به من التهم ليرى القارئ مدى النجاح الذي أحرزته الدعاية اليهودية حين أقنعت حكومات أوروبا بخطورة حركة الإخوان ودفعتها لمحاربتها بشده قالت الكاتبة في مقالها :

((إن الإخوان المسلمين يحاولون إقناع العرب بأنهم أسمى الشعوب على وجه البسيطة وأن الإسلام هو خير الأديان جميعا وأفضل قانون نحيا عليه الأرض كلها )).

ثم استطردت تصف خطورة حركة الإخوان إلى أن قالت :

(( والآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالاستعداد للمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط وأصبحوا يطلبون من كل مسلم ألا يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة فقد حان الوقت للشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه وأي رجال يتسترون وراء هذا الاسم الرومانتيكي الجذاب اسم ((الإخوان المسلمين )).

وقالت - وهذا هو بيت القصيد -:

((إن اليهود في فلسطين الآن هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين ولذلك كان اليهود الهدف الأساسي لعدوان الإخوان وقد قام أتباعهم بهدم أملاك اليهود ونهب أموالهم في كثير من مدن الشرق الأوسط ويعدون الآن العدة للاعتداء الدموي على اليهود في عدن والبحرين وقد هاجموا دور المفوضيات والقنصليات الأمريكية وطالبوا علنا بانسحاب الدول العربية من هيئة الأمم المتحدة )).

وبعد هجوم عنيف على سماحة المفتى الأكبر وعلى فضيلة الإمام الشهيد ختمت مقالها قائلة :

((وإذا كان المدافعون عن فلسطين -أي اليهود يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلى فلسطين لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجها لوجه وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة )).

(( وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب فإن أوروبا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي إذ واجهتها حركة فاشية نازية فقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية تمتد من شمالي أفريقيا إلى الباكستان ومن تركيا إلى المحيط الهندي )).

ولم يكن هذا المقال هو الأول من نوعه إذ دأبت الصحف على نشر مقالات مطواة من هذا النوع ولم يضيع الإخوان جهدهم في مناقشة هذه الأقوال إذ كانوا يعدون العدة لمناقشتها عمليا حين تلتحم الأسلحة ويبدأ دورها الرهيب فمضوا في خطتهم واستمرت وفودهم ودعاتهم يؤدون دورهم الجليل حتى تشكلت المنظمات العسكرية .

وحين تشكلت المنظمات العسكرية العربية وأخذت تمارس تدريبها قام خلاف بين قواد ((النجادة)) و((الفتوة)) وفطن الإخوان للخطر الكبير الذي ينطوي عليه هذا الخلاف فقاموا بمحاولات كثيرة للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة انتهت باختيار المجاهد الكبير ((الصاغ محمود لبيب )) وكيل الإخوان المسلمين حينئذ للشئون العسكرية منظما لهذه التشكيلات فقبل هذا العمل الجليل وسافر إلى فلسطين وأخذ يباشر تنفيذ برنامجه الحافل الذي أعده لتدريبها وتنظيمها ولكن لم تمض إلا فترة وجيزة حتى فطنت حكومة الانتداب إلى هذه المحاولة وفهمت أن الدعوة الإسلامية تريد أ، تزاحم لتحتل مكان القيادة في النضال المنتظر ومعنى ذلك بوضوح أن تنقلب خطط الإنجليز رأسا على عقب وتفشل سياستهم في فلسطين فقاموا بمطاردة دعاة الإخوان وشبابهم وأمر ((الصاغ محمود لبيب )) بمغادرة البلاد ولقد قدر لكاتب هذه الصفحات أن يشهد بنفسه ناحية من نواحي الإرهاق التي عاناها الإخوان في فلسطين خلال تلك الفترة القاسية .

هذا في فلسطين أما في مصر فقد كان دور الإخوان رئيسيا في تيسير الأمور على النحو الذي سارت عليه ويحذر بنا قبل أن نتكلم عن دور هم العسكري خلال الحرب أن نبين أثرهم البالغ في تهيئة الأمة لقبول فكرة الحرب إذ المعروف أن الجيش المصري لم يشترك في الحرب الفلسطينية إلا استجابة لرغبة الشعب وتمشيا مع إدارته تلك الإدارة التي ظهرت بوضوح في المظاهرات الكبرى التي قادها الإخوان وعمت أنحاء البلاد مطالبة الحكومة بالتدخل الحاسم للقضاء على الدولة الصهيونية الوليدة قبل أن تستقر أقدامها ويصلب عودها وكان إجماع الشعب على هذا الرأي إعلانا لروح جديدة أخذت تسرى في أوصاله بعد أن مزقه الاستعمار ونجح في قتل روح الجهاد في نفوس أبنائه وعلمه زعماؤه نوعا سقيما من الجهاد لا يتجاوز إلقاء خطب (عصماء) أو السير في مظاهرة عاتية تحطم واجهات المتاجر وتقلب عربات الترام وتصل إلى أقصاها من العنف والقوة حين تقذف وجوه رجال البوليس بالحجارة !

وكانت هذه الروح وليدة كفاح مرير دام عشرين عاما وثمرة جهاد متواصل لعوامل الضعف والانحلال لتحويل الشعب عن هذا الطريق الخاطئ وتهيئته تهيئة صحيحة لتحمل أعباء الجهاد المنتج والإقبال على تضحياته وتكاليفه ولقد وضحت هذه النتيجة بأجلى مظاهرها حين أصر الشعب كله على ضرورة العمل الإيجابي السريع لإنقاذ فلسطين والوقوف أمام أطماع الصهيونية ولو أدى ذلك إلى تدخل الجيش للمساهمة في القضاء على الدولة الآثمة ولقد ساعد الإخوان في تحقيق هدفهم هذا كثرة شعبهم التي امتدت في مدن القطر وقراه واجتمع فيها خلاصة شباب مصر المؤمن وكثرة خطبائهم ودعاتهم الذين كانوا يجوبون المدن والقرى داعين الناس إلى الجهاد الديني لإنقاذ الأرض المباركة من خصوم الإسلام الألداء فقامت في البلاد ثورة إسلامية عنيفة كان من ثمارها تلك الحشود الهائلة من شباب مصر التي كانت تتوجه لمراكز الدعوة وكلها شوق إلى القتال وتحرق للجهاد والاستشهاد ولن يستطيع مكابر أ، ينكر على الإخوان جهادهم في هذا السبيل أو يقلل من أهمية هذا الدور التمهيدي للحرب الذي قاموا به فنجحوا في تعبئة القوى الشعبية وتوجيهها وجهة صالحة ونجحوا في حمل الأمة على قبول فكرة الحرب بل والمطالبة بها في إصرار وعناد ووقوف الشعب كله بعد ذلك يؤيد جيشه المحارب ويتحمل في سبيل ذلك الكثير من الضغط والتضييق في حريته وأرزاقه 0 وأود أن أبين أن هذه النتيجة ليست بالأمر الهين الميسور إذ تقدم الدول المحاربة وساستها كثيراً من الجهد والمال في سبيل إقناع شعوبهم بالحرب وتهيئتهم لخوض صعابها والوقوف أمام مصائبها وويلاتها ويحدثنا التاريخ القريب كيف قام (هتلر) ليقنع الأمة الألمانية أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لألمانيا لتخليصها مما نزل بها من ظلم صارخ وما فرض عليها من قيود قاسية أملتها معاهدة (فرساي) وظل يؤجج نيران هذه الأحقاد فترة طويلة من الزمن وينفق في سبيل ذلك ملايين الجنيهات حتى أصبح كل فرد في ألمانيا يؤمن بالحرب وينادى بالاستعداد لها ولم تكن هذه الأموال والجهود لتنفق عبثا إذ ثبت أ، هذه العقيدة هي التي جعلت ألمانيا تقدم على محاربة دول العالم جميعها وتتقبل الهزائم بعزيمة وجلد وتظل تحارب بشجاعة رغم تفوق خصومها وانهيار حلفائها حتى آخر شبر من ((الأرض العزيزة )) كما كانوا يسمونها .

ولأهمية هذه الناحية في الحروب يجعل العدو أقصى تحطيم روح المقاومة في الشعب حتى ينقلب على كحكومته ويرغمها على الخروج من مسرح القتال وعدم المضي فيه كما في حدث في روسيا في إيطاليا في ختام الحرب العالمية الثانية حين ثار الشعب على حكومته بفعل الهزائم المتوالية واستغلال دعايات الحلفاء لها - كانت النتيجة تسليم إيطاليا واغتيال زعيمها والمحرك الأول لتلك الحرب ولعا هذا ما كان يرمى إليه اليهود من غاراتهم على القاهرة خلال الحرب الفلسطينية ولعلهم كانوا يأملون إضعاف روح المقاومة في الأمة نتيجة الغارات وما تحدثه من هدم وتدمير فتؤثر السلامة والابتعاد عن مسرح القتال .

غير أن تربية الإخوان وتعاليمهم لم تضع هباء إذ ظل الشعب حتى آخر مراحل القتال وما صاحبها من هزائم وانسحابات يتمتع بروح معنوية عالية بل رأيناه يعمد إلى القوة ليرغم الحكومة الضعيفة على عدم قبول الهدنة والتقيد بقرارات مجلس الأمن ومواصلة القتال في عنف وشدة ولا تزال هذه الروح تتألق في صفوفه حتى اليوم هذه الروح التي نأمل أن تواتيها الظروف مرة أخرى لتواصل الجهاد من جديد حتى تقوض أركان الدولة الباغية وتعيد لفلسطين المباركة عروبتها وإسلامها .

وبعد أن علمنا أثر هيئة الإخوان في تهيئة الشعب للحرب وبعد أن علمنا أهمية هذه النتيجة في الجولة الماضية وما يتبعها من جولات نستطيع أن نحكم على عظم الدور الذي لعبه الإخوان في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ الأمة الإسلامية .

والإخوان بعد ذلك لم يكونوا مبتكرين ولا مجددين حين أولوا هذه الناحية كل عنايتهم لأن الإسلام قد أولاها عظيم اهتمامه حين جاء ليثبت هذه المعاني في نفوس المسلمين ويوضح لهم الطريق الذي تسلكه الأمم الحية إن أرادت أن ترد حقا مغتصبا أو تذود عن حياضها بحد السيف وصدق الله العظيم { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس } { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما} .



6-العقبات في طريق الإخوان

{قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً } قرآن كريم لم تكن بريطانيا تجهل خطورة حركة الإخوان كدعوة إسلامية وأثرها على مصالح الاستعمار في مختلف بلاد الإسلام ولقد راع الإنجليز وزاد في مخاوفهم ما رأوه من إقبال الشباب على الجماعة وانتظامهم في سلكها حتى تجاوز عددهم مئات الألوف وتجاوزت فكرتهم حدود مصر إلى غيرها من مختلف بلاد العروبة ومواطن الإسلام حيث مناطق النفوذ البريطاني وحيث (( الأرض الطيبة )) التي حسبت بريطانيا أنها وقعت تحت يدها إلى قيام الساعة .

رأى الإنجليز ذلك ورأوا معه أن هذه الجماعة تنحو منحى جديدا في التنظيم والتكوين فهي تعتمد على تربية الشباب وتركيزهم لا على استغلالهم في تهريج حزبي رخيص وهي تجمع الشباب حول فكرة الإسلام ومبادئه القوية القويمة لا حول أشخاص كل بضاعتهم أنهم يحسنون التغرير بالجماهير البائسة وتسخيرها لخدمة أغراضهم ومصالحهم رأى الإنجليز هذا فأيقنوا أنهم أمام الخطر الذي يهدد مصالحهم بالزوال .

ورأيت الأحزاب أن سامرها قد انقضت سوقه وخلت إلا من بعض الوصوليين الذين المأجور الذي يقتات من صناعة المظاهرات والهتافات بحياة الزعامات الخاوية ولا يعلم له غاية يجاهد من أجلها ولا هدفا يعمل في سبيل تحقيقه .

رأت الأحزاب الرجعية ذلك فلم تتفق على أمر طول حياتها بقدر ما اتفقت على محاربة الإخوان ومكافحة دعوتهم واشتدت المعركة بين عوامل الهدم وعوامل البناء المعركة الأزلية بين قوى الخير وقوى الشر وهنا أيضا التقى الاستعمار والحزبية التقوا على محاربة فكرة الإسلام وإطفاء نور دعوته حتى يعم الظلام من جديد وفي الظلام يستطيع الاستعمار أ، ينهب قوة الشعب ويسلبه عصارة حياته وفي الظلام يستطيع الزعماء الحزبيون أن يضللوا الشعب ويبقوا فوق عروش القيادة وحشود الشعب البائس تحملهم على أكتافها كما يحمل الغزاة الفاتحون !

وحين أزهرت سياسة الإنجليز في فلسطين وأشرقت على الإثمار والنضوج انتفضت البلاد الإسلامية في ثورة عنيفة منابعها دور الإخوان ومراكزها ولما وضحت الحرب وأصبحت حقيقة لا مفر منها قام الإخوان يفتحون المعسكرات ويدعون شبابهم لحمل السلاح ويمدون المجاهدين العرب بكميات وفيرة من العتاد ورأى الإنجليز ما في هذه الحركات من خطر يصيب سياستهم في الصميم فعولوا على إبعادهم عن الحرب ومنعهم من دخولها بكل وسيلة لقد رأينا ما كان من أمر ((الصاغ محمود لبيب )) وغيره من دعاة الإخوان وشبابهم وكيف طاردتهم سلطات الاحتلال وأرغمتهم على مغادرة البلاد ثم أحاطت الحدود بحراسة شديدة دقيقة لتمنع أيا منهم من دخول البلاد مرة أخرى .

ولقد حاولت بنفسي دخول البلاد في نوفمبر (1947) فوجدت صعوبة كبيرة وأرغمت على العودة أكثر من مرة حتى اضطررت إلى قطع مسافة طويلة سيرا على الأقدام وظللت أنتقل بحذر حتى استقر بي المقام في مدينة (يافا) وكانت الحركات العسكرية قد بدأت تتسع وتزيد حدتها .

وأذكر أنني بعد وصولي بأيام كنت أقود دورية من دوريات الاستكشاف والمعارك على أشدها في الشمال وكان الوقت ليلا ووجهتنا ضاحية من الضواحي المحطة ((بتل أبيب )) وفجأة رأينا السيارات الإنجليزية المدرعة تلاحقنا وتحيط بنا ثم ترغمنا على التسليم ولم نكن نملك وسائل المقاومة أما هذه القوة المسلحة فسلمنا ونزل الجنود الإنجليز يفتشون ملابسنا ويصادرون ما معنا من سلاح وذخيرة ثم يقتادوننا في آخر الأمر لأقرب مركز من مراكز الجيش وهناك بدأ استجواب الأسرى البائسين .

قال الضابط الإنجليزي : ((أنتم يا معشر الإخوان تحاولون إثارة القلاقل في فلسطين لا تدعون فرصة تمر حتى تنتهزوها للوصول إلى هذه الغاية ولقد قمنا وراءكم الليلة بناء على معلومات حصل عليها أحد عيوننا المكلفين بمراقبتكم وتقصى أخباركم )).

ثم أخذ يوجه إلى الأسئلة وقد علم أنني مصري الجنسية من ((البطاقة)) التي وجدوها معي وكنت أجيبه بشده أغاظته فأمر جنوده فدفعوا بي إلى إحدى الحجرات المظلمة وهو يهدد ويتوعد وظللت ساعات في تلك الحجرة الكريهة ثم فتح الباب أحد الحراس واقتادني إلى الخارج فوجدت إخواننا وقد شحنوا في السيارات المدرعة تمهيدا لنقلنا جميعا إلى مركز رئاسة الجيش في المنطقة .

وخشيت سوء العقاب وكان أقلها إلقائي في السجن دون سؤال أو تسليمي لليهود كما حدث بل أيام حين اعتقلت السلطات الإنجليزية أعرابيا يحوم حول إحدى المستعمرات وسلمته لليهود لمحاكمته في تل أبيب وحوكم فعلا أمام محكمة يهودية وبرأته المحكمة وأطلقت سراحه في شوارع المدينة ! ولكنه لم يعد إلى أهله إذ أغرى اليهود بقتله في إحدى حدائق البرتقال .

كنت أفكر في هذا المصير والسيارات تنقلنا إلى هدف مجهول ولاحظت أن السيارة تمر بإحدى الحدائق الكثيفة فقذفت بنفسي منها وانتقلت إلى داخل ا النارية تلاحقني ولكنى نجوت وظل الإنجليز فترة طويلة يبحثون عنى دون جدوى إذ كنت قد اختفيت في الريف حتى تهدأ العاصفة .

أما إخواننا الآخرون فقد حوكموا وسجنوا وأما الأسلحة فقد صودرت وذهبت هذه الواقعة مثل لطغيان الإنجليز ومدى تآمرهم مع الغزاة المعتدين .

ولم تكن هذه الخطط لتصرف الإخوان عن مواصلة الجهد إذا أخذت مراكزهم وشعبهم في فلسطين تنظم حركة المقاومة على قدر ما تسمح به مواردها المحدودة وأخذ شباب الإخوان في مصر يتسللون فرادى للاشتراك مع العرب في حرب العصابات التي قامت على أشدها في ذلك الحين ومما يجدر ذكره في هذا المجال أن اليهود كانوا يعتبرون الإخوان ((مجرمي حرب )) وعلى ذلك فلا يجوز معاملتهم كأسرى بل كانوا يقتلونهم ويشوهون أجسامهم ولقد رأيت بعيني اليهود يمسكون بالمجاهد الكريم ((مختار منصور)) من إخوان القاهرة في إحدى المعارك التي دارت حول مدينة (يافا) ويقذفون به إلى إحدى مصفحاتهم ولم أعرف مصيره حتى التقى بي بعض العرب ممن اشتركوا في المعركة وكان نصيبهم الأسر فقالوا لي : إن اليهود استلوه من بينهم وأطلقوا عليه النار وقد عرفوه من (البطاقة) التي يحملها ومن لحيته الخفيفة التي كانت تستدير حول وجهه وأعود إلى موقف بريطانيا من الإخوان فأقول : إن هذه الحالة كانت تجرى على الإخوان وغيرهم من المجاهدين بحجة المحافظة على فلسطين وأمنها وقت أن كان البحر يقذف الألوف من المهاجرين ممن تم تدريبهم وإعدادهم في بلدان أوروبا وأمريكا ويحرس سفنهم الأسطول البريطاني المغوار!

ظلت هذه الحالة قائمة على أشدها فالإنجليز يطاردون المجاهدين العرب ويحرمون عليهم القيام بالغارات على المستعمرات وتشترك مدرعاتهم في حماية القوافل اليهودية وتتعاون معهم فعلا في كثير من المعارك ولقد شاهدت بعيني خلال شهر ديسمبر عام (1947) عددا كبيرا من الضباط الإنجليز يدربون فتيانا وفتيات (الهاجاناه) على أعمال العصابات في (وادي اللطرون) على مقربة من القدس وأخيرا يختم الإنجليز احتلالهم البغيض بتسليم اليهود أمهات المدن والموانئ العربية كما حدث ليافا وحيفا وعكا وغيرها من المدن والموانئ .

جاء شهر مايو من عام (1948) وكان بداية تحول كبير في مجرى الحوادث إذ أنهي فيه الإنجليز انتدابهم وختموا آخر صفحة لسياستهم في فلسطين وغادروها غير مأسوف عليهم ودخلت الجيوش العربية من الشرق والغرب والجنوب لتعيد الأمن إلى نصابه .

وظن الإخوان أن عهد التضييق والإرهاب قد انتهي بانسحاب الإنجليز وأنهم يستطيعون الآن إدخال قواتهم دون خوف أو وجل وأن الوقت قد آن ليفي مرشدهم العظيم بوعده فيدخل إلى فلسطين عشرة آلاف مجاهد كدفعة أولى كما سبق له أن قرر في برقيته المشهورة التي بعث بها إلى زعماء الدول العربية في اجتماعهم ((بعالية)).

ظن الإخوان ذلك ولكن جاءت الحوادث لتخلف ظنهم وتقنعهم أن سياسة الإنجليز باقية وإن انسحبت جنودهم من الميدان وأنهم لا يزالون يحركون سياسة الحرب من وراء ستار .

طلب الإخوان إلى حكومة النقراشى السماح بإدخال فوج من مجاهديهم ليرابط في الجزء الشمالي من صحراء النقب فرفضت الحكومة هذا الطلب وأصرت على عدم السماح لهم بذلك مما اضطر بعضهم إلى طلب السماح لهم بالقيام في رحلة علمية إلى ((سيناء)) فوافقت حكومة النقراشى بعد إلحاح شديد وحضرت تلك المجموعات إلى سيناء وتسللت منها إلى فلسطين سراً حيث لحقت بها دفعات أخرى تسللت بطرق مختلفة.

وكانت حيلة دخلوا بها إلى فلسطين وبدخول هذا الفوج في فبراير عام (1948) بدأ القتال الفعلي في صحراء النقب فأخذ يهاجم المستعمرات اليهودية بعناد وصلابة رغم قلة عدده وضعف أسلحته وتجمع حوله المجاهدون من أهل فلسطين وبدأت حرب عصابات منظمة كانت تبشر بنجاح رائع ومر شهران وعلمت الحكومة فطلبت إلى المركز العام سحب قواته من النقب وكان طبيعيا أن يرفض الإخوان فلم تجد الحكومة بداً من قطع الإمدادات والتموين ومراقبة الحدود بشده لتضمن عدم وصول شىء منها للمجاهدين حتى تضطرهم للعودة الى مصر ورأي المجاهدون أنفسهم خلال قتالهم الرائع يعيشون أياما طوالا على التمر والماء وعلى الخبز اليسير الذى يشترونه من نقود قليلة يرسلها أهلوهم بين حين وآخر ولكن أين تذهب هذه الشدائد فى نفوس هيأها الله لحمل رسالته والجهاد فى سبيله ؟

ألم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يربطون على بطونهم الأحجار إذا أعوزتهم المئونة واشتد بهم الجوع ؟

تلك هى المثل العليا التى وضعها الإخوان أمام أعينهم وعاهدوا أنفسهم على الوصول إليها إذن فلتضرب حكومة النقراشى رأسها فى الصخر ولتقطع التموين والإمداد ولتمنع الهواء إن استطاعت فإن ذلك لن يغير من الموقف شيئا وسيظل المجاهدون فى ميدانهم حتى ينتصر الحق وتعلو كلمة الله .

بقي المجاهدون في ميدانهم يعملون ووجدوا من إخوانهم العرب كل معونة ورعاية حتى دخل الجيش المصري البلاد وأخذ يهاجم المستعمرات اليهودية في النقب واشترك الإخوان في معظم العمليات الحربية التي قام بها كان طبيعيا أن ينقص بفعل المعارك الطاحنة وما سقط منهم فيها من الجرحى والشهداء .

وحتى في تلك الأوقات الحرجة لم تحاول الحكومة أن تراجع موقفها وأن تسمح للإخوان بدخول الميدان لتعويض هذه الخسائر الكبيرة في الأفراد بل شددت رقابتها أكثر من ذي قبل وكان الإخوان في مصر يعلمون حقيقة الموقف حائلا دون التنفيذ مما اضطر كثيرا منهم إلى المجيء سيرا على الأقدام ولازلت أذكر ذلك اليوم الذي حضرت فيه جماعة من الإخوان قوامها خمسة عشر شابا لم تكن تزيد أعمارهم على السادسة عشرة وكانوا كلهم طلابا في المدارس الثانوية وسألتهم عن سبب مجيئهم فقالوا : إنهم يرغبون في تأدية فريضة الجهاد بعد أن نجحوا في امتحاناتهم لهذا العام ثم أخذوا يقصون على أبناء رحلتهم الشاقة وكيف غافلوا رجال البوليس وقفزوا إلى عربات البضائع في قطارات السكك الحديدية وكيف ساروا مسافات شاسعة ف صحراء سيناء الموحشة بمعونة دليل من البدو وكنت أستمع إليهم وقد بلغت الدهشة منى كل مبلغ والأسئلة تتوارد على ذهني يلاحق بعضها بعضا أهكذا تفعل تربية الإسلام في نفوس الشبيبة ؟ وما الذي دفع هؤلاء الفتية الأحداث وجلهم من الطبقة المترفة إلى تجشم هذه الصعاب وركوب هذا المركب الصعب ؟ أليس في مصر ألوف مؤلفة من أمثال هذا الشباب يقضون أوقاتهم بين المسارح ودور اللهو ؟ وكان الجواب حاضرا : إنها العقيدة التي تسيطر على النقراشى فتملؤها قوة وعزما إنه الإسلام الخالد قد عمل عمله في هذه القلوب الفتية الغضة وسيرها حسب مشيئته ووفق إرادته .

وتذكرت ذلك الطفل اليافع الذي صحب رسول الله في إحدى غزواته وقائل بشده حتى استشهد بطلا فأكرمه رسول الله ودفنه بيديه الشريفتين حتى تمنى أحد كبار الصحابة وهو عبد الله بن مسعود أن لو كان مكانه ونال ما ناله من إكرام رسول الله وإعزازه وتذكرت تلك الحملة الصليبية من الأطفال الذين جرفتهم العقيدة فغادروا أحضان أمهاتهم بليل وركبوا المخاطر والصعاب حتى لقوا حتفهم في آخر الشوط في الديار المقدسة وكانوا طعاما لحيتان البحر وأسماكه تذكرت ذلك وتمنيت يومها أن أعيش حتى رأى هذا الجيل المسلم وقد أمسك بعجلة القيادة في أمته ومضى يوجهها نحو الخير والعظمة على أساس من هدى الإسلام ونوره .

وأفقت من تأملاتي على صوت أحدهم وهو يسأل عن موعد التدريب ولما يجف عرقه بعد الرحلة الشاقة التي قاساها فأجبته بما طمأنه وبعثت بهم إلى ((عنبر الراحة )) لينالوا قسطا من الراحة والغذاء قبل البت في مصيرهم .

وأسلمت نفسي إلى تأملات عميقة وأنا أردد قول الله تعالى : {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى }.


7- يتخطون العقبات

(( لقد أمنا وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد )) .. ((سعد بن معاذ))

عز على الحكومة السعدية أن يستمر الإخوان في جهادهم فأرادت أ، تكيد لهم من طريق آخر فأمرت بوليسها أن يمنع المجاهدين الذين يغادرون الميدان لزيارتهم أهلهم في إجازات قصيرة حتى ينقص عددهم وينتهي أمرهم وفطنا إلى الحيلة عد مده فألغينا الإجازات وقررنا نسيان الأهل والولد حتى نضيع على الحكومة فرصتها ونستمر في جهادنا في هذا الجو المعتم كان الإخوان يقتلون اليهود في فلسطين ومن حق القارئ أن يتساءل بعد ذلك عن سبب هذه السياسة المتعنتة التي وقفتها حكومة النقراشى تجاه الإخوان في فلسطين فنقل : إنها سياسة رسمها الاستعمار وترك لهذه الحكومة مهمة تنفيذها حتى لا يظهر على مسرح ظهورا سافرا ولقد قال لي أحد كبار المسئولين في الميدان وقد حمل إلى أمر تسريح الإخوان من عرب فلسطين الذين ضممناهم إلينا في الميدان .

((إن الحكومة تنظر بعين الريبة إلى حركات الإخوان وتخشى أن يؤلفوا جيشا في فلسطين يكون بعد ذلك خطراً كبيراً على سلامة الدولة ولست أدرى أي دولة تلك التي تهمهم سلامتها ؟ حقا ..لقد كان الإخوان خطرا كبيرا على دولة إسرائيل ولقد فهم المستعمر أين يكمن الخطر الحقيقي على دولته الوليدة فأوحى إلى رجاله وأشار إليهم فكانوا عند حسن ظنه كالعهد بهم وقاموا بسرعة مجنونة يلبون نداءه ويجيبون رجاءه وانتهي الصراع بالمذبحة التي لا تزال عالقة بالأذهان حتى الآن والتي عرفت باسم قضايا الإرهاب وقضايا الأوكار وغير ذلك من المسميات ولو أنصفوا التاريخ والواقع لأسموها: ((مذبحة الإسلام في وادي النيل )).

نحج الإخوان المسلمون في التسلل عبر الحدود رغم الخطط التي فرضها الاستعمار وأذنابه ولم تمض أسابيع ليلة على بداية الصدام حتى حمل الإخوان لواء الجهاد الشعبي ونجحوا في لإدخال عدد كبير من خبرة شبابهم من مصر و سوريا وشرق الأردن .

ففي الوقت الذي كانت فيه القوة الأولى ترابط في النقب وتفتتح أولى معارك الجنوب في ((كفار ديروم)) في (14 إبريل ستة 1948) كانت القوة الثانية بقيادة اليوزباشى (محمود عبده) تنتقل إلى معسكر ((قطنة))بسوريا لتستكمل تدريبها ثم ترابط فترة في النقب وتشترك مع زميلتها الأولى وأخبرا تصحب الشهيد ((أحمد عبد العزيز)) في جولته الموفقة قبل أ، يستقر في جنوب القدس ويكون من نصيب هذه القوة أ، يوكل لها مهمة الدفاع عن مرتفعات ((صور باهر)) الحصينة وهناك تلحق بها قوة كبيرة من الإخوان المسلمين في شرق الأردن بقيادة المجاهد ((عبد اللطيف أبو قورة رئيس الإخوان في عمان وتندمج القوتان في فرقة واحدة متحدة القيادة ليكون لها الفضل بعد ذلك في المحافظة على تلك المرتفعات وعرقلة الخطط اليهودية التي كانت ترمى إلى احتلالها لتتحكم في القوات المصرية المتطوعة المرابطة في مناطق ((الخليل وبيت لحم )).

ولم يكن الإخوان في سوريا بأقل نصيبا من غيرهم إذ أدخلا قوة من رجالهم يقودها الأستاذ ((مصطفي السباعي)) رئيس الإخوان في دمشق عملت بهمة ونشاط في مناطق ((المثلث ))و((القدس)) وساهمت فعالة في الدفاع عن هذه المناطق الحيوية وكانت القوات غير النظامية التي شكلتها شعب الإخوان في فلسطين تعمل منذ بداية الحركة في المناطق الشمالية والوسطى تحت القيادات العربية المحلية وتقم بغارات ناجحة على مستعمرات اليهود وطرق مواصلاتهم رغم الضعف الشديد الذي كانت تعانيه سواء في التسليح أو التدريب .

ولقد اضطر الإخوان إزاء القيود التي فرضتها الحكومة إلى تقديم شبابهم للعمل تحت قيادة الجامعة العربية فتشكلت منهم ثلاث كتائب أتمت تدريبها في معسكر ((الهايكستب)) ثم تسللت إلى فلسطين قبيل زوال الانتداب البريطاني وكان يقود الكتيبة الأولى الشهيد ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎ (( أحمد عبد العزيز )) الذي قام بنشاط ملحوظ في مهاجمة مراكز اليهود في النقب قبل أن يتخذ موقفا دفاعيا عن مناطق جنوبي القدس وكانت الكتيبة الثانية لمتطوعى الجامعة العربية بقيادة البكباشى ((عبد الجواد طبالة)) ترافق الجيش المصري وتشترك معه في الدفاع عن منطقة غزة وتتولى حصار بعض المستمرات وتقوم بحراسة بعض النقط الهامة في خطوط المواصلات ثم تستقر بعد ذلك مع زميلتها في ((بيت لحم)) عقب استشهاد المرحوم ((أحمد عبد العزيز)).

وتتجمع هذه القوات في تلك المنطقة وتنجح في المحافظة عليها وتسليمها للجي العربي الأردني بعد حصار شاق طويل وهجمات عنيفة من العدو أظهرت في صدها الكير من ضروب البطولة .

وهذه القوات المتطوعة وإن كانت خليطا من الإخوان وغيرهم من الشباب المصري الحر ممن لا يكفر سعيهم ولا ينكر جهادهم إلا أن الكثرة الساحقة من الإخوان فيها قد طبعتها بطابع الدعوة الخاص وبهذاالطابع عرفها أهل تلك المناطق حتى إن الحكومة السعدية حينما أرادت اعتقال مجاهدي الإخوان في بيت لحم وصور باهر عقب إعلان الهدنة وفك الحصار لم يستطع التمييز بين الإخوان وغيرهم فاعتقلت مجموعة ضخمة منهم وأودعتهم المعتقل العسكري في ((رفح))على حدود مصر الشرقية .

وهكذا ورغم تلك القيود القاسية التي فرضها الاستعمار وحافظ عليها أذنابه من بعده فقد اشترك الإخوان في الحرب بأعداد كبيرة كانوا يتحملون الإنفاق على معظمها ويتكبد مركزهم العام ألوف الجنيهات في شراء الأسلحة والمعدات .

ولا أظنني في حاجة لأؤكد للقارئ أنني لا أسجل للإخوان فخرا ولا منة ومعاذ الله أن نمن على أمتنا مهما قدمنا لها من جهد وتضحيات وكل شئ نقدمه نعتبره صغيراً تافهاً بالنسبة لما نريده لها من عز وإسعاد ولست أتهم أحدا دون وجه حق ولكنني أعتقد أن من حق الأمة علينا أن نوضح لها الحقيقة المجردة لتستطيع أن تفرق بين الخصوم والأصدقاء والمخلصين والأدعياء .

وإن لي من وراء هذا السرد وهذه المقارنة غرضين : أولهما تبيان حقيقة المزاعم التي شغلت بها الأقلام المغرضة والصحافة الموبوءة فترة من الزمن لطمس هذه الحقائق والتقليل من أهمية هذه التضحيات خدمة للمستعمر وإرضاء لشهوات حزبية جامحة فكان أن سمع الرأي العام بتلك النغمة المرذولة عن التدريب السري في فلسطين والاستعداد لحركة ثورية عند الرجوع لأرض الوطن .

ولسنا في حاجة بعد الذي ذكرنا التدليل على كذب هذا الادعاء إذ لو كان الإخوان يرجون من وراء جهادهم تلك الأغراض التي ذكرها دعاة السوء لما أقدموا على الحرب واندفعوا فيها هذا الاندفاع ولوقفوا موقف المتفرج ولا لامهم أحد من الناس ولكانت الحجة لهم لا عليهم والإنجليز وحلفاؤهم يمنعونهم من دخول الحرب بكل وسيلة ولكنهم اندفعوا لقتال اليهود بشدة وعنف ولسوف يظل ذلك مفخرة لهم كلما ذكرت الجولة الأولى من حرب فلسطين ولو ترك الإخوان على سجيتهم دون أ، توضع أمامهم كل هذه العراقيل لرأى دعاة السوء كيف أغرقوا أرض فلسطين بسيول من قواتهم زكتائبهم ولتغيرت نتيجة الحرب لامحالة .

هذا غرض والغرض الثاني الذي نرمى إليه من سرد هذه الوقائع هو أننا نؤمن إيمانا راسخا بأن حربنا مع اليهود لم تنته بعد ولم تكن الجولة الأولى منها إلا مقدمة لحرب طويلة المدى فإسرائيل خطر كبير على كيان الوطن العربي لا يقلل من خطورته ما ينشره دعاة التردد والهزيمة من وجوب الإسراع بعقد الصلح معها حتى تنتهي حالة التوتر ونحني رءوسنا أمام الأمر الواقع .

واليهود إن لم نكرس جهودنا لقتل دولتهم الباغية فهم يعملون جاهدين لتقويض أركان دولنا وإقامة إمبراطورية يهودية تمتد من النيل إلى الفرات .

وإذاً فمن واجبنا أن نضع نصب أعيننا دروس الماضي وأخطاءه وأن نجعل من الجولة الأولى مزرعة ((للتجارب العسكرية)) تماما كما كانت الحرب الأهلية التي قامت في أسبانيا ستة (1937) والتي كانت (مزرعة) استنبتت فيها بذور الحرب العالمية الثانية وكانت فرصة طيبة اغتنمتها الدول الكبرى فجربت فيها خططها وأسلحتها أو كهذه الحرب التي نشبت في أواخر العام (1950) في كريا والتي نعتبرها تجربة غيرة لحرب عالمية ثالثة فكل دولة من الدول التي تجرب فيها آخر ما وصلت إليه من خطط القتال وأساليب الفتك والتدمير ومزرعتنا هذه زرعت فيها بذور مختلفة فمنها الذي مات لساعته ولم يبد له أثر ومنها الذي أينع ثم هاج فرأيناه مصفرا ومنها الذي أينع وترعرع حتى آتى أكله بإذن ربه والويل كل الويل لنا إن لم نستفد من هذه التجارب التي كلفتنا الكثير من الدم والمال ولن يختلف اثنان في قيمة التربية الإسلامية وأثرها في تكوين المحارب الناجح .

لعل هذه هي خلاصة النتائج التي وصلنا إليها حيث راجعنا كشف الحساب عند نهاية الحملة وحين أنعمنا النظر في مزرعة تجاربنا فوجدنا أن بذرة الإسلام هي وحدها التي نمت وترعرعت وخرجت من الحرب أقوى ما تكون حبا للقتال حين مات غيرها ولم يستطع الثبات أمام ضغط الحوادث وصدق الله العظيم :{ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين } 0

8- جاسوسية وجواسيس

{ يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}

لم يعرف التاريخ شعبا كافح في سبيل حريته مثلما كافح الشعب العربي الفلسطيني ولم يشهد التاريخ نوعا من أنواع التنكيل والإرهاب أشد وأقسى مما صبته بريطانيا على هذا الشعب الباسل لتصرفه عن حقوقه وأهدافه وإن الثورات المتتابعة التي شهدتها فلسطين منذ ابتليت بالاستعمار البريطاني لتعطى صورة صادقة لنفسية هذا الشعب ومدى إيمانه بحقوقه وتمسكه بها إيمانا تغلغل في نفوس جميع أفراده ومختلف طبقاته وتساوى فيه البدوي والحضري ولقد بينت طرفا من جهاد هذا الشعب في صفحات سابقه غير أن أحدنا لن يمل حين يستطرد في نشر هذه الصفحات المجيدة التي سطرها المجاهدون بدمائهم وهم يكافحون أكبر قوتين في الأرض قوة المال وقوة السلاح قوة بريطانيا العظمة بجيوشها الجرارة وقوة الصهيونية بذهبها ونفوذها .

ولا ينتظر القارئ منى أن أحدثه عن الأسماء اللامعة التي سمع بها القريب والبعيد وتناقلتها الصحف والمجلات ولكنى أغوص به إلى أعماق هذا الشعب ليرى مدى تغلغل روح الجهاد والتضحية في طوائفه وطبقاته .

فهذا سائق سيارة بسيط يطلب إليه الإنجليز أن يقود سيارة تحمل عدداً من جنودهم إلى القدس حيث يساهمون في الفضاء على إضرابات وقعت حولها ولم يكن في وسعه أن يرفض فاستجاب لهم وقد بيت في نفسه نية القضاء علهم فودع أهله ومضى بهم في طريق القدس وعلى تلك القمم الشاهقة المطلة على ((باب الواد)) انحراف بسيارته إلى منحدر سحيق فاستقرت في القاع بحمولتها أشلاء ممزقة وصعدت روحه إلى بارئها بعد أن أدى واجبه .

وهذا الطفل ريفي في التاسعة من عمره تمر به إحدى الدوريات الإنجليزية فيعز عليه أن يتركها تمر في أمان فيتناول بندقية أبيه ويترصد لهم في إحدى الحدائق ويصوب إليهم بندقيته ويلحظه أحد الجنود فيصيبه برصاصة ثم يفتشونه فإذا البندقية خالية من الذخيرة وإذا الطفل مصاب في ساقه فاستولى العجب على قائد القوة وبلغ منه التأثر مبلغه ولم يتملك أعصابه فمال على الطفل يقبله ثم يحمله في سيارته لأحد المستشفيات .

ولقد حدثني أحد الإخوان ممن اشتركوا في اضطرابات عام (1936) أن الصحف اليهودية أخذت تجأر بالشكوى المرة من عصابات ((خطرة)) تغير على اليهود في شركة البوتاس على البحر الميت وقال لي : إن تلك العصابات الخطرة لم تكن في الواقع إلا أعرابيا واحدا يدعى ((سليمان بن خميس))من عربان ((السعيديين)) في وادي ((عربة)) لم تكن لديه إلا بندقية من نوع فرنسي قديم وما لا يزيد على عشرين طلقة من الخراطيش الفارغة وكان يملؤها بيديه من البارود والرصاص ثم يكمن بجانب منبع للمياه يدعى ((العين البيضاء)) كان اليهود يأخذون منه ما يحتاجون من مياه الشرب ويظل في مكمنه حتى إذا اقترب منه ((الصيد)) أطلق ما معه من رصاصات حتى إذا أصاب من أصاب منهم رجع مطمئنا إلى خيمته حيث يعاود تعبئة ((الخراطيش)) من جديد استعداداً لمعاودة الصيد وهكذا إلى أن ظفر اليهود به فأصابوا منه مقتلا ولكنه أبى أن يستسلم وظل يركض بعيدا عن المكان مخافة أن يظفر اليهود بجثته حتى سقط قريبا من قومه واستشهد تاركا وراءه زوجتين وأطفالا وسكتت حينذاك الصحف اليهودية عن الشكوى من تلك العصابات ((الخطرة)).

أمثلة كثيرة جدا لا يمكن حصرها في هذه الصفحات ولكنك ترى من هذه الأمثلة مدى تعمق روح الجهاد وتغلغله في نفوس طبقات الشعب فهذا سائق سيارة في مدينة وذلك طفل في قرية وذلك أعرابي في البادية لم تربط بينهم قيادة مشتركة ولا نظام موحد إلا رابطة الدين والوطن تلك هي منابع القوة التي فشل زعماء العرب في تسخيرها والتحكم فيها وتلك هي الروح التي كان يخشاها الاستعمار ويشفق على دولته أن يحاربها أمثال هؤلاء بعد أن يداخلهم شئ من التنظيم والتدريب ولقد أوضحت كيف وقفت بريطانيا أمام تدريب الشعب الفلسطيني واعتبرت ذلك عملا عدائيا موجها لمصالحها في فلسطين .

والعجيب أن الخطة التي رسمها المستعمر لإبعاد الشعب الفلسطيني عن مسرح القتال ومعالجة قضيته بنفسه هي الخطة التي سارت عليها الجيوش العربية المنقذة فلم تكد تدخل فلسطين حتى بادرت بحل المنظمات العسكرية ونزعت السلاح تدريجيا من المجاهدين .

وكانت هذه هي إحدى الأخطاء الكبرى التي عجلت بنهاية الحرب وختمتها على صورتها المفجعة ولست أجد في التاريخ جيشا قام ليحارب عدوا في بلد من البلدان إلا وبذل جهده للتقرب من أهل البلاد وكسب تأييدهم وضمان معونتهم .

ففي الحرب العالمية الثانية أخذ عملاء الحلفاء في أوروبا ينظمون رجال المقاومة السرية في مناطق الاحتلال النازية ويمدونهم بالمال والعتاد ليتعاونوا مع الحلفاء وكان تمهيدا لغزو أوربا حتى أن قيادة الحلفاء لم تأمر بالنزول إلى الساحل الفرنسي إلا بعد أن وثقت من تأييد العناصر الوطنية وأعطتها الإشارة لتبدأ أعمال التخريب من مؤخرة الجيوش النازية .

وإذا كانت هذه الأمور لم تغب عن الجيوش النازية فلست أدرى كيف غابت عن الجيوش الحليفة التي جاءت بدافع قومي لتشترك مع أهل فلسطين في إنقاذ وطنهم وليس من شك في أن الطرق كانت ممهدة أمام الجيوش العربية للإفادة من قوى الشعب الكامنة وتسخيرها للهدف المشترك لو أخلصت النية وتنصلت مؤقتا من خيوط السياسة البريطانية فالشعب العربي كان في حرب مريرة مع اليهود حتى دخول الجيوش العربية وكان ينتظر دخولها بفارغ الصبر ويعلق عليها أكبر الآمال .

وإذن فلقد كان من واجب الحكومات العربية أن تشرع فوراً في تكوين جيش عربي قوى يقوم بدوره في تحرير بلاده ولكن ما أن دخلت الجيوش العربية وبدأت عملها حتى تعددت تهم التجسس والخيانة وترتب على ذلك شعور بعدم الثقة أخذ يتزايد يوما بعد يوما حتى انقلب إلى هوة سحيقة استحال معها التعاون بين أهل البلاد والجيوش المنقذة التي جاءت لنجدتهم والذود عن كيانهم .

وأشهد أن الدعاية اليهودية قد أدت دورها ونجحت أبلغ النجاح حين أخذت أبواقها تذيع في كل مكان أشعب فلسطين راض عن بقاء اليهود وليس ثمة خلاف بيننا وبينهم وأنه يعارض فكرة الحرب واستغلت هذه الدعاية بعض حوادث الخيانة الفردية التي لن تخلو منها أمة من الأمم لتبرزها للناس في صورة مكبرة على أنها حركة اجتماعية عامة وساعد على تثبيت هذا المعنى وإلباسه ثوب الحقيقة تلك الحملات الصحفية التي تطوعت بها الصحف المصرية ولم تحاول أن تتحرى المصلحة والحقائق في نشرها بل قدمتها للناس غذاء فكريا مسموما على أنه سبق صحفي منقطع النظير!

ولعل القراء الكرام لا يزالون يذكرون تلك الصور والمقالات التي كانت تنشرها مجلات ((دار الهلال)) ((وأخبار اليوم)) عن الجواسيس العرب وكيف أن الحراس المصريين اليقظين ((كذا )) قد قبضوا على أعراب داخل الخطوط المصرية فوجدوهم ((مختومين) بختم الهجاناه وكيف أن [الجيش المصري] وجد أعرابا مقتولين ضمن قتلى اليهود في إحدى المعارك هذه الأبناء المختلفة وأشباهها كان لها أكبر الأثر في إبهام الجنود المصريين أنهم يحاربون في أرض معادية ويساعدون أقواما خونة باعوا أرضهم ثم امتشقوا الحسام دفاعا عن الصهيونية .

وإلى جانب ما في هذه الأنباء من تجن على الحقائق فإنها كانت سلاحا خطرا أثر تأثيراً بعيدا في قتل الروح المعنوية في الجنود المصريين فالجندي المصري كان يشعر أنه يقاتل دفاعا عن إخوانه المسلمين من العرب فعلى أي أساس يقاتل إذا أدخل في روعة أنه يدافع عن خونة يشتركون مع العدو في مقاتلته؟

ليت شعري هل فهمت هذه الصحف عظم الضرر الذي سببته حين أقدمت على نشر ما نشرته ؟ أم أنها تعلم الحقيقة وتنشر غيرها لغرض نجهله والواقع أن الجنود المصريين كانوا معذورين حين آمنوا بهذا الوهم واعتبروه حقيقة واقعة ومضوا يعاملون العرب على أنهم جواسيس يتوجسون منهم خيفة وهم يقرئون كل يوم في الصحف المحترمة مثل هذه الأنباء المثيرة!!!

هذا الوهم الخاطئ دفع الجنود إلى اتهام كل بدوي بالتجسس ويكفي لإلصاق التهمة أن يوجد ((وشم قديم)) أو ((كي)) بالنار وقلما تجد في أجسام البدو من يخلو من الوشم وهو وسيلة الزينة أو وهو الوسيلة الوحيدة للعلاج ! فإن وجدت هاتان العلامتان فهو جاسوس خطر (مختوم ) وقبل أن تدخل التهمة في دور التحقيق يكون صاحبنا هذا نال نصيبه من الضرب بالأيدي والركل بالأقدام .

ويكفي للتدليل على هذه الأخطاء وأثرها أن نذكر قصة واحدة شاهدناها بأعيننا وسمعناها بآذاننا وهي أيضا على سبيل المثال .

حينما كان الجيش المصري الباسل يخوض غمار المعارك العنيفة في منطقة ((بئر السبع)) كان هناك أعرابي يدعي ((أبن عقيل)) وكان هذا الأعرابي واسع الحيلة عظيم الشجاعة خبيرا بمسالك الصحراء ودروبها مما حدا بقائد منطقة ((عسلوج)) في ذلك الوقت اليوزباشى ((عبد المنعم عبد الرءوف)) أن يستغله في وضع الألغام على طريق اليهود فأدى الرجل دوره ببراعة وإخلاص يستحقان التقدير والإعجاب ثم نقل هذا اليوزباشى بفرقته وحل محله آخرون واستمر هذا البدوي يؤدى دوره الجليل حتى بدأت المأساة التي كادت تودى به .

ذلك أنه عثر على عدد من الألغام الضخمة التي وضعها اليهود على طريق الجيش المصري ولما كان الرجل قد اكتسب خبرة في الألغام لاشتغاله بها وقتا طويلا فقد نجح في نزعها من الطريق وحملها في كيس على كتفه ومضى فخورا بعمله ليوصلها إلى قيادة الجيش في المنطقة ورآه الجنود من الحراس يحمل ألغاما على ظهره فقبضوا عليه وأخذوا يتصايحون : جاسوس ...جاسوس وانهالوا عليه ضربا دون سؤال أو جواب والرجل يحاول إقناعهم دون جدوى ثم تحسسوا بدنه فإذا هو (مختوم) بعدة أختام ترمز إلى عدد الأمراض التي أصيب بها في حياته!!

والعجيب وهذا موضع العجب كله أ، تؤمن القيادة المحلية بأنه جاسوس وتشكل له محاكمة عسكرية لتحاكمه بتهمة الخيانة العظمى ولم يكن المجلس العسكري في حاجة إلى مزيد من الأدلة فأصدر حكمه بإعدامه وكان المفروض أن تستمر هذه المهزلة إلى نهايتها لولا أن تدخل قدر الله في آخر لحظة إذ تقدم أحد أعيان البدو وكان يعلم القصة كلها باسترحام إلى الجهات المسئولة يرجو إعادة النظر في قضية هذا المجاهد البائس .

وأعيدت المحاكمة وتشكل له مجلس عسكري جديد وطلب الأعرابي في هذه المرة شهادة اليوزباشى( عبد المنعم عبد الرءوف ) الذي جاء ليؤدى شهادة الحق وليبين تعدد الخدمات التي أداها الرجل ومن بينها إنقاذ أحمد سالم باشا ورتل من السيارات العسكرية معه وكانوا على وشك أن يطئوا لغما هائلا وضعه اليهود في طريقهم وكان صاحبنا يراقب ذلك من مكمن قريب وحاول نزعها فلم يستطيع فظل يحرسها وقتا طويلا ليمنع أي أحد من الاقتراب إليها .

وأمام هذه الحجج الدامغة لم يجد المجلس العسكري بداً من تبرئته مع منحة مالية وهبها له المجلس من جيبه الخاص ولولا الظروف وحدها لنفذ حكم الإعدام في هذا المسكين ولأزهقت روح بريئة ظلما وعدوانا وأزهقت معه سمعة وكرامة شعب مجاهد كريم ولذهبت هذه القصة أيضا مثلا جديدا يضاف إلى غيره للتدليل على جاسوسية العرب وخيانتهم العظمى!!

وهكذا وقعت الجيوش العربية في الخطأ بسهولة وبدل أن تقوم بخطة مضادة تعيد بها للشعب ثقته بنفسه وبأصدقائه وتضمه إلى صفها إذا بها تضخم الخطر وتحذر جنود وحداتها من التعامل مع العرب والاطمئنان إليهم .

ومن هنا خرجت تلك النغمة المرذولة عن التجسس والخيانة بدأت خافتة محدودة ثم انقلبت إلى ضجيج هائل طغى على صوت الحرب نفسها وضاعت في غمارها معالم جهاد رائع وتضحيات فذة قام بها الشعب الفلسطيني طيلة ثلاثين عاما واختفت من الوجود تلك الصفحة المشرقة من جهاد عرب فلسطين للصفحة التي مر بك طرف منها وخطتها ماء الشهداء الأبطال من أمثال : ((عز الدين القسام ؛ و عبد القادر الحسيني؛ و حسن سلامة )) وزملائهم من زهرات الشباب الكريم لتحل محلها صفحة سوداء قاتمة يتخللها الخزى والعار ويمليها الجهل وسوء التصرف وتكون النتيجة الحتمية لهذا أن يحكم على الشعب الفلسطيني بالابتعاد عن مسرح القتال والجلوس في مقاعد المتفرجين حتى تنتهي مسرحية الحرب لتفيق الأمة المجاهدة فتجد نفسها مجموعات ممزقة من اللاجئين المشردين .

ولقد أصبحت جاسوسية العرب وخيانتهم سببا كافيا يقدمه الضباط الصغار لتعليل الهزائم التي يمنون بها أو لتعليل العمليات الجريئة التي يقوم بها اليهود لا تمر معركة من المعارك حتى تسمع هذه الجملة من الجنود العائدين يقولونها بلهجة الواثقين يا عم إذا كان العرب بيحاربونا مع اليهود)) ثم يمضون في حبك القصص الخيالية مؤكدين أن العرب كانوا يهاجمون مؤخرتهم ويطلقون عليهم الرصاص من حدائق البرتقال .

وأعجب ما في الأمر أن هذه الأبناء المختلفة كانت تلاقى آذانا مصغية في القيادات العليا وتقبلها عقول المسئولين على أنها حقيقة واقعة لا تقبل الشك والتأويل .

ولقد استغلت هذه الحركة استغلالا سيئا في كثير من النواحي وأصبحت تهمة الجاسوسية سيفا مصلتا على أعناق الناس تكفي لاستعماله شهادة جندي مغرض أو مدني موتور لينزل على الرقاب في غير تردد ولا شفقة ولا عجب في ذلك فكانت الخواطر مبلبلة والأذهان مهيأة لقبول التهمة وتصديقها ولو وقعت على أرسخ الناس قدما في الجهاد وأشدهم تفانيا فيه .

ولقد كان الإخوان يقعون في هذه الأخطاء تحت تأثير الدعايات اليهودية والأساليب التي خلقها اليهود لبذر بذور العداء بين أهل البلاد وإخوانهم من المجاهدين .

وواضح أن عرب فلسطين قد ابتهجوا بدخول الإخوان وارتاحوا إليهم وسارعوا للانضمام في صفوفهم حتى أصبح عدد أهل البلاد المتطوعين مع الإخوان أكثر بكثير من عدد الإخوان أنفسهم ولم يسر اليهود بهذه الحركة فعملوا منذ اليوم الأول على بذر البذور الفتنة بين الإخوان وأهل البلاد وسلكوا كل سبيل لتقويض المعارك لإيهام الإخوان أن عرب فلسطين يقاتلون مع اليهود .

ولقد حدثني أحد الإخوان الذين اشتركوا في معارك اللد أن هذه الطريقة بالذات اتبعت ضد الجيش الأردني فخرج الناس يقولون إن الجيش الأردني يقاتل جنبا إلى جنب مع اليهود!!!

ولم يكف اليهود عن محاولتهم فالتمسوا طرقا كثيرة وكلما فشلت طريقة لجئوا إلى شيطانهم يلتمسون عنده غيرها حتى أعيتهم الحيل وفشلوا ذريعا في فصم عرى محبة جمعها الإسلام وباركتها يد الله .

أذكر ذلك اليوم الذي جاءني فيه أحد الأعراب من أصدقاء الإخوان ليقول لي : إن شيخ العرب ((فلان)) جاءه وحمله رسالة إلينا مؤداها أن ((م)) وهو شخصية عربية كبيرة تحتل مركزا مدنيا هاما في المنطقة جاسوس لليهود وأنه أي ((م)) متصل بقيادة القوات الإسرائيلية في الجنوب وأنه يبلغهم الأخبار أولا بأول نظير وعود قطعها اليهود له بتعيينه حاكما عسكريا للمنطقة في حالة استيلائهم عليها .

وقال الأعرابي الصديق نقلا عن ((فلان)) : إن هناك اتصالا سوف يتم بعد يومين في مكان نحدد بين قائد إحدى المستعمرات وبين الشخصية الكبيرة .

ولقد كان الخبر مثيرا للغاية لأنه يتعلق بشخصية لها خطرها في المنطقة ولقد ذهبنا في الموعد المحدد لاستجلاء الأمر وإلقاء القبض على الشخصية أثناء تفاوضها مع اليهود غير أننا لم نجد شيئا ولم تمض إلا أيام قلائل بعد هذه المحادثة حتى انكشف السر وظهر الخبئ إذ اختفي ((فلان)) مصدر الرواية وصاحبها وعلمت أنه في إحدى المستعمرات وأن الرواية كلها مختلفة لا أساس لها وليست إلا مناورة مدبرة أريد بها إشعال الفتنة بيننا وبين أهالي البلاد .

هذه الوسائل وأشباهها مما لا يتسع المجال لسرده هي التي نجحت بعد ذلك في توسيع شقة الجفاء بين أهل البلاد والجيوش النظامية ووصلت بالعلاقات بين الحلفاء إلى تلك الحالة المؤسفة من الريبة وعدم الثقة والتي ترتب عليها ما ذكرته من استحالة التعاون بين الشعب الفلسطيني وحلفائه من جيوش العرب .

ولقد صارحني أحد قواد المستعمرات اليهودية في النقب وكنا نتفاوض معهم خلال الهدنة الأولى بشأن نقل بعض الجثث فقال لي في مجال الحديث حول الحرب : (لقد نجحنا في إخراج الشعب الفلسطيني من المعركة وهو الذي مارس قتالنا خلال أعوام طوال أما أنتم أيها الغرباء فلن نأبه لكم ولن يصعب علينا إلقاؤكم في البحر متى جاء الوقت المناسب ) وقد كان !...


9-الإخوان في النقب "معركة كفار دريروم الأولى"

(( كان الإخوان ينزعون ألغام اليهود وينسفونهم بها في صحراء النقب )) ((المواوى في شهادته)) كثيرا ما يضع الإنسان لنفسه خطة يرتضيها ويسير عليها ويعتقد صوابها ثم تأتى الحوادث بعد ذلك فتصرفه عن خطته فلا يملك إلا أن يسير في اتجاه آخر وكثيرا ما يكون الاتجاه الذي يسلكه على الرغم منه صحيحا حتى إذا اطمأن إلى صحته ووثق من صوابه نظر إلى خطته التي خطها لنفسه وهنا لك تبدو له عيوبها ويقف على كثير من مساوئها .

لم يكن الإخوان يعلمون عن المستعمرات اليهودية وتحصيناتها أكثر مما عرفته إدارة المخابرات في الجيوش العربية النظامية فلقد هونت هذه المخابرات من شأن التحصينات اليهودية وقللت من أهميتها حتى لقد قدرت إحداها مدة أقصاها (72) ساعة ليفرغ جيشها من احتلال فلسطين كلها .

وحتى سمعنا أحد المسئولين العسكريين في جيش عربي كبير يقول للوحدات العسكرية الزاحفة أنها ذاهبة في ((نزهة عسكرية)) إلى ((تل أبيب)) لا أكثر وحتى يقطع على الضباط دهشتهم قال لهم : إن الناس في قريته حين يقيمون الأفراح والليالي الملاح يطلقون الرصاص في الهواء دليلا لفرحهم وعلامة لابتهاجهم وإن الأسلحة التي معكم تكفي جدا لهذه المهمة الهينة اللينة .

قال هذا الكبير المسئول هذا الكلام أو معناه لوحدات جيشه الزاحف بينما كان كبير مسئول في دولة عربية أخرى يقول لمراسلي الصحافة وهو يهم بإصدار الأوامر لجيشه ببدء الزحف : إن دخول الجيوش العربية كلها لم يكن في الواقع إلا لتقصير أمد الحرب وإنهائها بسرعة ولما سأله الصحفيون عن مدى قدرة اليهود العسكرية وإلقائها في قاع البحر في مدة لا تتجاوز أسبوعا واحدا

لاشك في أن العبارات التي فاه بها العسكريون المسئولون عند بداية الحرب والحوادث التي جاءت بعد ذلك تدل على درجة مهارة المخابرات الحربية في الجيوش العربية وعلى مدى صحة المعلومات التي لديها عن نشاط الصهيونيين ومدى استعدادهم .

ولو وقف الأمر عند حد هذه التصريحات الكلامية لقلنا: إنها من باب التشجيع ورفع الروح المعنوية لدى المحاربين ولكن الخطط العسكرية والطرق التي نفذت بها والتدابير والأسلحة التي جابهنا بها العدو كلها تدل دلالة واضحة على استهتار بالغ بالعدو وجهل مطبق بخططه وقوته وتدل أيضا على أن جيوشنا دخلت الحرب على أنها ((نزهة عسكرية)) فعلا وأن الأسلحة والذخائر لم تكن في الواقع إلا بالقدر الذي يكفي لإقامة الأفراح والليالي الملاح!

كان الإخوان في الفترة الأولى من الحرب يجهلون المستعمرات اليهودية وطرق تحصينها فظنوا أن في مقدورهم مهاجمتها واحتلالها رغم ما كانوا يعانونه من نقص في الأسلحة والمعدات ولقد تمت المحاولة الأولى في الساعة الثانية من صباح (14) إبريل سنة (1948) وكان الغرض منها احتلال مستعمرات ((كفار ديروم)) المحصنة وهذه المستعمرة وإن كانت صغيرة الحجم إلا أنها كانت مقامة في وضع بالغ الأهمية لقربها من الحدود المصرية ولوقوعها على طريق المواصلات الرئيسي الذي يربط مصر بفلسطين وكان في استطاعة حراسها أن يراقبوا خلف أبراجهم المسلحة دون أن يتعرضوا لشيء من الأذى لذلك كله اهتمت القيادة اليهودية بهذه المستعمرة وبالغت في تحصينها وإقامة الأبراج الشاهقة حولها وإحاطتها بحقول كثيفة من الألغام والموانع السلكية الشائكة ثم زودتها بعدد كبير من نخبة رجال(( الهاجاناه)) وفرقة ((البالماخ)) الفدائية .

هذا وصف موجز لهذا ((الجيب)) اليهودي الخطر الذي حاول الإخوان تطهيره واحتلاله ثم تلقوا على يديه درسا قاسيا وكانت هذه المعركة هي نقطة التحول التي غيرت خطتهم وصرفتهم عن معاودة الهجوم على المستعمرات دون أن يملكوا المعدات اللازمة لهذا النوع من القتال .

هاجم الإخوان المستعمرة في وقت مبكر من صبيحة اليوم ونجحوا في المرور خلال حقول الألغام عبر ممرات أعدوها طوال الأسبوع الذي سبق المعركة واجتازوا عوائق الأسلاك الشائكة كل هذه تم بدقة وسرعة دون أن ينتبه حراس المستعمرة لما يجرى حولهم ولم يفيقوا إلا على صوت انفجار هائل أطاح بأحد مراكز الحراسة ثم بدأت المعركة داخل الخنادق وعلى الأبراج و((الدشم)).

وأبدى الإخوان في هذه المرحلة من ضروب البطولة والفدائية ما لا يمكن حصره وتصويره واستطاع اليهود أن يسدوا الثغرات التي أحدثها المجاهدون في دفاعات المستعمرة ثم حاصروا القوة الصغيرة التي نجحت في التسلل إلى أوكارهم ومضوا يحصدونها ببنادقهم ورشاشاتهم .

وهكذا فشلت المحاولة الأولى ومضى الإخوان يحملون شهداءهم وجرحاهم وكان عددهم يربو على العشرين وانتهت المعركة على هذه الصورة المؤسفة ولكنها ظلت مثلا فريدا للبطولة والتضحية .

وظل الإخوان طوال فترة الحرب يتذاكرون المثل العليا التي سجلها المجاهدون فيها والتي أعادت للأذهان صورا حية من جهاد الصدر الأول فهذا أحدهم وهو المجاهد (( محمد سلطان)) من مجاهدي الشرقية يزحف على بطنه حاملا لغما هائلا وهدفه أحد مراكز الحراسة في المستعمرة ينتبه إليه الحراس وهو على قيد خطوات من هدفه فيطلقون عليه رصاصات تصيبه في ذراعه وتعجزه عن المضي في زحفه ولكنه يتحامل على نفسه ويزحف بصعوبة والدماء تنزف من جراحه والرصاص يتناثر من حوله ويظل يجاهد بعناد حتى يقترب من هدفه فيشعل اللغم فينفجر ويدمر الحراسة ويقضى على البطل الفذ ويمضى ليلاقى ربه شهيدا .

وهذا المجاهد ((عبد الرحمن عبد الخالق)) يقود إحدى جماعات الاقتحام في المعركة ويستمر في قتاله الرائع رغم أوامر الانسحاب التي صدرت إليه فيقول : كيف ننسحب وإخواننا في داخل المستعمرة ؟ ثم يذكر من معه بقول الله تعال :{ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } ويظل يقاتل بشدة حتى تصيبه رصاصة قاتلة في رأسه لتضع اسمه في عداد الشهداء الخالدين .

وهذا مجاهد آخر هو ((عمر عبد الرءوف)) تصيبه رصاصه في صدره فتبدو على وجهه ابتسامة مشرقة ويهتف بمن حوله ((أترون ما أرى)) ؟ ثم يأخذ نفسا طويلا ويقول هذه هي الجنة ..إنني أراها ...وأشم رائحتها)) ثم يلفظ أنفاسه الطاهرة ليمضى إلى جنة ربه الموعودة .

ولكل شهيد من شهداء هذه المعركة قصة في البطولة لا يزال إخوانهم الأحياء يرددونها بمزيد من الإعجاب والتقدير .

انتهت هذه المعركة وخرج الإخوان منها بنتيجة واحدة فهموها وظلوا يعملون على أساسها طوال الفترة التي قضوها في فلسطين فهموا أن مهاجمة المستعمرات اليهودية بهذا النقص الواضح في الأسلحة والمعدات هو انتحار محقق وفهموا كذلك أنهم لم ينجحوا إلا في حرب عصابات ينزلون فيها الضربات على خصومهم خارج هذه المستعمرات دون التعرض لحصونهم واستحكاماتهم .

ولقد قلت للإخوان عقب هذه المعركة مباشرة :((إن اليهود أقوياء في هذه الحصون والأبراج فلن نهاجمهم فيها بعد اليوم ولكننا سنغير على قوافلهم ونضطرهم لقتالنا في الأرض المكشوفة )) وعلى هذه الطريقة بدأ الإخوان يظمون أنفسهم في عصابات صغيرة ترابط على طريق المواصلات وتهاجم شبكات المياه ومراكز التموين حتى اضطر اليهود إلى إخراج كثير من قواتهم لحراسة المواصلات والقوافل فاستطاع الإخوان بذلك أن يوقعوا بهم ضربات حاسمة سريعة وأن يغنموا منهم كميات وفيرة من العتاد والسلاح .

لقد قدر لي أن أشهد (( معركة كفار ديروم)) وأن أتولى قيادتها بعد أن جرح قائد السرية ((يوسف طلعت)) وتقرر إخلاؤه من الميدان وقد حتمت على المسئولية أن أبقى وراء تل صغير مجاور لأسلاك المستعمرة حتى أطمئن على انسحاب آخر جندي من قوتنا الصغيرة وحين بدأت أغادر مخابئ الأمن زحفا إلى خطوطنا تعرضت لضرب مركز بالرشاشات اليهودية التي كانت مسلطة من الأبراج الشاهقة ولما كانت الأرض التي أزحف عليها منبسطة تماما فإن عدم إصابتي تدخل في باب المعجزات والخوارق ولازلت أذكر حتى هذه اللحظة التي أسطر فيها هذه المذكرات مئات الطلقات النارية التي كانت تئز حولي كطنين ذباب متوحش وتصطدم بالصخور والأتربة حول رأسي لدرجة أيقنت معها أنني لا يمكن أن أفلت من القتل فقررت أن أبقى حيث أنا متظاهرا بالموت وفعلا أسلمت أمري لله وسمحت لأعضائي أن تمسك عن الحركة تماما ويبدو أن هذه الحيلة قد جازت على جنود العدو فكفوا عن تركيز الضرب على شخصي وكان مما ساعد على ذلك أن بعض جثث الشهداء كانت مطروحة بجانبي وليس هناك ما يدل على أن حالتي تختلف عن حالاتهم ولقد بقيت على هذه الحالة ساعات طوالا حتى جاءت السيارة البريطانية المصفحة وكانوا لا يزالون في هذا الجزء من فلسطين ليفرقوا بين المتحاربين فواصلت الزحف إلى محطة دير البلح العربية لأشهد دفن رفاق السلاح الذين سقطوا صباح اليوم المشئوم .

ولقد حاولنا بعد أسابيع قلائل أن نقدم تجربتنا مع ((كفارديروم)) إلى البكباشى أحمد عبد العزيز حين أراد أن يجرب خطة معها ولم يكن لديه من الأسلحة والمعدات ما يصلح لهذه المهمة ولكنه رفض وجهة نظرنا وأمر سراياه بالهجوم عليها وفق خطة وضعها بنفسه وكانت تلك هي المرة الثانية التي حاول فيها الإخوان المسلمون اقتحام ((كفارديروم)) دون نجاح وسيرد بيان ذلك في موضع قادم .

إن تجربتنا مع ((كفار ديروم )) يمكن أن تكون مثالا لمحاولات أخرى قامت بها قوات عربية ضد المستعمرات اليهودية المنتشرة في فلسطين ومن المهم أ، نذكر ذلك إلى أسباب عديدة أهمها هو تحصين المستعمرات بالأسلاك الشائكة والألغام الأرضية والأبراج التي تتيح للمدافعين مجال الرؤية والرماية على مسافات طويلة وكذلك وجود نظام دفاعي قوى يسمح باستمرار المقاومة حتى بافتراض أن المهاجمين نجحوا في اختراق العوائق واحتلال أجزاء من المستعمرة كما حدث بالنسبة لتجربتنا مع كفارديروم يضاف إلى ذلك أيضا أن هذه المستعمرات تعتبر وحدة دفاعية كاملة بمعنى أن الخطة الإسرائيلية العامة قد وضعت نظاما للتموين والإمدادات يسمح لها أن تصمد لوقت طويل في فترات الحصار والعزل ولابد لي أن أعترف أن التدريب العالي لوحدات المستعمرات اليهودية وقدرتهم على الصمود في الظروف الصعبة هو عنصر هام في جعل هذا النظام الدفاعي نظاما صالحا وعمليا .

ويدفعني لهذا يقين شخصي تكون من التجربة والمراس بأن نظام المستعمرات اليهودية كقلاع محصنة في حالة الدفاع وكمناطق تجمع في حالات الهجوم سيظل عقبة لأول مرة في الحروب الحديثة فيما أعلم فأن العسكريين العرب مطالبون بالتفكير فيه لاختيار الأسلحة والتكتيكات الملائمة ولست هنا في مقام الإفاضة في هذا الموضوع ولكنني أريد أن أبرز هذا التحدي الذي صادفنا في الجولة الأولى ولم نكن نعلم به من قبل لعلنا نجد له الجواب الملائم فيما ينتظرنا من جولات .

قلنا : إن تجربتنا مع كفار ديروم قد انتهت بنا إلى أننا لظروف تدريبنا وعددنا وأسلحتنا لم نستطع أن نهاجم المستعمرات المحصنة وإن خطتنا المقبلة ستتضح في أكثر من مكان من هذه المذكرات ونوجز هذه الخطة فيما يلي:

أولا- استدراج سكان المستعمرات للأرض المكشوفة وإرغامهم على القتال فيها .

وثانيا- فرض الحصار على المستعمرات وإرهاقها بأعمال الإزعاج والقناصة ولقد سلكنا لتحقيق هذين الهدفين سبلا شتى منها قطع طرق المواصلات ولإقامة الكمائن ونسف أنابيب المياه وضرب المشاريع والمنشآت المنعزلة وكان طبيعيا أن ينظم العدو غارات على مراكزنا المتقدمة في النقب وكانت هي الفرصة التي نريدها ونهدف إليها ومع هذه الحركات أصبح النقب الجنوبي في مثلث واسع قاعدته تمتد من غزة إلى رفح ورأسه عند بئر السبع ميدانا لمعارك مستمرة ليلا ونهارا وكنا سعداء بهذه ((الحرب الخاصة)) التي كانت كثيرا ما تبدو كأنها معزولة عن الحرب الواسعة وقليلا ما تتقيد بما طرأ عليها من قيود والتزامات كقرارات الهدنة ووقف إطلاق النار .

أما عن مستعمرة كفارديروم فقد ألزمناها بحصار محكم وإزعاج مستمر طيلة بضعة شهور ولست أشك في أن سكانها تعرضوا لأنواع شتى من الضيق والآلام ولكنهم صمدوا بشجاعة حتى اضطروا لإخلاء المستعمرة في منتصف يوليو عام (1948) وكان ذلك نجاحا بارزا لخطتنا التي تقوم على الحصار من ناحية والاستدراج للأرض المكشوفة من ناحية أخرى وقد شجعنا نجاح الحصار على كفارديروم إلى فرض حصار مماثل على مستعمرات أخرى مثل ((نيريم)) و(( بيرون إسحاق)) أو ((المشبة)) كما يسميها البدو ولقد حاول العدو في مناسبات عديدة اختراق الحصار بواسطة القوافل المصفحة ولكن النظام الذي وضعناه للإنذار المبكر عن طريق حلفائنا من البدو كان يمنحنا وقتا كافيا للاستعداد وتحضير الكمائن وبث الألغام على طرق المواصلات وفي مرات كثيرة كانت قوافل العدو تقع في هذه الكمائن وتكون سياراتها وأسلحتها وشحنات تموينها غنائم ثمينة كنا في أكثر الأحيان نقدمها هدية لأصدقائنا البدو ولاشك أن هذه المعارك العديدة قد ساعدتنا على تطوير أساليبنا وابتكار وسائل جديدة حسب الظروف وحين أيقن العدو أن لا أمل له في اختراق الحصار على المستعمرات التي نحاصرها ولاسيما كفارديروم لجأ إلى إنزال الإمدادات بالمظلات ولكن نيراننا الأرضية وضيق مساحة المستعمرة كانت تجعل عملية الإنزال غير محكمة وهكذا كانت الصناديق تنزل على رجالنا وعلى العشائر البدوية المجاورة وكأنها موائد مباركة من السماء!! ولكن هذا الحصار لم يؤت نتائجه المرجوة في احتلال تلك المستعمرات فيما عدا كفار ديروم لأن أكثرها لم تكن معزولة تماما عن المنطقة اليهودية كما أن الجيش المصري لم يلبث أن تصدع تحت الهجوم اليهودي الشامل مما جعل استمرار الحصار للمستعمرات أمرا غير عملي وغير مجد .


10-الإخوان يقومون بحرب العصابات

((الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) محمد رسول الله قد يظن البعض أن حروب العصابات أو الحروب غير النظامية بصفة عامة هي أعمال فوضوية لا هدف لها ولا نتيجة من ورائها وأو قبل أن أبين الدور الذي قام به الإخوان حين اشتغالهم بهذا النوع من القتال أن أوضح بإيجاز ما هي حرب العصابات ومدى تأثيرها على النتائج العامة للحروب .

فالواقع أن هذا النوع من القتال لا يمكن أن يقوم به إلا رجال يؤمنون إيمانا عميقا بعدالة الفكرة التي يحاربون من أجلها ولضمان النتائج الحاسمة يجب أن يكون هؤلاء الأفراد على مستوى رفيع من التدريب والذكاء ذلك لأنهم يتعرضون في قتالهم لكثير من المأزق الخطرة ولأن مهمتهم الأساسية هي محاربة العدو في أرض تحتلها قواته ليثيروا الرعب والفوضى في مؤخرته ويقوموا بهجمات خاطفة على طرق مواصلاته ويدمروا ما تقع عليه أعينهم من أسلحة ومعدات .

ويمكن تلخيص النتائج التي تطلب من رجال العصابات على الوجه الآتي:

أولا: إنزال الخسائر بالعدو دون الاشتباك معه في معارك مباشرة .

ثانيا: إرغام العدو على تشتيت قواته وتخصيص جزء كبير منها لمطاردة هذه العصابات ومكافحتها .

ثالثا: إرغامه على حراسة منشآته وطرق مواصلاته حراسة قوية وفي هذا ما يبعثر قوته ويجعله في قلق دائم .

رابعا: إثارة العناصر الوطنية ضد قواته والتعاون معها وتسخيرها لتسقط الأنباء والتحركات ومعرفة الأهداف العامة كمراكز التموين ومناطق الحشد .

تلك هي خلاصة الواجبات التي تناط برجال العصابات وسنرى بعد قليل مدى النجاح الذي أحرزه الإخوان في خططهم الجديدة على ضوء هذه المعلومات .

وإن الباحث في التاريخ ليجد أن كثيرا من الحروب لم تحسمها الجيوش المنظمة إلا بمعونة العصابات وقد عرف التاريخ الإسلامي هذا النوع من القتال في ((السرايا)) التي كان يبعثها الرسول صلى الله عليه وسلم لتجوب أنحاء الجزيرة لقطع تجارة العدو وإثارة الرعب في قلوب القبائل الموالية له وفي الحرب العالمية الأولى نجحت العصابات العربية التي قادها أنجال الشريف توزيع قواتها بين جبهات واسعة حتى دخلت جيوش الحلفاء بقيادة ((اللنبى )) وأنزلت بها الهزيمة النهائية .

وفي الحرب العالمية الثانية تحطم كثير من الجيوش الأوروبية تحت ضربات الجيش النازي ولجأ قادة الدول المحتلة وزعماء الحركات التحريرية بها إلى حروب العصابات يزعجون بها قوات الاحتلال الألمانية ويغيرون على مراكز حشدها ويقتلون ضباطها وأفرادها حتى اضطرت القيادة العليا الألمانية إلى التخلي عن كثير من المناطق حيث احتلها رجال العصابات - والاحتفاظ بالمراكز الهامة وظلت هذه العصابات تعمل بنشاط حتى أصبحت شوكة حادة تهدد ظهر الجيوش الغازية وكانت سببا مباشرا للهزائم التي لحقت بالنازيين تحول ميدان القتال إلى القارة الأوروبية وهكذا نجحت العصابات في تحرير بلادها وطرد الغاصبين من أرضها وكانت خير معوان لجيوش الخلفاء المنظمة التي قامت بعمليات التحرير في أوروبا بعد ذلك .

ولقد استخدم اليهود هذا النوع من التكتيكات وأدخلوا في حسابهم دخول الجيوش النظامية فشكلوا قواتهم على أساس حروب العصابات وأخذا يغيرون على مراكز الجيوش العربية ويوقعون بها الضربات دون أن يثبتوا أمامها في معركة مباشرة .

ولما لعبت السياسة الاستعمارية دورها في فلسطين وتوقفت الجيوش العربية بمقتضى قرارات الهدنة ووقف القتال أخذ اليهود يقاتلون كجيش منظم يرمى لكسب الأرض والدفاع عنها بجانب ما تقوم به العصابات الإرهابية من معونة صادقة للقوات النظامية وبخاصة المعونة خلال الهدنة وتكون الحجة دائما أنها عصابات غير نظامية لا سلطان لحكومة إسرائيل عليها وقد رأينا كيف استطاعت هذه الحكومة أن تتنصل من اغتيال (( الكونت برنادوت)) وسيط هيئة الأمم بينما ألقت الوزر كله على عصابات إرهابية متمردة!

ولا شك أن حربنا في فلسطين كانت تحتاج إلى هذا النوع من التشكيلات لتعمل جنبا إلى جنبا مع القوات النظامية وكان المفروض أن يقوم الشعب الفلسطيني بهذا النوع من القتال لولا عوامل الشك وعدم الثقة المتبادلة التي بذرها العدو وجنت الجيوش العربية نتائجها .

وحين دخلت القوات غير النظامية التي شكلتها الجامعة العربية باسم ((جيش الإنقاذ)) وتركت مهمة قيادتها للقائد العربي ((فوزي القاوقجى )) كان من الواجب أن تقوم بهذه المهمة الخطيرة فتتعقب العصابات الصهيونية وتغير على مراكز الجيش الإسرائيلي بينما تحتل الجيوش النظامية المدن والمراكز الهامة وتكون عصاباتنا في هذه الحالة كعصابات اليهود غير مقيدة بقرارات الهدنة ووقف القتال .

وما يقال عن قوات القاوقجى يقال عن جيش التحرير والجهاد المقدس .

وأفواج المناضلين العرب رأوا القوة ((الخفيفة)) التي تولى قيادتها الشهيد أحمد عبد العزيز ولكن هذه القوات كلها خلصت بين عملها الأساسي الذي كان يمكن أن تنجح فيه ومضت تدافع عن القوى العربية وتشغل نفسها بالهجوم على المستعمرات المحصنة دون جدوى .

أما القاوقجى فقد استدرجه اليهود إلى أن ظهروا بقوته وأنزلوا به الضربة القاصمة عند ((مشمار هاعيميك)) وبذلك انتهي أمره وتبعثرت قواته وأما الشهيد أحمد عبد العزيز فقد حاول مهاجمة المستعمرات حتى استقر أخيرا في جبال الخليل وتحولت قوته إلى قوة نظامية تدافع عن منظمة محدودة .

وأود أن أصل إلى غايتي من وراء هذا البحث بأن أناقش رأيا يقول به البعض وهو أن دخول الجيوش العربية لفلسطين كان بداية الكارثة التي أحاطت بها وأن فلسطين لم تكن في حاجة إلا إلى عابات تعمل بحرية ولا تتقيد بقرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم والواقع أن هذا الرأي لم يظهر إلا عقب الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية التي ثبت أن من بعض أسبابها خضوع هذه الجيوش لقرارات مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وبخاصة في هدنة الأسابيع الأربعة حيث تمكن اليهود من جلب الكثير من الأسلحة ومعدات الحرب التي لم يكن لها وجود لديهم قبل هذا التاريخ .

والرد على هذا الرأي ((أن العصابات لا يمكن أن تقاتل عصابات مثلها وتنتصر عليها )) وأن العصابات لا يمكن أن تحسم الحرب بمفردها ولكنها ولا تزال دائما سلاحا خطرا لو سارت في ركاب جيش منظم وأحس تدريب أفرادها وقيادتهم فيحتل الجيش المنظم المدن والمراكز ويتولى الدفاع عنها بينما تقوم العصابات المدربة بتحطيم قوى العدو ومهاجمة وحداته وطرق مواصلاته .

وإذن فلم يكن هناك مفر من دخول الجيوش العربية لتحقيق الهدف الذي حاربنا من أجله ولكن الخطأ أولا وآخرا في عدم استعداد هذه الجيوش استعدادا يكفل لها أداء مهمتها والخطأ بعد ذلك خطأ الزعماء السياسيين الذين لم يدخلوا في حسابهم هذه الهيئات الدولية ومدى خضوعهم لها أما دخول الجيوش نفسها فلا غبار عليه ولا مفر منه ولا يمكن أن تحسم الحرب بدونه لا في الماضي ولا في المستقبل إذا أردنا حقا أن نعاود الكرة لتحرير الأرض المقدسة .

وقد قلنا : إن الدرس الذي استخلصه الإخوان من معركة ((ديروم)) الأولى أن يشرعوا في تنظيم حرب عصابات تشمل صحراء النقب كلها ولقد باشروا تنفيذ هذه الخطة ومضوا يخرجون في عصابات قوية تدمر شبكات المياه وتنصب ((الكمائن )) على طرق المواصلات حتى استطاعوا تدمير عدد كبير من المصفحات والسارات 0

ولقد حدث مرة أن قامت قوة منهم بقيادة المجاهد ((حسن عبد الغنى)) بتدمير شبكات المياه بين مستعمرتي ((بيرى))و((أتكوما))وأباحت أنابيب المياه لأعراب المنطقة ينتزعونها من الأرض تحت حراستهم حتى نزعت من الأنابيب مساحات شاسعة ثم رابطت في المنطقة لتمنع العدو من إصلاحها وصبر اليهود يومين عسى أن تنصرف لشأنها ولكن القوة العنيدة ظلت تواصل تدمير الأنابيب ونزعها والتعرض للمصفحات والقوافل التي تحاول إصلاحها فلم تجد القيادة الإسرائيلية بدأ من الدخول في معركة مباشرة فجمعت عدداً كبيرا من المصفحات من جميع المستعمرات وأحاطت القوة الصغيرة من جميع الجهات وأخذت تقترب منها على أمل أن تظهر بها وثبت الإخوان ثباتا عجبا وأوقعوا في اليهود عدداً من القتلى قبل أن يبعثوا في طلب النجدات من معسكراتهم .

وجاءت مصفحات الإخوان وأقامت حول مصفحات العدو الذي سقط في يده حين رأى نفسه محصورا بين نارين فاضطر إلى طلب نجدات أخرى من المستعمرات القريبة وامتلأ ميدان المعركة بقوات كبيرة من الجانبين واشتد القتال بين الفريقين شدة لم يسبق لها مثيل حتى يئس العدو من زحزحة الإخوان عن موقفهم فأخذ يطلق سحبا من الدخان ليسير انسحابه وما كادت أطباق الدخان تنجاب عن ميدان المعركة حتى سارع الإخوان يجمعون غنائمهم من السلاح ويعودون لتدمير الأنابيب من جديد .

وأيقن اليهود أنه لا قبل لهم بمواجهة هذه القوات المتفانية في حرب شريفة وحاولوا تسميم آبار يستعملها الإخوان في منطقة ((خزاعة)) حيث كان المجاهد ((نجيب جويفل)) يرابط بها بسريته .

ولكن عين الله المبصرة ويقظة الإخوان مكنتهم من اكتشاف الجريمة قبل وقوعها وذلك أنهم لمحوا رجلين يرتديان الملابس العربية ويتظاهران باستجلاء الماء وكان منظرهما يدعو إلى الريبة فاقترب منهما الجندي الحارس وأمرهما بالوقوف فلاذا بالفرار فتعقبهما الجندي الحارس وعدد من إخوانه حتى أدركوهما ولم يبق بينهما إلا خطوات وأمروهما بالتسليم مهددين إياهما بإطلاق النار فرفعا أيديهما بالتسليم وحين اقترب الإخوان منهما انبطحا على الأرض في سرعة وقذفا على المهاجمين عددا من القنابل اليدوية وأسرع الإخوان بملاصقة الأرض ثم أطلقوا عليهما النار فأردوهما قتيلين.

وبلغت النقمة من الإخوان من هذا الغدر أن حملوا الجثتين إلى مستعمرة ((نيريم)) وهناك على مقربة من العدو نحوا الجثتين بالبترول وأشعلوا فيهما النار على مرأى جيد من المستعمرة .

وجن جنود اليهود وأخذوا يلوحون بأيديهم في غضب وانفعال وحين جن الليل هاجموا مواقع الإخوان في ((خزاعة)) انتقاما لهذا الحادث ولم يتمكنوا من زحزحة الإخوان أو لإبادتهم وإن كانوا قد نجحوا في قتل أحد المجاهدين الأبرار وذلكم هو المجاهد الشهيد ((عيسى إسماعيل)) من إخوان الشرقية الكرام . وهكذا نجحت الخطة الجديدة ولم يعد الإخوان في حاجة إلى معاودة الهجوم على المستعمرات المحصنة والتعرض لنيرانها وحصونها ذلك لأن اليهود قد أضطروا إزاء هجمات الإخوان الموفقة على قوافلهم وطرق مواصلاتهم إلى تعيين دوريات ميكانيكية وقوات كبيرة من المشاة لحراسة تلك الطرق والمنشآت وحمايتها أمام تلك الهجمات ولم يكن الإخوان ليضيعوا الفرصة الثمينة فأخذوا يغيرون على هذه القوات المبعثرة في الصحراء ويرغمونها على القتال إرغاما حتى تحولت تلك المنطقة إلى ساحة حرب قوية ولم يكن يمر في تلك الفترة دون أن تنشب معركة عنيفة تنتهي حتما بقتل عدد من جنود الأعداء وتدمير عدد آخر من مركباتهم ومدرعاتهم .

ولقد حاولت القيادة اليهودية أكثر من مرة القضاء على هذه العصابات وتطهير المنطقة منها فكانت ترسل عدداً كبيراً من قواتها وكان هذا أقصى ما يريده الإخوان فيستدرجونهم إلى المناطق الوعرة ويحاصرونهم في الشعاب والوديان .

وإذا نظرنا إلى هذه الفترة نجد أن الإخوان قد وصلوا إلى نتيجتين لم يكونوا يستطيعون الوصول إليهما بدون هذه الأعمال العصابية فالنتيجة الأولى هي خروج اليهود من مستعمراتهم وحصونهم لمقاومة عصابات خفيفة محصنة في بطون الشعاب والوديان والنتيجة الثانية أن الإخوان استطاعوا الحصول على كثير من الغنائم والمعدات التي لم يكونوا يملكونها كالمصفحات الضخمة والأسلحة الرشاشة البعيدة المرمى هذا عدا أنواع مختلفة وكميات كبيرة من الذخائر والقنابل .

وكان الواجب يحتم علينا منذ شرعنا في تنظيم حرب العصابات أن نتعاون مع أعراب المنطقة غير أن الشائعات التي كانت الدعاية اليهودية ترددها عن خيانة البدو ومدى تعاونهم مع العدو قد وقف سداً منيعا دون ذلك التعاون المنشود ولم نكن نستطيع العمل في هذه المناطق دون أن نتبين مدى صحة هذه الشائعات ودن أن نحيل بدو هذه المنطقة إلى قوة متعاونة معنا على الهدف والغاية ولقد قمنا بمحاولات كبيرة إزاء هذه المشكلة أثبتها في البحث كأساس لما جنيناه من نتائج .

بعثنا عدداً من دوريات الاستكشاف وذهبت بصحبة الإخوان المسئولين أكثر من مرة فخيل إلينا أن هناك شبه تعاون فعلا بين اليهود وبدو تلك المناطق فهذه المصفحات اليهودية تنتقل بين المستعمرات بحرية وأمان وتمر على خطوات من مضارب البدو وخيامهم دون أن يتعرضوا لها بشيء من الأذى ولم تمض إلا أيام حتى فهمنا السبب فبطل العجب وعلمنا أن الخطأ يقع علينا لا على هؤلاء البدو .

كان اليهود يسترضونهم بشتى السبل ويحيطونهم بكثير من صنوف الرعاية والإغراء فهذه أنابيب المياه تصل إلى خيام البدو والماء عند البدو ضرورة عزيزة المنال يسير من أجله ساعات طويلة على جمله ليحصل عليه فإذا كان اليهود يمدونه به حتى خيمته فذلك جميل ما بعده جميل وها هم أولاء قوات المستعمرات اليهودية يضيفون البدو في خيامهم ويسامرونهم ويأكلون عندهم ((العيش والملح)) ويشاركونهم الأعياد والأفراح .

ولا أنكر أن بعض القبائل الأخرى كانت في حالة حرب مع اليهود من اليوم الأول لهذه الحركات ولكن هذا لا يمنع من تصحيح هذه الأوضاع الفاسدة فبدوي واحد ممالئ لليهود يحدث ثغرة عميقة في خطط الدفاع ويكون أخطر من كتيبة معادية تقاتلنا وجها لوجه .

لابد أن تصحيح هذه الأوضاع ليعلم البدوي حقيقة هؤلاء الأصدقاء الألداء ولقد جربت البدو بنفسي فوصلت إلى نتيجة آمنت بها إيمانا عميقا تلك هي أن البدوي لا ينقصه الإيمان بقضيته والتعلق بوطنه ولكنه في هذه مضطر لسلوك هذا المسلك فليس لديه السلاح الذي يواجه به قوى اليهود الموزعة في كل قطعة من وطنه وهو في حالة من الفقر لا تسمح له بشراء الأسلحة وقد كانت تساوى مالا كبيرا في ذلك الحين ولا توجد على مقربة منه قوات عربية منظمة تستطيع أن تدفع عنه العدوان وتحمى أولاده وغنمه من هجمات العدو الغادرة .

وإذن فليس الذنب ذنبه ولكن الجرم يقع على تلك الفئة التي وضعتها الظروف في موضع القيادة من هذه الحرب والذنب بعد ذلك يتركز في الزعامة الشعبية التي لم تكن تكلف نفسها مشقة التجول بين هؤلاء الأعراب وتنظيم حركة المقاومة في مناطقهم وتلقينهم ما يجب عمله إزاء هذه الحالة .

فعلى الذين يتهمون البدو بالخيانة أ، يتهموا أنفسهم بالتقصير والتضليل وإذا قارنا بين جهل البدوي المطبق وبين علمهم ومسئولياتهم وعظم التبعة المعلقة في أعناقهم أمكننا أن نحدد التهمة وأن نضع الأمور في نصابها الصحيح .

أما الذي صنعناه نحن لتصحيح هذه الوضع وإثارة أعراب المنطقة فقد كان من البساطة والسهولة بحيث لا يحتاج إلى كثير من التفكير والتدبير ذلك أننا أوعزنا إلى بعض شباب الإخوان أن يتسللوا في ظلمة الليل ويبثوا الألغام على الطرق اليهودية القريبة من مضارب البدو دون أن يفطن أحد إلى وجودهم ففعلوا وانفجرت الألغام في إحدى القوافل اليهودية ولم يكن العدو في حاجة إلى التفكير ليعلم أن هؤلاء البدو هم واضعوها أو على الأقل مشتركون في وضعها فأخذوا يطلقون عليهم النار بلا حساب وكانت قوة من الإخوان مستعدة على مقربة من هذه المنطقة فأغارت على مؤخرة اليهود وكان طبيعيا أن ينحاز العرب إلى عرب مثلهم وأخذوا يشاركوننا في قتال اليهود حتى أرغموهم على دخول المستعمرات .

وهكذا نجحت الخطة وتحولت هذه القبائل من ذلك الحين إلى قوة معادية لليهود وعرف الإخوان كيف يستغلون ذلك فجندوا عددا كبيرا من شباب القبائل وأخذوا يدربونهم على استعمال السلاح حتى إذا أتموا تعليمهم وكلوا إليهم الأعمال الخطرة والبدوي بطبيعته مقاتل قوى البأس فوق ما يتمتع به من مزايا تجعله بارعا في الإخفاء والتمويه ولقد أظهر هؤلاء الأعراب بعد ذلك إيمانا قويا وتفانيا في العمل وكان لهم أبعد الأثر في نجاح العمليات الخطرة التي اضطلع بها الإخوان بعد ذلك .

ولقد أصبحت هذه القبائل لا تكلفنا إلا شيئا يسيرا من الذخيرة وأفرادا من الإخوان يوجهونهم وينظمون حركاتهم ولقد تداول على قيادتهم عدد من خيرة شباب الإخوان ممن أبلوا بلاء حسنا وأظهروا كثيرا من الشجاعة والمقدرة أذكر منهم المجاهدين :( نجيب جويفل) و(حسن عبد الغنى) و(على صديق) وغيرهم ممن تركوا آثارا باقية وذكريات طيبة ولا يزال رجال القبائل حتى اليوم يمتدحون سيرتهم ويمجدون ذكراهم .

وحين تشعبت أعمال الإخوان واتسعت الجبهات التي يحاربون فيها وزادت القيود التي فرضتها الحكومة لمنع دخول المجاهدين من مصر اضطررنا لتشكيل مجموعات منظمة من رجال القبائل وفتحنا باب التطوع فانهالت جموع كبيرة من شبابهم وفعلا تشكلت منهم عدة (سرايا) وتركنا مهمة تدريبها وإعدادها للأخ ( نصر الدين جاد) الذي بذل جهدا مشكورا في تنظيمها حتى صاغ منها قوة مقاتلة استطاعت أن تثبت وجودها وأن تشترك في معارك الإخوان الكبرى ويكون لها أثر كبير في نتائجها العامة .

ولم نترك هذه القبائل لمصيرها بعد أن وصلنا لأقصى ما نريد من نتائج في هذه المنطقة فأقمنا في منطقتهم موقع( حصينا)للغاية واخترنا لإقامته تلاً مرتفعاً يشرف على مساحات كبيرة من الأرض وأحطناه بالأسلاك والألغام .

وزودناه بالأسلحة والعتاد وكان ضباط الإخوان يتداولون قيادته بنظام ويشرفون منه على تنظيم دوريات مسلحة تخرج بمعونة البدو وتتعرض لقوافل التموين اليهودية وتضطرها للدخول في معركة معها تنتهي حتما بتدمير أغلب وحداتها وقتل كثير ممن فيها وتكررت هذه العمليات حتى روع اليهود وصمموا على محو هذا الموقع وتدميره فهاجموه بمصفحاتهم أكثر من مرة غير أنهم لم يفلحوا في اقتحامه كما كانوا يقدرون .

ومما يدل على مدى اهتمامهم به وإصرارهم على احتلاله ذلك الهجوم الذي شنوه صبيحة يوم (19|7) وحشدوا له قوات كبيرة من جميع المستعمرات القريبة ومهدوا لهجومهم بضرب شديد من مدفعيتهم ثم تقدموا تحت حماية المصفحات واستطاع الإخوان أن يحيطوا بهم وسط التلال المتناثرة على مقربة من خربة ((أبو معيلق)) ويوقعوا بهم هزيمة فادحة الخسائر ويرغموهم على التقهقر بعد تدمير عدد من المصفحات نظير شهيد واحد خسره الإخوان هو المجاهد (سيد حجازي) وعدد من الجرحى منهم قائد الموقع في تلك الفترة المجاهد ((محمد الفلاحجى)) من إخوان الدقهلية .

لقد كان هذا الموقع بمثابة صورة بدائية لمستعمرة محصنة وكان الهدف منه كما أسلفنا هو تثبيت القبائل البدوية في أماكن سكناها حتى لا تهاجر تحت عامل الخوف فتصبح المنطقة كلها تابعة لليهود دون قتال ولقد كنت شديد الاهتمام بقضية إبقاء العرب في النقب اعتقادا منى أن جلاءهم عن أرضيهم وفرارهم يعنى تسليمها للعدو ويعنى أن تمتد رقعة المستعمرات ويصبح بإمكان الوحدات الإسرائيلية فيها أن تنتقل بحرية وأمان وأن تتجمع قواها لتساهم في المعارك الرئيسية ضد الجيش النظامي ومن المؤسف حقا أن القيادة المصرية لم تشاركني هذا الاهتمام بمصير القبائل العربية في النقب ولم توافق على منحى الأسلحة والأموال اللازمة للتوسع في هذا البرنامج ولكنني كنت مقتنعا لدرجة أنني غامرت بأفراد قلائل من الإخوان أرسلتهم ليعيشوا مع البدو في مضاربهم ليدربوهم على استخدام الأسلحة والألغام والمتفجرات واعتبرنا كل قبيلة بمثابة موقع جديد لنا حتى أصبح لدينا عشرات المواقع باسم القبائل العديدة القاطنة في الصحراء وكانت هذه المواقع ترتبط مع قيادتنا في ((البريج)) بأجهزة اللاسلكي وخطوط التليفون كما كانت دورياتنا المصفحة تجوب الصحراء في نظام دوري في الليل والنهار لتوصيل الإمدادات والتموين ولتحريك الوحدات البدوية لضرب الأغراض التي نحددها لها وقد كنت أجد دائما سعادة لا تعادلها سعادة حين أخرج مع هذه الدوريات لزيارة أصدقائي المشايخ والوجهاء ولأسمر معهم على فناجين القهوة ((السادة)) وربما نتناول الثريد ولحم الضأن الذي ينهبه رجالهم يوميا من المزارع اليهودية المجاورة .

ولقد حاولت مرارا متعددة أن أغرى قيادة الجيش المصري باحتضان هذه الفكرة ولكن النظريات التقليدية للحرب كانت تقف حجر عثرة أمام التفاهم على هذه القضية كانت وحدات الجيش المصري (مربوطة) على جانبي الطريق الساحلي من رفح حتى أسدود في شريط نحيل لا يتجاوز في أوسع نقاطه عشرة أميال أما الأرض المواجهة لهذا الشريط وهي في الواقع فلسطيني كلها فكانت بالنسبة لهم أرضا معادية وقد ساعدت هذه النظرة الضيقة لأن تصبح كذلك لأن جميع العرب القاطنين فيها قد اضطروا لإجلائها تحت الإرهاب اليهودي وهكذا أصبح الجيش المصري يواجه مساحة شاسعة يملكها العدو الإسرائيلي ولا يبدو الشريط الساحلي أمامها إلا كخط بالقلم الرفيع على صفحة الإسرائيلية من طور الدفاع إلى طور الهجوم والتقت المستعمرات اليهودية في جيش واحد يندفع كالحراب المشرعة إلى الجيش المسمر على الشريط الساحلي الضيق يقطعه ويطويه حتى يلقى به أخيرا أوصالا ممزقة أمام الحدود .

لقد حاولنا كما أسلفت أن نقنع الجيش بخطتنا لتثبيت السكان العرب في النقب دون جدوى ولقد وضح لي الآن أننا والجيش كنا ننتمي إلى عالمين منفصلين أحدهما يقرأ كتب الحرب ويطبقها حرفيا والآخر يفهم الحرب ببساطة على أنها البحث عن العدو لقتله حيث يكون أحدهما يعتبر أرض فلسطين هي ذلك الشريط الساحلي الضيق الذي تقف على جانبيه قواته دون حركة والآخر يعرفها أرضا واسعة تقع بين البحر المتوسط وخليج العقبة وكلها ميدان حرب مع العدو المعتدى أحدهما ينتظر اليهود أن يهاجموه ليدافع عن نفسه على قدر الاستطاعة والآخر يؤمن بالهجوم المستمر وبدون توقف وهو خلاف قديم ظهر في حروب كثيرة بين العقلية المتزمتة التي تريد أن تخضع الظروف للنظريات الجامدة والعقلية الحرة التي تريد أن تبتكر من النظريات ما يتلاءم مع الظروف الخاصة المتجددة وكان طبيعيا أن تنتهي المحاورة بانتصار صاحب الرتبة الأكبر والنفوذ الأقوى وكانت النتيجة أنني لم أتمكن من تنفيذ خطتي إلا في حدود إمكاناتنا المتواضعة وكم في نفسي وملأها ألما أنها إمكانات لم تسمح لنا بحماية أصدقائنا البدو طويلا وتركناهم بعد أشهر من الزمالة الشريفة يواجهون تصفية الحساب مع اليهود وحدهم فيقتلون منهم كيف يشاءون ويشردون الباقين مع نسائهم وأطفالهم أما نحن فلم يختلف مصيرنا عن مصيرهم كثيرا لأننا كنا بعد نهاية الحرب وراء أسلاك المعتقلات!

ويذكرني هذا الذي تم بيننا وبين قبائل البادية في مناطق النقب بقصة أخرى تدل على أن اليهود قد استخدموا هذا الأسلوب من توثيق علاقاتهم بالعرب لخدمة أهدافهم الخبيثة .

أذكر أنني كنت أقوم بزيارة لمدينة نابلس في أحد أيام شهر فبراير سنة (1948) وكانت الزيارة للسلام على القائد العربي (فوزي القاوقجى) لدى دخوله فلسطين وكنا وفدا كبيرا من إخوان يافا .

وكان الطريق الذي نسلكه يشطر مستعمرة (بيت شيمن) إلى قسمين فما راعني إلا الجنود اليهود يقفون عند مدخل المستعمرة ويشيرون لسيارتنا بالمرور بعد أن يشيروا بأيدهم محيين وذهلت لهذه الظاهرة فملت على أحد الركاب من أهالي مدينة اللد وسألته عن السر في ذلك وكيف أن اليهود لم يطلقوا علينا النار في الوقت الذي تدور فيه المعارك بشدة في جميع أنحاء فلسطين .

فقال لي : ((إن اليهود قد اتصلوا بنا وقالوا إن يهود اللد وعرب اللد أصدقاء ولا يهمهم ما يجرى في المناطق الأخرى)).

وانخدع العرب فترة قصيرة من الزمن حتى قامت جماعة معارضة كان قوامها الشباب الكريم من أهالي المدينة فاشتركت منطقتهم في القتال وقامت بنصيب كبير فيه ودارت الأيام دورتها وكانت تلك المستعمرة هي المركز الذي حشدت فيه القوات اليهودية وهاجمت منه المدينة من الخلف وأرغمت أهلها على الهجرة والفرار بحياتهم موقعة بهم أشنع ما عرفته الحرب من وحشية وإجرام .

ولعل القارئ قد فهم الغرض الذي كان يرمى إليه اليهود من وراء هذه الأساليب الماكرة من تشكيك العرب في قضيتهم وإضعاف المقاومة في بعض المناطق حتى يتفرغوا لكبحها في المناطق الأخرى ولاشك أنها أساليب تدل على ما امتاز به اليهود من المكر والخداع .

تلك هي القصة التي ذكرتها وأنا بصدد معالجة ذلك الإشكال الماثل الذي تعرض لي في صحراء النقب والذي تغلبنا عليه بتلك الخطة المضادة التي قمنا بها والتي فاتت غيرنا من القوات العسكرية المنظمة حين تركت هؤلاء البدو لشأنهم ولم تفكر في الإفادة منهم حتى أصبحوا سلاحا مغلولا ألقته الجيوش العربية وحمله اليهود واحتفظوا به وقد ينجحون في استعماله لو واتتهم الظروف .


11-مع أحمد عبد العزيز في حولته

{ يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين}

أوضحنا في صفحات سابقة كيف وقفت الحكومة في طريق الإخوان ومنعتهم من إدخال أفواج من شبابهم كما كان مقررا من قبل .

وكان يمكن للإخوان أن يريحوا أنفسهم من عناء الجهاد وويلات القتال وأن يكتفوا بالتصفيق والتظاهر كما زعامات مقدسة وأحزاب مرموقة .

ولكن الإخوان لم يفعلوا شيئا من هذا بل نراهم يتلمسون كافة السبل والحيل ويعملون جاهدين لتذيل هذه العقبات وفتح الأبواب المغلقة أمام الجموع الوافدة من شبابهم المؤمن الذين تدفقوا من الأقاليم والعواصم حتى اكتظ بهم المركز العام وضاقت بهم شعب ((القاهرة)) وبدأت اتصالات كثيرة ومؤتمرات متعددة انتهت إلى تكوين فرق من المتطوعين يقودها ضباط من الجيش وتتولى الجامعة العربية تدريبها والإنفاق عليها .

وكان طبيعيا أن يرحب الإخوان بالفكرة فهم لا يريدون إلا إنقاذ فلسطين وانتزاعها من عصابة الشر وكانوا يعلمون أيضا أنه لا توجد أخرى في مصر يمكنها أن تساهم في هذه الحركة بنصب كبير وإذن فالإخوان هم الذين سيجاهدون مهما اختلفت الأسماء وتغيرت المظاهر .

وبدأت حركة التطوع عن طريق المركز العام وكان يشرف على تنظيمها المجاهد الكبير المرجوم (الصاغ محمود لبيب ) وكيل الإخوان المسلمين وقائد وحداتهم العسكرية ونجح بمعونة بعض الشخصيات المجاهدة وعلى رأسهم معالي (صالح حرب باشا وسعادة اللواء ((عبد الواحد سبل بك)في إقامة معسكر للتدريب في (الهايكستب) تتولى الجامعة العربية إمداده وتنظيمه ويشرف على برنامج التدريب فيه جندي ممتاز هو البكباشى (حسين مصطفي) من رجال الجيش العامل .

ولقد أخذ الناس بهذه الحركة العنيفة والإقبال الشديد على التطوع وعجبوا كثيرا لهذا الشباب الذي يقدم نفسه للموت عن طواعية واختيار وعهدهم بالشباب من أمثال هؤلاء ينفرون من الجندية حتى أنهم يقطعون أصابعهم كيلا يصلحوا للانخراط فيها وكان آباء المتطوعين وأمهاتهم أشد الناس إشفاقا على فلذات أكبادهم أن تلاقى الحتف برصاص اليهود .

وشهد معسكر (الهايكستب) في أول تكوينه معارك عنيفة بين عواطف الأبوة الحنون وعناد الشباب المؤمن المتشبث بمبادئه ومثله العليا فهذا شاب من الإسكندرية هو الأخ المجاهد (عبد المنعم سعيد) يجرفه هذا التيار العاتي ويصمم على خوض غمار الحرب دفاعا عن الإسلام وكرامته فيتفق مع نفر من إخوانه ويغادرون الإسكندرية خفية ويبذلون محاولات متعددة حتى تسجل أسماؤهم في كشوف المتطوعين ويقبلون على التدريب في شغف ولذة ويبحث أهلوهم عنهم طويلا ويبعثون في طلبهم ويشهد معسكر (الهايكستب) حوارا عجيبا بين بطلنا الصغير (عبد المنعم ) وعمه الذي جاء في طلبه فعمه يحاول إقناعه بالعودة ويذكره بمستقبله وحاجة أهله إلى سعيه وكده والفتى بجيب بحدة وتبرم : (( لا أريد العودة دعوني أؤد بعض ما على من دين للإسلام )) ويتدخل قائد المعسكر في الأمر ويحاول إقناع الفتى باتباع نصائح عمه ويحتد الفتى مرة أخرى ثم يصيح : ((لا .. لا ..لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).

أجل ..أجل ....هكذا فهم الإخوان حقيقة دورهم في فلسطين . جهادا خالصا في سبيل الله لا سعيا وراء الشهرة ولا طلبا للمغنم التافه ولكن سعيا وراء عزة الإسلام فإما نالوها وإما سقطوا شهداء دونها .

يئس العم من ابن أخيه وأشفق القائد على نفس الفتى المؤمن فلم يرغمه على الخروج وظل بطلنا ينعم في معسكره ويمنى نفسه باليوم السعيد حين يقف أمام أعداء الله وجها لوجه ومضى العم مشدوها مما رأى مقتنعا أن شيئا جديدا قد طرأ على شباب اليوم وأن هذا الجيل قد بدأ يتجه اتجاها لا عهد للناس به .

وليس أعجب من هذا إلا أخ من إخوان القاهرة هو المجاهد (محمد العيسوى) وقد نجح أبوه بما له من مركز ونفوذ في إبعاده عن المعسكر بعد أن أخذ من القائد وعدا بعدم قبوله من جديد وعز على البطل أن تنهار آماله وتتحطم على صخور هذه التقاليد البالية ففكر وقدر ثم هداه تفكيره إلى وسيلة ناجحة فأخذ يهرب من أهله كل يوم ويأتي إلى المعسكر حيث يظل الساعات الطوال خارج الأسلاك يراقب حركات التدريب ويحاول تقليدها حتى إذا انتهي اليوم أخذ من زملائه ما يكتبونه من محاضرات عسكرية ورجع إلى بيته حيث يستذكرها بشغف وعناية .

وحين تحركت الكتيبة الأولى إلى العريش بعد نهاية تدريبها ركب نفس القطار الذي سافرت به بعد أن اشترى على حسابه بعض الملابس العسكرية وفوجئ أفراد الكتيبة وقائدها حين رأوه ينزل إلى المحطة وظل أهله يوالون السعي لإرجاعه ولكن قائد الكتيبة ولما يمض على وصوله إلى فلسطين سوى يومين اثنين .

أمثلة كثيرة لا يحيط بها الحصر ولكن ما ذكرناه يصلح دليلا واضحا على مدى ما وصل إليه الإخوان من نجاح رائع وهم يحشدون هذا الشوباب ويربنه في مدرسة الإسلام الخالدة .

بدأت الكتيبة تدريبها وبدأ الإخوان شغفا شديدا بالتدريب وأقبلوا على المحاضرات الحربية يوسعون بها مداركهم ويزدادون إلماما بوسائل الحرب الحديثة واستعمال الأسلحة المختلفة وكانوا مشوقين إلى السفر متعجلين لتطبيق ما تعلموه عمليا في أرواح اليهود حتى كان يوم (25 إبريل ستة 1948) إذ صدرت الأوامر بإرسال هذه الكتيبة إلى الميدان وكان قائدهم حتى ذلك الحين البكباشى (زكريا الوردانى) وقد كان المنظر مؤثرا حين حضرت عائلات المجاهدين لوداعهم وأقبلت جماهير غفيرة من الشعب لتطالع الصفحة الجديدة التي نشرت لتسجل قصصا رائعة من البطولة يكتبها هذا الشباب المؤمن بجهده وعرقه ودمه .

ألا ليت هذه الجماهير طالعت ختام هذه الصفحة وقدر لها أن تستقبل أبطالها حين عودتهم لترى كيف تنخسف قيم البطولة في مصر .

ليت هذه الجماهير شهدت بعد ذلك كيف عاد هؤلاء الأبطال بعد أن تركوا أحباءهم تحت ثرى فلسطين وفيهم من ترك عضوا من أعضاء جسمه عربونا للعودة القريبة ولكن الحكومة تكفلت باستقبالهم ورصدت قوات من بوليسها لتكون في انتظارهم لا لتقف لتحيتهم ولا لتصطف على الجانبين لتعظيمهم ولكن لتحرسهم الساعات الطوال داخل سجون الأقسام سارت الكتيبة في رعاية الله ونزلت إلى العريش وأخذت تعد عدتها لدخول فلسطين وما هي إلا أيام قلائل حتى لحق بها القائد الجديد بصحبة عدد من الضباط البواسل الذين عز عليهم الانتظار فآثروا اللحاق بقوات المتطوعين .

وكان القائد الجديد ضابطا من الفرسان برتبة (البكباشى) غير معروف من جنوده إذ لم يكن له ما يميزه عن غيره من زملائه الكثيرين وإن كان الضابط قد وصفوه لجنوده بإكبار وإعجاب ذاكرين له دروسه ومحاضراته القيمة في كلية أركان الحرب وبطولاته الرائعة التي سجلها في ميدان الفروسية .

ولم يكن هذا القائد الجديد سوى البكباشى (أحمد عبد العزيز) الذي لمع اسمه بعد ذلك في الحرب ودأبت الصحف العربية على تتبع أنبائه وتحركاته وأولته من العناية والاهتمام ما لم تول أحداً من قادة الجيوش العربية ممن يفوقونه في المركز وبعد الصيت .

((نحن إذا أردنا أن نؤرخ لهذه الكتيبة المجاهدة نجد أنفسنا مضطرين لتحليل شخصية قائدها لأن القائد هو عصب القوة وعقلها المفكر ومن خلال شخصيته وميوله نستطيع أن نحكم على أعمال القوة ووسائلها في العمل ولن تجد هذه الحقيقة واضحة بأجلى صورها أكثر من وضوحها في هذه الكتيبة المغامرة ومدى انطباعها بشخصية قائدها وميوله .

خصلتان هما الأساس ارتكزت عليه شخصية أحمد عبد العزيز :

أولاهما : جرأة خارقة وولع شديد بالمغامرة .

ثانيتهما: اعتزاز بشخصيته واعتداد بمقدرته وكفايته .

جرأة غامرة وولع بالمخاطر وصل به إلى حد التهور وكثيرا ما كان يعرض نفسه لأخطار شديدة حتى أشفق عليه ضباطه فلم يكن يجيبهم إلا بكلمة واحدة (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) واعتزاز بشخصيته وكفايته كان كثيرا ما يصل به إلى حد الغرور .

وهاتان الخصلتان هما اللتان دفعتاه للزج بكتيبته في أخطار شديدة والقيام بالأعمال الخارقة التي ظلت الصحف تتداولها طوال فترة الحرب وهاتان الخصلتان أيضا هما اللتان دفعتاه لأخطاء جسيمة عصفت بالكثيرين من رجاله وأثرت تأثيرا بعيدا في النتيجة العامة للحرب .

تلك هي أهم العناصر التي تكونت منها شخصية هذا الرجل فلنحتفظ بهذا الميزان في أيدينا ونحن نتابع السير وراء حين قام بهجماته على مراكز اليهود في النقب وحين وقف بشدة ليدافع عن المدن الفلسطينية التي تقع جنوبي القدس .

بدأ أحمد عبد العزيز يعد قواته لدخول فلسطين وكانت قوات الاحتلال البريطاني لا تزال بها فقام بعدة دوريات استكشف فيها مناطق النقب الشمالية وصحبه في الدورية الأولى الشيخ محمد فرغلى رئيس الإخوان في فلسطين والشيخ فريح المصدر شيخ لعشائر انصيرات الضاربة في صحراء النقب وكبير معاونيه البكباشى (زكريا الوردانى).

وبعد عدة ومشاورات قرر الدخول إلى منطقة (غزة) ومهاجمة المستعمرات الواقعة فيها فأصدر أوامره في(5) مايو للتحرك ولكي يتفادى الصدام مع قوات الاحتلال الإنجليزية المقيمة على طريق الرئيسي في (رفح) استعمل طريقا غريبا فسار بسيارته على شريط السكة الحديدية وهناك قابله الأهلون مقابلة وتقدم أعيان المنطقة إليه طالبين أن يعمل على تجنيد أبنائهم وتنظيمهم ضمن قواته فوعدهم خيرا .

ولم تطل إقامته في (خان يونس) فبدأ عملياته بأن أرسل قوة صغيرة من الإخوان تهاجم قافلة يهودية فاشتبكت معها في (13)مايو وأرغمتها على الفرار وفي هذه المعركة سقط الشهيد المبرور (( فتحي الخولى )) الشاب الذي أشرنا إليه في أول هذا الباب .

كانت خطة أحمد عبد العزيز ترمى إلى مهاجمة المستعمرات اليهودية وكان يريد أن يسلك الخاطئ الذي سارت فيه قوات الإخوان الحرة من قبل ولقد اتصل به الأستاذ (( محمد فرغلى )) وبين له خطورة هذا الإجراء متخذا من كارثة الإخوان في ((كفار ديروم ))مثلا لما يقول لكن هذه النصائح لم تجد سبيلها في نفس أحمد عبد العزيز وعز عليه أن يتراجع في أمر أبرمه فصمم على مهاجمتها وقدر له أن يتلقى على يدها درسا قاسيا دفع ثمنه الفادح من خيرة شباب الإخوان وزهرة رجالهم .

اتجه تفكير أحمد عبد العزيز إلى مهاجمة مستعمرة (كفار ديروم ) أول المستعمرات وأقربها إلى طرق المواصلات فبدأ في (10) مايو بإرسال دورياته لتحصل على معلومات تكون أساسا لخطته حتى إذا تم له ما أراد نظم الخطة وكانت كلها تدور على أ، مدفعيته الضخمة ستدك الأبراج والحصون ولن يجد مشاته أحداً في قلب المستعمرة لأن حماتها سيكونون جميعا تحت الأنقاض !!...وكانت خطته بإيجاز تقضى بأن تبدأ المدفعية في دك الحصون في الساعة الثانية صباحا لمدة عشر دقائق يبدأ الفدائيون بعدها في نسف حقول الألغام ومواقع الأسلاك الشائكة ثم تهاجم المشاة المستعمرة من ثلاث جهات لتتم تطهيرها واحتلالها .

وأترك وصف هذه المعركة للأخ المجاهد (أحمد لبيب الترجمان) أحد قواد الإخوان في الميدان وقائد جماعات الاقتحام في هذه المعركة .

قال الأخ ((لبيب)) : إن أول الأخطاء التي تورطنا فيها كان تأخير الهجوم عن موعده المقرر فبدل أن تبدأ المدفعية ضربها في الساعة الثانية بدأت في الساعة الرابعة والنصف حين وضح النهار وأصبح في مقدور العدو مراقبة المهاجمين وحصدهم بالبنادق والرشاشات .

أما لماذا تأخرت ضرب المدفعية فكان العذر أقبح من الذنب ذلك أن الضابط المختص لم يسجل الأغراض التي تقرر ضربها بالنهار ليسهل عليه ضربها بالليل مما اضطره إلى تأخير الضرب حتى يسفر النهار وتتضح الأغراض وانطلقت المدافع بعشرات القنابل واستمرت الأبراج لا تتزعزع وحينئذ وضح أمامنا أن الخطة فاشلة وأن الهجوم لو استمر فسيتحول لكارثة مروعة وحاولنا تأجيل الهجوم ليوم آخر أو تحوير الخطة بحيث تتلاءم والأوضاع الجديدة ولكن الأوامر صدرت بمواصلة الزحف واحتلال المستعمرة وأطبقت المدفعية الكبيرة أفواهها وانطلقت مدافع (الهاون) تلف المستعمرة بسحابة من الدخان .

وبدأ المجاهدون يزحفون إلى أغراضهم والعدو الماكر يغرى بالتقدم حتى أصبحنا على الأسلاك والمستعمرة لا تزال هادئة ساكنة وفجأة تشققت الأرض عن عيون كثيرة وانسابت سيول دافقة من النيران وتساقط المجاهدون حتى امتلأت الساحة بالجرحى والشهداء .

وكان مقررا أن يدمر الفدائيون الأسلاك الشائكة بألغام (البنجالور) غير أن حملتها أصيبوا جميعا ورأينا أنفسنا في وضع حرج ونيران العدو لا تزال تشق طريقها في الجموع العارية وفجأة تقدم شاب أسمر طويل وصاح في إخوانه ليتراجعوا إلى الوراء وتراجعت الجموع قليلا للوراء فقذف الشاب بنفسه على الأسلاك الشائكة المشحونة بالألغام فانفجرت وتطايرت الأسلاك الشائكة وتطاير جسده معها ممزقة وفتحت السماء أبوابها لتستقبل ضيفا جديدة كان أهل الدنيا يعرفونه باسم (عمر عثمان بلال) .

وقضى على البطل الجريء ولكن بعد أن حقق المعجزة وفتح لإخوانه ممراً في الأسلاك وفرشه لهم بدمه الطاهر وتدفقت الجموع إلى المستعمرة وأخذت تحتمي من نيران العدو بحفر القنابل وخنادق المواصلات ورأى العدو ذلك فجن جنونه وأخذ يركز الضرب على هذه الثغرة وانطلقت مدافعه ورشاشاته تقيم أمامها سداً كثيفا من النار والبارود فارتكبت الجموع مرة أخرى ووجدها العدو فرصة سانحة فشدد النكير وفجأة وصلت المهزلة إلى آخر مراحلها إذ انطلقت مدفعيتنا من الخلف وبدل أن تصب نيرانها على اليهود المختبئين في المستعمرة أصابت المجاهدين الزاحفين حولها وتسبب هذا الخطأ الشنيع في قتل عدد كبير وكان طبيعيا أن يحل الذعر وتنهار الروح المعنوية وتتوقف المعركة عند هذه النهاية الدامية وتفتح الجنة أبوابها لتستقبل سبعين ضيفا جديدا من خيرة شباب مصر وتستعد مستشفيات (غزة) و(القاهرة) لتستقبل خمسين جريحا من جرحى هذه المعركة .

وكان ممن جرح فيها اليوزباشى البطل ((معروف الحضري)) فحمله الإخوان من داخل المستعمرة حيث رحل للعلاج في القاهرة وقبل أن يتماثل للشفاء عاد ليواصل جهاده ويلعب دورا هاما على مسرح الحرب .

ولا أنتهي من الحديث عن هذه المعركة بالذات دون أن أسجل خطأ فاحشا وقع فيه المسئولون عنها ذلك أنهم تركوا الشهداء والجرحى حول المستعمرة دون أن يعملوا على نقلهم مما أثر تأثيرا بعيدا في نفوس المجاهدين ولكي أصور فداحة هذا الخطأ يكفي أن أقول أن جثث الشهداء الأبرار ظلت ملقاة حول المستعمرة أكثر من شهر حتى استطاع كاتب هذه السطور بمعونة نفر من إخوانهم نقلهم حين أعلنت الهدنة في (18 يونيو).

انتهت معركة (كفارديروم) على هذه الصورة ولم يكن أحمد عبد العزيز من شهودها إذ كان يتلقى أنباءها أولا بأول من مقر قيادته في (خان يونس) وحين تلقى هذا النبأ جزع جزعا شديدا وألم لفقد هذا العدد الضخم من خيرة رجاله دون أن يحقق أدنى نتيجة فصمم على أن يوقع باليهود درسا مرا وأعاد لقوته روحها المعنوية التي كادت تتلاشى بعد هزيمتها في (كفار ديروم).

ضرب المجاهدون حصارا محكما حول المستعمرة وفي اليوم التالي للمعركة حاول العدو تحطيم هذا الحصار وإدخال قافلة كبيرة محملة بالجنود والعتاد وكانت هي الفرصة التي ينتظرها أحمد عبد العزيز ويسيل لها لعابه فنظم لها (كمينا) محكما وحشد مدافعه على سفوح التلال المشرفة على الطريق وحين دخلت في الدائرة التي رسمها أمر اليوزباشى (حسن فهمي) قائد مدفعيته فانطلقت المدافع من أبعاد قريبة وحاول اليهود الدفاع عن أنفسهم بادئ الأمر ولكنهم وجدوا بأنفسهم محصورين داخل حلقة فولاذية فاختاروا أهون الضررين وقذفوا بأنفسهم من المصفحات وحاولوا النجاة بأرواحهم والفرار إلى مستعمرة (كفارديروم) .

وكانت هذه خطوة محسوبا حسابها في الخطة إذ كان الأخ المجاهد (على صديق) يقود فصيلة من المشاة مختبئة بعناية وراء التلال القريبة فلم يكد اليهود ينزلون من المصفحات ويتحركون تجاه المستعمرة حتى انطلقت الرشاشات من كل صوب فحصدتهم حصدا ولم ينج منهم أحد .

وحاول حماة المستعمرة نجدة إخوانهم وتركهم الإخوان يغادرون الأسلاك الشائكة ويبتعدون عنها ثم بدءوا يطلقون عليهم النار من ((أوكار)) معدة بعناية حتى سقط منهم عدد كبير وتراجع الباقون إلى المستعمرة وسكتت المدفعية وأطبقت الرشاشات أفواهها الملتهبة وأخذ المجاهدون يحصون ما غنموه فإذا هم أمام خمس عشرة مصفحة ضخمة مشحونة بأحدث طراز من الأسلحة والذخائر ومواد التموين ولأول مرة تعلو وجوههم ابتسامات الفرح بعد هزيمة الأمس حين فتحوا إحدى المصفحات فوجدوها مليئة بالدجاج والطيور من مختلف الأنواع والأحجام .

وكان نصرا رائعا رد لهذه الكتيبة المجاهدة اعتبارها وعوض لها خسارتها وبعد هذه المعركة تغير الموقف واقتنع أحمد عبد العزيز بالنظرة الأولى وهي أن مهاجمة المستعمرات دون أن يكون معه عدد من الدبابات الثقيلة إن هو إلا ضرب من الانتحار فأخذ يستخدم (تكتيكات) العصابات ويضرب المستعمرات بمدفعيته دون أن يهاجمها ويعترض طريق القوافل المصفحة ويبيدها عن آخرها حتى أزعج اليهود إزعاجا شديدا وحرم عليهم التجول في صحراء النقب وكان مقدرا لهذه الحركة أن تحرز نجاحا رائعا لولا ماجد على الموقف الحربي من أحداث وتطورات .

ولقد أشرت إلى قيامي بنقل جثث شهداء الإخوان في كفارديروم وهذه القصة لا تخلو من الطرافة على الرغم من كآبة المناسبة وجو الحرب المقبض في ذلك الحين ففي صبيحة يوم (18) يونيو ظهر أحد جنود ((الهاجاناه) من كفارديروم وهو يحمل راية بيضاء وتقدم نحو مواقع المراقبة التابعة لنا وقد أبلغني قائد المواقع بأمره لاسلكيا وطلب الإذن باستقباله لمعرفة ما لديه فأذنت له وحين وصل أبلغ رجالنا أنه يحمل رسالة شفوية من قائد المستعمرة مفادها : أنه يرغب في الدخول معنا فيبحث لإجلاء جثث الإخوان من حول المستعمرة مقابل ((شروط معينة )) وأن قائده مستعد لمقابلة أي مسئول منا سواء في منطقتنا أو في منطقته لبحث هذا الموضوع الإنساني ولما بلغني الخبر وافقت على الفور على مقابلة قائد المستعمرة وعرضت أن يكون اللقاء عند مستعمرته إذا لم يكن لديهم مانع وتركت لقائد موقعنا أن يحدد مع الرسول بقية التفاصيل التي تتعلق بالوقت والمكان ولم تكن لديهم أي شروط للقاء سوى ألا نحمل معنا أية أسلحة غير الأسلحة الشخصية التي لا تتعدى المسدسات .

والواقع أنني لم أدرك حقيقة المخاطرة التي انطوى عليها ذهابنا للمستعمرة دون أسلحة إلا بعد أن انتهي هذا الاجتماع الطريف ربما لأنني كنت مشوقا لرؤية هذا الحصن القاتل من قريب وربما للتعرف على غريمنا في الجهة المقابلة في جو عادى بعد أن ظل اتصالنا به بواسطة القنابل والرشاشات.

على أن أهم ما في الموضوع كان في الحقيقة نقل جثث إخواننا الأعزاء ودفنهم دفنا لائقا بعد مرور أسابيع على استشهادهم وفعلا توجهت في الموعد المحدد ومعي أربعة من ضباطنا أحدهم يحسن اللغة الألمانية بعد أن علمنا أن قائد المستعمرة من أصل ألماني والواقع أننا لم نحتج إلى الترجمة حيث إننا وجدنا أكثر رجال الوفد اليهودي يحسنون اللغة العربية ومع أننا احترمنا وعدنا بعدم أخذ أسلحة معنا سوى المسدسات فإننا لم ننس أن نحرك بطارية مدافع هاون(108) مم وعددا من المصفحات إلى أماكن قريبة على سبيل الاحتياط فيما إذا تحرك الغدر اليهودي التقليدي ووجدنا أنفسنا مضطرين للدفاع عن حياتنا .

كان أول سؤال طرحه الضابط اليهودي هو عن مصير بعض الجنود اليهود الذين وقعوا بين أيدينا خلال الاشتباكات السابقة مع القوافل المصفحة وكان جوابي أنه لا يوجد لدينا أسرى وإنما وجدنا فعلا بعض القتلى في داخل السيارات أو على أرض المعركة وأننا قد نقلناهم ودفناهم بصورة عادية وهنا زعم اليهود أننا قد أخذناهم أحياء ثم قتلناهم وكاد هذا الاتهام الوقح وردى المنيع عليه أن ينهي البحث لولا أنه تصنع الهدوء وعرض أن نضع على القبور اليهودية ((نجمة داود)) وهو شعار إسرائيل ولكنني رفضت هذا الطلب وعرضت أن نضع عليهم علامات مميزة حتى يمكن التعرف عليهم ونقلهم في نهاية الحرب فوافق على هذا العرض وكان مطلبه الثاني هو السماح لقافلة تموين بالوصول إلى المستعمرة كانوا لا يقلون عنا حرصا على نقل الجثث من أرض المعركة مخافة أن تسبب لهم الأمراض فوافقوا على مطلبنا على أن ننقلهم دفعة واحدة في وقت معين وعلى أن يكون الأفراد الذين ستوكل إليهم هذه المهمة غير مسلحين وفي بعض اللحظات أدرك اليهودي أنني أكثر النظر في المستعمرة وما يحيط بها من أسلاك وأبراج وكأنه أدرك ما يدور في خاطري فلفت انتباهي بأدب قائلا(( ألا تعتقد أن، المنظر في الجهة العكسية أجمل وأفسح))وخلال الحديث قدم لي قائد المستعمرة أحد مرافقيه الضابط وهو من أصل روسي واسمه((آصف ))قائلا : إن هذا الضابط هو الذي حاول قبل بضعة أيام اختراق الحصار على رأس فصيلة من الهاجاناه ولكن نيران رشاشاتنا ردته فاشلا فقلت إن وجوده معنا الآن يدل على أنه محظوظ فعلا ونصحته بألا يحاول اللعب بالنار مرة أخرى !!! ,اذكر أن الحديث بعد ذلك تحول إلى مبارزة كلامية وتهديدات مبطنة ومحاولات مستترة لكسر المعنويات وإثارة المخاوف وفي ختام الجلسة قال له أحد الإخوان مازحا : (( إنكم يهود حقا فلم تقدموا لنا شايا ولا قهوة ولو جئتم عندنا لأكرمناكم)) فرد اليهودي قائلا: ((إنكم تحاصروننا منذ بضعة شهور فمن أين لنا القهوة والشاي؟ ثم إن مدافعكم أمس دمرت مطبخ المستعمرة وأتلفت الموقد الوحيد لدينا)) وكان تعليقي على هذه المحاورة المازحة أن هذه الأخبار هي عندي أهم من القهوة والشاي!! وفي العودة كفار ديروم انتابني شعور غريب وأنا أعبر نفس الأرض التي عبرتها قبل شهور زحفا على البطن والرصاص يلفح وجهي كأنه صفير الأبالسة! والواقع أننا لم نحاول العودة إلى (كفار ديروم) حربا وإنما عدنا إليها في منتصف يوليو بعد أن أفلحت خطة الحصار في إنهاك قوتها واقتنعت القيادة الإسرائيلية بسحب وحدة الهاجاناه من هناك .

وفي اليوم التالي أرسلنا بضع سيارات لنقل جثث الشهداء بعد أن أعددنا لها مدافن في (مقبرة الإخوان المسلمين القائمة على أحد التلال المشرفة على قرية دير البلح) وتم الدفن فعلا في حفل رسمي حضره وجهاء البلدة والقرى المجاورة .

بعد هذه الحوادث بدأت القوة المصرية النظامية تزحف على فلسطين بقيادة اللواء ((أحمد محمد على المواوى)) واحتلت في زحفها السريع كثيرا من المدن الساحلية ثم توقفت في (غزة) لتنسق عملياتها المقبلة وكان مفروضا أن يبدأ التنسيق بتوحيد القيادة في الجبهة المصرية ويبدأ التعاون الفعلي بين قوات الجيش وقوات المتطوعين وكان من رأى ((المواوى)) أن يخضع أحمد عبد العزيز لقيادة الجيش العامة تنسيقا للعمل وتوحيدا للجهد وكان يريد أن يجعل من كتيبته (قوة ضاربة) ترافق الجيش في عملياته .

غير أن أحمد عبد العزيز رفض هذه الفكرة وأصر على أن يستقل بالعمل بحجة أنه يقود جماعات من المتطوعين لا يلتزمون بالأوضاع العسكرية التي يلتزم بها الجيش النظامي وأخيرا رأى (المواوى) حسما للنزاع أن يتولى أحمد عبد العزيز قيادة منطقة (بئر السبع) على ألا يتجاوزها شمالا فيدافع بذلك عن مفتاح فلسطين الشرقي ويوزع قوات العدو بين جبهتين واسعتين ويحمى ميمنة الجيش المصري من خطر الالتفاف .

وقبل أحمد عبد العزيز هذا الرأي فجمع قواته واخترق بهم صحراء النقب ماراً بمستعمرة (العمارة) حيث ضربها بمدفعيته في (17 مايو) ودخل بئر السبع حيث قابله السكان مقابلة رائعة ولم يكد يسافر بها حتى بدأ أولى حركاته بضرب مستعمرة(بيت إيشل) الحصينة ثم شرع في توزيع قوته على هذه المنطقة فأرسل جزءا بقيادة البكباشى((زكريا الوردانى)) ليحتل (العوجة)و(العسلوج) العربيتين وأبقى جزءا آخر بقيادة اليوزباشى (محمود عبده) ليتولى الدفاع عن مدينة (بئر السبع) ومنطقتها .

أما هو فقد اتخذ قيادته في المدينة وأخذ يرسم الخطط لمهاجمة اليهود في كل مكان من الصحراء وبدا أن الخلاف قد انتهي عند هذا الحد وحل محله التعاون والانسجام لولا أن جاء وفد من مدينة (الخليل )في (19) مايو وقابل أحمد عبد العزيز والتمس منه إرسال جزء من قواته للاشتراك مع الجيش الأردني في الدفاع عن الخليل وبيت لحم وهنا نجد أحمد عبد العزيز يوافق على توزيع قوته ويقرر الزحف إلى الخليل غير عابئ بالتعليمات التي اتفق عليها مع القائد العام وغير عابئ بما قد تجره هذه الخطوة من مشاكل سياسية إذ إن هذه المناطق كانت تدخل ضمن الجبهة الأردنية حسب الخطة العربية العامة .

وفي يوم (20) مايو زحف أحمد عبد العزيز إلى الخليل على رأس قوة صغيرة تاركا مهمة الدفاع عن مدينة (بئر السبع) ومنطقتها لليوزباشى (محمود عبده) وفصائل الإخوان المسلمين التي تعمل تحت قيادته ولندع أحمد عبد العزيز يواصل زحفه إلى الخليل ولنقف نحن قليلا مع حماة بئر السبع حيث نشهد طرفا من أعمالهم الرائعة .

قرر اليوزباشى ((محمود عبده )) محاصرة المستعمرة وإنهاك قوى العدو بالغارات المتواصلة على مواصلاته ومراكزه وأخذ يبعث بالدوريات المسلحة لتجوب الصحراء وتعترض طرق القوافل وترغمها على الفرار تاركة خلفها الكثير من الأسلحة ومعدات الحرب .

ولقد حاول اليهود في (7) مايو توصيل بعض المؤن إلى مستعمراتهم المحصورة وكان الطريق نسف هذا الجسر حين مرور القافلة فوقه وفعلا قامت قوة من بئر السبع بقيادة المجاهد (على صديق )) وبثت الألغام تحت الجسر .واختبأت داخل الشعاب والمنحنيات القريبة ولم يطل بها الانتظار إذ تقدمت قافلة العدو وهي جاهلة تماما ما ينتظرها 0

فما إن توسطت الجسر حتى انفجرت الألغام الهائلة وتطايرت أجزاء الجسر في الهواء وانقلبت مصفحات العدو في الوادي السحيق وانتهز الإخوان الفرصة فقاموا يقتلون كل من تظهر رأسه تحت الردم .

وأسفرت المعركة عن قتل عدد من جنود الأعداء وأسر عدد آخر من المصفحات أطلق الإخوان على أكبرها اسم قائدها (محمود عبده) وكما أرهب محمود عبده (الضابط) اليهود بخططه وكمائنه فقد أرهبت محمود عبده (المصفحة) اليهود بعد ذلك حين كانت تشترك عمليا في جميع الدوريات الناجحة!

أما أحمد عبد العزيز و الإخوان الذين معه فما كادوا يدخلون مدينة (الخليل ) حتى استقبلهم السكان في مظاهرات حماسية واجتمع الناس بهم في مسجد (الخليل) إبراهيم حيث وقف الأعيان ورءوس القبائل يرحبون بمقدمهم ويبدون سرورهم البالغ لدخول هذا النوع المؤمن من المجاهدين إلى ديارهم وما كاد الجمع ينفض حتى ركب أحمد عبد العزيز في دورية إلى مدينة بيت لحم .

ولقد بدأ النزاع بين الأردنيين والمتطوعين في اليوم الأول إذ كانت قوة من الجيش الأردني تحتل المدينة وتتخذ من مركز البوليس فيها قيادة لقوات الاحتلال وكانت هذه القوة ترفع علمها على سارية المركز وأراد المتطوعون أن يرفعوا علمهم فمنعهم الأردنيون بحجة أن هذه المدينة إلى معسكرين هذا يشايع المصريين وذاك يشايع الأردنيين ووجدتها عناصر الفتن فرصا سانحة لبذر بذور الجفاء واستغلها الجنرال ((كلوب)) أسوأ استغلال فأخذ يوغر صدور المسئولين في حكومة شرقي الأردن ويتخذ من هذا الموقف دليلا على نوايا مصر إزاء جارتها العربية .

قرر أحمد عبد العزيز تخفيف القوات التي تركها في (العوجة) و(العسلوج) و(بئر السبع) وسحب معظمها إلى الخليل وبيت لحم حيث أخذ ينظم خطط الدفاع عن المدينتين متخذا مقر قيادته في فندق (وندسور) في أحد أحياء مدينة (بيت لحم) الساحرة .


12-في الدفاع عن بيت لحم والخليل

{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} قرآن كريم .

تقع مدينة (بيت لحم ) على بعد ستة أميال جنوبي القدس وهي إحدى المدن المقدسة لدى المسيحيين إذ يقع فيها كثير من آثار المسيحيين وكنائسهم وبخاصة كنيسة المهد التي يحج إليها المسيحيون من جميع بقاع العالم وغالبية سكانها العظمى من المسيحيين العرب .

وكم كان جميلا من هؤلاء المواطنين أن يحتفوا بالإخوان عند دخولهم للدفاع عن مدينتهم ويكونوا معهم أسرة واحدة متعاونة وكان الإخوان يبادلونهم هذا الشعور الكريم لما رأوه من إخلاصهم ولما شهدوه من غيرة صادقة على كرامة العرب والمسلمين ولعل في هذا التعاون الصادق أكبر رد على أولئك الذين يحاولون تشويه حركة الإخوان ويلصقون بها تهمة التعصب الذميم وهو يعلمون أن الإخوان براء من هذا الاتهام ولكنها تهمة يحاولون بها خدمة المستعمر الدخيل وتثبيت أقدامه في هذا الوطن المسكين .

وها هي ذي معارك بيت لحم وعدد الإخوان الهائل الذي استشهد حول أسوارها دفاعا عن مقدسات المسيحيين وآثارهم تقف دليلا شاهدا على مدى التعاون الذي يجمع بين العنصرين الشقيقين ويوجد بين الطائفتين الحبيبتين ولقد كنت شخصيا أهتم بهذا المعنى عند زيارتي المتكررة لبيت لحم فكنت ألتقي ببعض رؤساء الطوائف المسيحية بها وأسألهم عن نظرتهم للإخوان وحركتهم وكانت نفسي ترتاح كثيرا حين استمع إلى إجاباتهم وكلها مزيج من الحب والاطمئنان وكيف لا تكون كذلك وهم يرون بأعينهم مقدار الجهود التي يبذلها الإخوان دفاعا عن عرب فلسطين لا يفرقون في ذلك بين عربي مسلم ومسيحي ولقد ظل الإخوان في مدينتهم عاما كاملاً دون أن تقع حادثة واحدة من تلك الحوادث التي تقع عادة بين الجنود والمدنيين من أهل البلاد .

كان الجيش العربي الأردني يحتل مدينة ((بيت لحم)) قبل دخول أحمد عبد العزيز وكان يتخذ مقر قيادته في (مار الياس) الواقع شمالي المدينة وكان هذا الجيش مشتبكا مع مستعمرة (رامات راحيل) الواقعة على طريق (بيت لحم ) القدس غير أنه لم يتمكن من اقتحامها وبقيت (رامات راحيل) كما كانت دائما مصدر خطر كبير .

فهي تقع على ربوه عالية وتتحكم في الطريق الرئيسي الذي يصل (بيت لحم) بالقدس فضلا عن أن المدافعين عنها يمكنهم مراقبة القوات الموجودة ببيت لحم وإحصاء حركاتها وسكناتها لذلك كله نرى أحمد عبد العزيز يتجه إلى اقتحام منذ أن هبط أرض المدينة .

ولقد بدأ في (24) مايو فأرسل قوة من جنود الإخوان بقيادة (لبيب الترجمان) لتقوم باستكشاف المستعمرة وكتابة تقرير واف عن تحصيناتها وقامت الدورية بعملها خير قيام ونجحت في التسلل إلى مكان قريب من المستعمرة حيث أخذت تراقب تحصيناتها ومواقع الدفاع عنها وظلت في موضعها يوما كاملا حتى فطن اليهود لوجودها وأخذوا يطلقون عليها النار من قمم الأبراج واشتبكت معها الدورية غير أن قائدها أمر بالانسحاب إذ كان هدفه هو ((الاستكشاف)) فحسب وليس الدخول في معركة مباشرة .

وحين وصل إلى بيت لحم عكف على كتابة تقريره وضمنه ما وصل إليه من معلومات عن المستعمرة ونقاط القوة والضعف في الدفاع عنها وقدمه إلى أحمد عبد العزيز الذي جعله أساسا لخطته المقبلة .

كانت الخطة الجديدة لا تختلف كثيرا عن الخطة التي اتبعت في (كفارديروم) إذ تقرر أن تبدأ المدفعية بقصف الحصون والأبراج ثم يزحف المشاة تحت غلالة من نيران مدفعية (الهاون) وقنابلها الدخانية ثم تتقدم جماعات الفدائيين من حملة ألغام (البنجالور) لنسف العوائق السلكية وحقول الألغام .

وهذه الخطة قد نجحت في احتلال (رامات راحيل) وكان سر نجاحها أن الأرض المحيطة بالمستعمرة كانت جبلية مليئة بالمنحنيات والفجوات على حين كانت الأرض المحيطة بكفار ديروم سهلا منبسطا يمتد إلى مسافات شاسعة .

وفي مساء يوم (26) كان كل شئ هادئا حول مستعمرة (رامات راحيل) وكان جنود (الهاجاناه) فيها ينامون ملء أجفانهم مطمئنين إلى حصونهم القوية حتى انتصف الليل أو كاد وبدأت أشباح كثيرة تنطلق من مركز رئاسة أحمد عبد العزيز حيث يبتلعها الظلام الكثيف ثم تلتقي في سكون في مناطق مختلفة في الجبال المحيطة بالمستعمرة ثم انطلقت إشارة ضوئية زحف بعدها المجاهدون ثم توقفوا عند نقط معينة تحددت في الخطط المرسومة .

وعندما دقت ساعة الكنيسة الكبيرة دقتين بعد منتصف الليل ارتجت الأرض تحت دوى المدافع تمزقت حجب الليل المظلم من وهج القنابل المحرقة التي انقضت كالشهب على المستعمرة الساكنة ولم تمض إلا دقائق حتى شبت الحرائق في أكشاكها الخشبية وتفجرت حقول الألغام التي لف بها العدو مستعمرته ثم سكتت المدافع وأصدر (لبيب الترجمان) أوامره لقوته فبدأت تزحف تحت غلالة كثيفة من قنابل الهاون المتفجرة وقنابل الدخان وفي لمح البصر اندفع الفدائيون يفجرون ألغامهم تحت الأسلاك الشائكة ومن ورائهم فصائل الاقتحام تعبر مسرعة لتحتل الأغراض التي خصصت لها .

وبدأ الاشتباك الرهيب عند الخنادق((والدشم)) واستمات اليهود في الدفاع عن مستعمرتهم ولم يضيع الإخوان الوقت فتسلل نفر منهم إلى الأبراج العالية يفجرون تحتها الألغام ويحيلونها أنقاضا وركاما وأثرت هذه الانفجارات المفاجئة تأثيرا سيئا في نفوس المدافعين عن المستعمرة وأسقط في أيديهم فبدءوا يجلون عبر ممراتهم السرية إلى مستعمرة (تل بيوت) على مقربة من القدس الجديدة . وعكف المجاهدون على الخنادق يتمون تطهيرها وحين كان آخر يهودي يغادر المستعمرة هاربا كان صوت المؤذن يتهادى مع النسيم من أعلى قمة فوق أعلى برج -الله أكبر ...الله أكبر ...أشهد أن لا إله إلا الله ......أشهد أن محمداً رسول الله .

سقطت المستعمرة أمام هذه الخطة وأخذ الإخوان يجرسون خلال أبنيتها وأبراجها فرأوا ما أذهلهم من الخيرات والمؤن المكدسة إذ كانت هذه المستعمرة هي مركز التموين الذي يشرف على إمداد المستعمرة الواقعة في جنوبي القدس .

وكان عدد القتلى من اليهود في هذه المعركة كبيرا للغاية إذ وجد تحت الردم ما يزيد على المائتين عدا من نجح اليهود في أخذه معهم عند انسحابهم أما خسائر الإخوان فلم تتجاوز تسعة من الشهداء والجرحى وشهيداً واحداً من قوة الإخوان الأردنيين التي كانت ترابط في (صور باهر) بقيادة المجاهد (عبد اللطيف أبو قورة) رئيس الإخوان في عمان .

لم يكن انسحاب اليهود نهائيا من المستعمرة إذ كانوا يبيتون النية لاستردادها وطرد الإخوان منها فصعدت طائراتهم في اليوم التالي تستكشف الحالة فيها فلم تجد إلا عدداً قليلا من المجاهدين وكان الخطأ الذي يؤخذ على قيادة المتطوعين أنها لم تعزز الانتصار الذي أحرزته .

ولم توضع الخطة السليمة للمحافظة على المستعمرة وكان عذر أحمد عبد العزيز في هذا الخطأ أن قوته الصغيرة كانت موزعة في حط طويل يمتد من (العوجة) إلى(بيت لحم) وأن أسلحته وذخائره كانت قليلة تافهة ولقد طالب مرارا بتزويده بالسلاح والذخيرة غير أن (المواوى)) رفض إمداده بها وسبب ذلك كما سمعته من ضباط هذه القوة أن أحمد عبد العزيز تخطى أوامره وتجاوز الحدود التي رسمها له!! وفي اليوم التالي تجمعت قوات يهودية كبيرة من القدس الجديدة ومستعمرات (تل بيوت) و(أرنونة) فطالب الإخوان بتعزيز القوة وإرسال عدد آخر يشترك معهم في الدفاع عن المستعمرة .

لكن القيادة قلبت كفها محتجة بعدم وجود قوات لديها حتى يوم(28) مايو إذ حسم اليهود المعركة فأغاروا بقوات كبيرة قدرت بخمسة آلاف تؤيدها المدفعية والعربات المدرعة واستبسلت القوة الصغيرة من الإخوان في الدفاع على أمل أن تنجدهم القيادة بالقوات اللازمة وطال بهم الانتظار زمنا طويلا دون جدوى فقرروا الانسحاب بعد أن دمروها تدميرا تاما ولم يتركوا فيها بقعة واحدة تصلح للإيواء .

حاصر الإخوان المستعمرة وما جاورها وتولوا الدفاع عن قرية (صور باهر) العربية ولقد حدث في أوائل شهر يونيو أن حلقت طائرة يهودية تحمل أسلحة وذخائر وأرادت إلقاءها على (رامات راحيل) وكان الوقت ليلا ورأى الإخوان أن المستعمرة تطلق إشارات حمراء لتدل الطائرة على موضعها فما كان منهم إلا أن أطلقوا إشارات حمراء مشابهة فاختلط الأمر على الطائرة وألقت حمولتها فوق (صور باهر) وكانت صناديق ضخمة مليئة بأجزاء المدافع وأنواع الرشاشات الحديثة والأدوية الثمينة .

أراد اليهود تعزيز النصر الذي أحرزوه في ختام معركة (رامات راحيل) فأرسلوا قوة من جنودهم هاجمت الجيش العربي الأردني في مقر قيادته في (دير مار إلياس) واضطرته لإجلائه وكان هذا الدير يقع على مقربة من (صور باهر) حيث ترابط فصائل من الإخوان فضلا عن أن احتلاله باليهود كان يؤثر تأثيرا بعيدا في موقف القوات المرابطة في (بيت لحم) فلم يجد الإخوان بدا من معاودة احتلاله وتقدمت قوة منهم بقيادة المجاهد (حسين حجازي)( تعاونه قوة فلسطينية من جيش الجهاد المقدس يقودها المجاهد العربي((جاد الله)) وهاجمت اليهود على غرة واضطرتهم للانسحاب موقعة بهم كثيرا من الخسائر .

وكان هذا النجاح حافزا على القيام بحركة جديدة ذلك أن المستعمرة (تل بيوت) دأبت على إطلاق النيران من برجها الضخم وتسبب عن ذلك كثير من الخسائر والأضرار مما اضطر أحمد عبد العزيز إلى لإصدار أوامره للأخ المجاهد (حسين) ليتولى تدمير هذا البرج الخطير .

وفي ليلة (4) يونيو انطلقت جماعة من بيت لحم وأحيط انطلاقهم بتكتم كبير حتى أن زملاءهم في القوة لم يعلموا حقيقة المهمة التي سيقومون بها حتى لمعت برقة خاطفة أضاءت صفحة السماء وأعقبها انفجار هائل ارتجت له أركان المدينة وشاهد الناس أحجار البرج الضخم تتناثر في الهواء ثم تتهاوى لتصنع من تراكمها قبرا كبيرا يضم نخبة كبيرة من رجال الهاجاناه .

ولقد علقت (جريدة أخبار اليوم) في عددها الصادر في (5) يونيو تصف هذه العملية الجريئة فقالت بعد كلام طويل :((وفي الليل تسلل حسين ومعه أربعة جنود ..وزحفوا على الأشواك في صور باهر أربعة كيلو مترات تحت تهديد الرصاص الطائر في الهواء والحيات الزاحفة بين الأحجار .

وقرب الفجر سمعت بيت لحم انفجارا مدويا وتهدمت ثلاثة حصون من (تل بيوت).

وفي الصباح عاد (حسين حجازي) ليتلقى تهنئة قائده ....ومعها لقب بطل (تل بيوت)!)).

وبينما كان المجاهدون يوجهون ضربات مركزة في كثير من المناطق ويعدون أنفسهم للوثوب على القدس الجديدة إذا بالدول العربية تقبل الهدنة الأولى وتصدر أوامرها لجيوشها بوقف إطلاق النار لممدة أربعة أسابيع تبدأ من (11 يونيو سنة 1948) ولم تكن الهدنة في حقيقتها إلا أسلوبا جديدا ابتكرته هيئة الأمم لمساعدة اليهود وتمكينهم من جلب الأسلحة الثقيلة والذخائر ولقد كان قبولها من جانب العرب إقرارا بالأمر الواقع واعترافا فعليا بقيام إسرائيل .

ولم تقف فائدة الهدنة لليهود عند حد جلب السلاح والعتاد فحسب ولكنها أيضا كانت وسيلة لاحتلال المواقع الهامة إذ إن أغلب المراكز الخطيرة لم يستطع اليهود احتلالها إلا بهجمات غادرة قاموا بها خلال الهدنة وكانت الحجة دائما عند هيئة الأمم وعند حكومة إسرائيل أن أصحاب هذه الحركات الغادرة ليسوا إلا عصابات فوضوية متطرفة .

وكانت الدول العربية تصدق هذا الزعم وتشفق على هيبتها وكرامتها أن تجارى عصابات فوضوية وهي الدول المحترمة ذات المركز والسلطان وعن هذا الطريق الوضيع احتل اليهود أغلب المناطق التي وقعت في أيديهم ولقد نجح الإخوان في تكبيل المستعمرات اليهودية حول ((بئر السبع))عن طريق الدوريات الكثيرة التي كانوا يبعثون بها وعن طريق المواقع الحاكمة التي اختلوها على طرق المواصلات فحاول اليهود اغتنام الهدنة -كعادتهم دائما وهاجموا قرية (العسلوج) حيث كانت ترابط قوة صغيرة يقودها اليوزباشى (عبد المنعم عبد الرءوف).

ولم تصمد القوة الصغيرة طويلا أمام هذا الهجوم المباغت فتسرب أفرادها إلى الصحراء مذعورين حين رأوا أنفسهم أمام قوات كبيرة من العدو تؤيدها حشود من المدرعات والمدفعية ومما يذكر في هذه المعركة أن ثلاثة من الإخوان هم المجاهدون : رشاد زكى ومحمود حامد ماهر وعبد الله البتانونى من إخوان القاهرة كان القائد وكل إليهم مهمة حراسة مخازن الذخيرة وكانت المخازن مليئة بالأسلحة والذخائر إذ كانت هذه القرية هي مستودع الذخيرة الذي يمون المنطقة وأفاق المجاهدون على أنفسهم فوجدوا العدو في داخل المواقع وسمعوه يحاول احتلال المخازن فأخذوا يتدبرون موقفهم .

إنها كارثة كبرى أن يضع العدو يده على هذا السلاح الكثير في وقت يحتاج فيه إلى طلقة الذخيرة الواحدة لابد من عمل شئ ما ولم يدم تفكيرهم كثيرا إذ قرروا نسف المخازن حين يدخلها العدو واختبئوا خلف كومة من الصناديق حتى امتلأ المخزن بالجنود اليهود ثن أشعلوا النار في صناديق المفرقعات وفي لحظة واحدة استحال البناء الضخم إلى كومة من الأنقاض ومات الأبطال الثلاثة بعد أن ثأروا لأنفسهم وجروا العدو الغادر إلى كارثة مدمرة .

كان اختلال هذا الموقع يعنى قطع مواصلات الجيش المصري في الجبهة الشرقية مما دعا القيادة العامة إلى تنظيم خطة لاسترداده وفي اليوم التالي تحركت قوة كبيرة من الجيش النظامي تعاونها والسيارات المدرعة ولكنها فشلت في الاقتراب من القرية لاستماتة العدو في الدفاع عنها .

فاستنجدت القيادة العامة بالبكباشى أحمد عبد العزيز وكل الأمر لليوزباشى محمود عبده قائد الإخوان في ((صور باهر)) ليتولى إرسال قوة من رجاله تسترد هذه المواقع وأترك وصف النتيجة لسعادة اللواء أحمد محمد على المواوى (بك) القائد العام للقوات المصرية وهي مقتبسة من شهادة أدلى بها بين يدي القضاء في إحدى قضايا الإخوان المسلمين التي عرفت باسم (قضية سيارة الجيب).

وكانت إجابته ردا على سؤال وجهه إليه الدفاع في القضية المذكورة .

-هل كلفتم المتطوعين بعمل عسكري خاص عند مهاجمتكم العسلوج؟

-نعم العسلوج بلد تقع على الطريق الشرقي واستولى عليها اليهود في أول يوم الهدنة ولهذا البلد أهمية كبرى بالنسبة لخطوط المواصلات وكانت رئاسة الجيش تهتم كل الاهتمام باسترجاع هذا البلد حتى إن رئيس هيئة أركان الحرب أرسل إلى إشارة هامة يقول فيها : (لابد من استرجاع العسلوج بأي ثمن) فكانت الخطة التي رسمتها لاسترجاع هذا البلد هي الهجوم عليها من كلا الطرفين من الجانبين فكلفت المرحوم أحمد عبد العزيز بإرسال قوة من الشرق من المتطوعين وكانت صغيرة بقيادة ملازم وأرسلت قوة كبيرة من الغرب تعاونها جميع الأسلحة ولكن القوة الصغيرة هي التي تمكنت من دخول القرية والاستيلاء عليها .

ولما سأله المحامون عن السبب في تغلب القوة الصغيرة أجاب :

القوة الغربية كانت من الرديف وضعفت روحهم المعنوية بالرغم من وجود مدير العمليات الحربية فيها إلا أن المسألة ليست مسألة ضباط المسألة مسألة روح إذا كانت الروح طيبة يمكن للضابط أن يعمل ما يشاء ولكن إذا كانت الروح ميتة فلا يمكن للضابط أن يعمل شيئا لابد من وجود الروح المعنوية وهكذا تحررت (عسلوج) وكان تحريرها على يد قوة من الإخوان بقيادة ضابط ملازم هو الأخ المجاهد ((يحيى عبد الحليم)) من إخوان القاهرة .

ورغم هذا النجاح الباهر الذي أحرزه الإخوان وعظم الخسائر التي منى بها العدو فقد كانت خسائرها صغيرة جدا لا تتجاوز عددا من الجرحى من بينهم قائد القوة المهاجمة المجاهد (عبد الحليم).

بدأ أحمد عبد العزيز خلال الهدنة يجمع قواته المبعثرة ويحشدها في (بيت لحم ) ويبدو أن القيادة العامة المصرية رضخت للأمر الواقع فأمدته ببعض الأسلحة والذخيرة وزودته بعدد من الجنود فأخذ يحصن نفسه داخل المدينة وأقام خطا دفاعيا حولها يمتد من (صور باهر) إلى (مرمزان) ماراً بقرى (مار إلياس) و(بيت صفافا) و(شرفات) و(الولجا) وإلى جانب ما أثبته الإخوان من بطولة ومقدرة في الأعمال الهجومية فإن مقدرتهم على الدفاع والتحصين كانت مثار إعجاب الضباط والمراقبين وكانت مواقع (صور باهر) الحصينة وما أقيم بها من خنادق (ودشم) نحتت ببراعة في الأرض الصخرية الصلبة تشهد بعظم الجهد الذي بذله الإخوان لتحصين هذه القرية العربية والاحتفاظ بها حتى آخر مراحل القتال رغم الهجمات المتوالية التي شنها العدو وحاول فيها احتلالها ليضع القوات المرابطة في بيت لحم والخليل كلها تحت رحمته .

وكانت أولى المحاولات التي قام بها العدو هي إقدامه على محاولة احتلال مرتفعات (جبل المكبر) في (18 أغسطس سنة 1948).

يقع جبل المكبر إلى الجنوب الشرقي من القدس القديمة وهو مرتفع منيع يستطيع من يحتله أن يهيمن على القدس كلها ويقطع الطريق الرئيسي الذي يصلها بعمان فضلا عن أنه يتحكم في القوات المتطوعة التي ترابط في جنوب القدس وكان هذا المرتفع إحدى حلقات الدفاع التي يتولاها الإخوان المسلمون المرابطون في قرية (صور باهر).

ولقد كان اليهود يؤملون مهاجمة الإخوان على غزة فبدأت جموعهم تتحرك في الساعة الثامنة من مساء (18) أغسطس من أحياء القدس اليهودية ومن المستعمرات الواقعة في جنوبيها ثم بدءوا يزحفون في سكون وهدوء غير أن نقطة المراقبة الأمامية فطنت لهذه الحركة وأرسلت تخبر قائد (صور باهر) بهذا النبأ وتطلب توجيهاته السريعة وبدأ (محمود عبده) يفكر في الموقف ويضع خطته على أساس الأنباء التي تصل إليه تباعا ولم يكن يعنيه وقف الزحف اليهودي والاحتفاظ بالموقع ولكنه كان يريد إبادة هذه القوات وتلقين اليهود درسا قاسيا يحفظونه عن الإخوان وشدتهم في القتال .

وحين بدأ يتحرك بقوته من (صور باهر) كانت عواصف الرصاص تثور في قمة الجبل وكان التليفون أن طلائع العدو قد اشتبكت مع مواقع الإخوان الأمامية .

وما إن وصل حتى كانت المعركة في أعنف مراحلها وكان واضحا أن العدو يستميت في احتلال هذا الموقع ويقذف كتلا هائلة من قواته لتحقيق الغرض في أقصر وقت ممكن وكلما تكسرت موجة تحت أقدام الأبطال المؤمنين تدفقت في أثرها موجة أخرى .

ولا عجب في ذلك فقد كان طريق الإمداد مفتوحا على مصراعيه والقدس اليهودية وفيها عشرات الألوف على مرمى حجر من أرض المعركة فصمم (محمود عبده) على التصرف السريع وكانت أولى الخطوات التي أقدم عليها أن أمر فصيلة من جنوده فدارت إلى اليمين واقتربت من الطريق الذي يستخدمه العدو في تحركاته وأخذت تطلق النار على القوافل التي تتحرك صوب المعركة وفي نفس اللحظة كان يصدر أمره للمدافعين عن الجبل بالانسحاب إلى الوراء فظن العدو أن المقاومة قد انتهت فتقدم ليحتل المواقع التي أخلاها المجاهدون وفي نفس الوقت كانت أفواه المدافع تنفتح من كل صوب وتقذف كتلا من اللهب على قمة الجبل ولم يكن لليهود ما يحتمون فيه فقتل منهم عدد كبير فبدءوا يتراجعون في ذعر وارتباك . تقدمت بعد ذلك قوات من المشاة وحاصرت قمة الجبل واشتبكت مع العدو في قتال عنيف وحاول اليهود التراجع إلى القدس بعدما يئسوا من وصول النجدات المطلوبة ولكن القوة الخلفية فاجأتهم بالنيران الحامية وبينما كانت المعركة تسير على هذا النحو المرسوم إذ أصيب اليوزباشى(محمود عبده) بطلقات طائشة فحمله مرافقوه للخلف دون أن يفطن أحد وبعثوا برسالة مستعجلة لقيادة بيت لحم يخبرونها فيها بإصابة القائد ولم تمض إلا لحظات حتى جاء الأخ المجاهد (لبيب الترجمان) ليتولى قيادة المعركة في مرحلتها الختامية .

أخذ اليهود يتسللون فرادى إلى المنطقة الحرام ودار الحكومة حيث يوجد بعض مراقبي الهدنة ورجال هيئة الأمم وفطن الإخوان للأمر فتابعوهم إلى هناك وضربوا حصارا محكما حول دار الحكومة وهددوا بتدميرهم مما اضطر رجال هيئة الأمم إلى الاستغاثة بالبكباشى (أحمد عبد العزيز) الذي جاء لتوه واستجاب لرغبة مراقبي الهدنة بوقف إطلاق النار ولكنه أصر على احتلال مرتفع يدعى (رأس الأحرش) خطرا شديدا يهدد القدس الجديدة واتخذوا من هذا الموقع نقطة يراقبون منها حركات اليهود وسكناتهم . وحاول اليهود في اليوم التالي القيام بهجوم كبير على نفس هذه المواقع أملا في احتلالها ورد اعتبارهم بعد هزيمة الأمس ولكن يقظة الإخوان واستماتتهم في الدفاع وقفتا سدا منيعا دون وصولهم لهذه الغاية مما اضطرهم إلى التراجع في ذلة وانكسار وكانت خسائرهم في هذه المرحلة تتجاوز المائتين حسب تقدير مراقبي الهدنة عدا فقدانهم لجميع الأسلحة والمعدات التي دفعوا بها في هذه المعارك .

بدأت بعد هذه الفترة مرحلة مفاوضات طويلة لتخطيط حدود المنطقة الحرام وكان أحمد عبد العزيز فخورا بجنود الإخوان وبما أحرزوه من انتصار رائع مما جعله يملى إرادته على اليهود ويضطرهم للتخلى عن منطقة واسعة مهددا باحتلالها بالقوة وكانت المفاوضات تدور في مقر قيادة الجيش العربي بالقدس ويحضرها الكولونيل (عبد الله التل) القائد العربي في المدينة المقدسة وحين انتهت المفاوضات في ليلة (22) أغسطس أراد ((أحمد عبد العزيز)) أن يحمل نتائجها إلى القيادة المصرية العامة في(المجدل) وأصر على أن يذهب في ليلته وكانت المعارك في ذلك الحين تدور بشدة على الطريق المؤدى للمجدل مما جعل ضباطه يلحون عليه في التريث وعدم الذهاب ولكنه قطع هذه المحاولات حين قفز إلى سيارته (الجيب) وهو يردد: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } وانطلقت السيارة في طريق المجدل ولم يكن معه لا اليوزباشى(الوردانى) واليوزباشى (صلاح سالم) من ضباط رئاسة المواوى وسائق سيارته .

وكانت ((عراق المنشية ))في ذلك الحين تستهدف لهجمات متواصلة مما دعا القيادة العامة إلى منع السير على هذا الطريق بالليل .

وما أن وصلت السيارة إلى مواقع عراق المنشية حتى صاح الحارس يأمر السيارة القادمة بالوقوف ولكن سوء الحظ تدخل هذه المرة إذ ضاع صوت الحارس في ضجيج السيارة فأطلقت نقطة المراقبة النار وتدخل سوء الحظ مرة أخرى حين أصابت أول رصاصة البكباشى(أحمد عبد العزيز) في جنبه وحمله مرافقوه إلى عيادة طبيب بمدينة (الفالوجا) ولكن قضاء الله سبقهم إليه فصعدت روحه إلى بارئها . ولم يكد الخبر يذاع على الناس حتى عم الوجوم الجميع وبكاه كل فرد في الجيش وكان أكثر الناس جزنا عليه وألما لفراقه أولئك الجنود الذين زاملوه في الميدان وقاسموه مرارة الهزيمة ونشوة النصر ونعته وكالات الأنباء ومحطات الإذاعة العالمية وأسف لفقده الحلفاء والأعداء ونعوه للناس بمزيد من الإعجاب والإكبار وبموت أحمد عبد العزيز طويت صفحة من أمجد صفحاتنا العسكرية وأفل نجم لامع كان ملء سمع الناس وبصرهم وخلا بذلك مكانه في الميدان وصعدت روحه الطاهرة لتحتل مكانا مرموقا في ملكوت الله وجنته ورفع اسمه من كشوف الجيش المصري ليحفظ في سجل التاريخ كأبرز شخصية عسكرية أنجبتها حرب فلسطين .

مات أحمد عبد العزيز فعينت القيادة العامة ضابطا جديدا لقيادة (بيت لحم) هو البكباشى((محمد فكرى)) من سلاح المدفعية لكنه عاد بعد أيام قلائل حين لم يستطع التفاهم مع ضباط متطوعين فرأت القيادة أن تبعث البكباشى ((عبد الجواد طبالة)) قائد كتيبة المتطوعين الثانية والتي كانت تتولى محاصرة المستعمرات وحراسة بعض النقط على خطوط المواصلات .

ولقد أتمت هذه الكتيبة تدريبها في معسكر (الهايكستب) بعد سفر الكتيبة الأولى وكانت هذه الكتيبة تحوى عناصر طيبة من الإخوان كان على رأسهم الأخ المجاهد (صلاح البنا) الذي كان له أبعد الأثر في تنظيمها وتدريبها وكان مقررا لهذه الكتيبة أن تحتل مدينة (بئر السبع ) وتدافع عنها غير أن قائدها أشار باستحالة تنفيذ ذلك لنقص مرتبها في الأسلحة وخلوها تماما من مدفعية الميدان والمدفعية المضادة للدبابات وأخيرا استقر الرأي على أن تحاصر بعض المستعمرات الواقعة في منطقة غزة -رفح فأبلت في القيام بهذا الدور أحسن البلاء .

وظللت على هذا الوضع حتى موت أحمد عبد العزيز وحين استدعت الحالة ذهاب قائدها لتولى القيادة في (بيت لحم) تقرر انتقالها للانضمام لزميلتها (الأولى) وتكونت من الكتيبتين وممن انضم إليهما من جماعات المناضلين والسودانيين والليبيين القوة التي عرفت باسم (القوة الخفيفة) والتي كان لها الفضل في المحافظة على منطقة الخليل وبيت لحم وتسليمها لقوات شرق الأردن بعد نهاية الحرب وإعلان الهدنة .

وصل القائد الجديد وافتتح نشاطه بالمرور على خطوط الدفاع وكانت الحالة في المنطقة هادئة نسبيا إلى أن نقض اليهود الهدنة بعد أيام قلائل فاحتلوا منزلا قريبا يقع في الشقة الحرام واتخذوا منه وكرا خطيرا للقناصة يستعيضون به عن البرج الذي نسفه الإخوان في تل بيوت وأخذوا يطلقون نه النار على المجاهدين في مواقعهم وحاولوا اقتناص قائد المنطقة نفسه حين كان يحاول الوصول إلى دار الحكومة للاجتماع بمراقبي الهدنة وكانت الأنباء تشير إلى أن لجنة من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي قد نزلت في هذا البناء واتخذته مقرا تشرف منه على جبهات المتطوعين وتضع خطة لمعارك شاملة تكتسح فيها هذه القوات .

لم يكن هناك بد من تدمير هذا البناء فصدرت الأوامر لقائد الإخوان في (صور باهر) ليتولى تنظيم هذه الخطة وتنفيذها وفي ليلة حالكة الظلام تسللت جماعة من الإخوان تحمل ألغامها وأسلحتها ووجهتها هذا المنزل المقام بين ثلاث مستعمرات من أخطر مستعمرات اليهود واستمروا يزحفون على بطونهم وقتا طويلا حتى اقتربوا منه وبينما كانوا يعالجون فتح الباب الخارجي انتبه اليهود للحركة فأخذوا يطلقون عليهم النار من أعلى المنزل ومن (الدشم) المسلحة المقامة حوله وبادلهم الإخوان الضرب غير أن شدة النيران المنبعثة من المنزل وخشية الإخوان من المستعمرات القريبة جعلتهم يلقون ألغامهم بعيدا عن البناء ويشعلونها وحين انفجرت أحدثت دويا هائلا غير أن البناء ظل قائما كما كان ! وجرح في هذه المعركة الأخ (عثمان عبد المجيد) وحمله رفاقه معهم إلى معسكرهم في (صور باهر) وثار قائد (صور باهر)على هذا الفشل وأصر على تدمير البناء وفي اليوم التالي تحركت قوة كبيرة مكونة من بعض الإخوان السوريين وعدد من مجاهدي الإخوان الأردنيين وقد اشتبكت هذه القوة في معركة مع حماة البناء غير أنها نجحت في الوصول إلى المنزل وتدميره على جميع من فيه من الضباط والجنود وأترك للبكباشى (عبد الجواد طبالة|طبالة) قائد القوة الخفيفة الكلام عن هذه العملية الجريئة في مقال نشرته إحدى المجلات العسكرية تحت عنوان (ولاء في بطولة).

عالج قائد الدورية الباب معتمدا على أن صوت الرصاص يعلو صوت معالجة الباب ولكن الباب لم يفتح فهو موصد من الداخل وإذا بالقائد يضغط بسبابة يمناه (تنك) سلاحه فيطير قفل الباب ويفتح على مصراعيه وفي لحظات أشعل الآخرون العبوات وألقوا بها داخل الدار وارتد الجميع للخلف قليلا ورقدوا إلى أن صم آذانهم صوت انفجار هائل تطاير على أثره الغبار في كل مكان .

وإن هي إلا غمضة عين فتسمع أنة موجعة صادرة من أحدهم فهرع إليه القائد فوجد الدم ينزف من جرح في رأسه فحمله بمعاونة زملائه وهرعوا عائدين وكل منهم يتلفت للخلف ليروا أثر ما عملوا فلا يروا إلا غبار يعلو الأرض إلى أن وصلوا حوالي الرابعة صباحا إلى رئاسة القطاع وبين أيديهم زميلهم الجريح يحتضر لكثيرة ما نزف من الدماء ولم تجد معه الإسعافات فلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتساءل عما حل بالمنزل فلما علم بتدميره تماما لفظ النفس الأخير والارتياح التام باد على أساريره .

وفي الصباح الباكر كان قائد الفدائيين يستقبل ضوء الشمس في مواقع (صور باهر) ويترحم على الشهيد البطل ويودعه إلى مثواه الأخير ثم عاد ليلقى نظره على موقع المنزل فإذا هو حطام يضم بين أحجاره جثث عشرين من اليهود الغادرين حاولوا الاعتداء عليه في الصباح فحكم عليهم جنوده (ألا يروا ضوء صباح تال) أما شهيدنا المبرور في هذه المعركة فهو المجاهد (ضيف الله) من الإخوان المسلمينالسوريين وفي المساء كانت محطة إسرائيل تذيع نبأ المعركة وتنعى إلى اليهود مقتل ضابط إسرائيلي برتبة كبيرة ومعه عدد من ضباط الجيش وجنوده ماتوا تحت الردم على مقربة من مواقع الإخوان المسلمين في (صور باهر).

وفي منتصف شهر أكتوبر كانت الجبهة المصرية مسرحا لعمليات واسعة النطاق وكانت منطقة (الفالوجا) في ذلك الوقت تهاجم بعنف وشدة والمجدل عرضة لغارات جوية مروعة وفي ذلك الوقت أيضا كانت القيادة الإسرائيلية في القدس تحاول تصفية حسابها مع قوات المتطوعين في ((بيت لحم)) وبدأت أعمالها بهجوم حاد على (صور باهر) غير أن هجماتها المتكررة تكسرت تحت تحصينات الإخوان القوية .

فأخذت تدور حول خطوط الدفاع تتلمس أضعف النقط فيها حتى نجحت يوم (19) أكتوبر في اقتحام مرتفع شاهق يعرف بتبة (اليمن) ولم يضيع اليهود الفرصة فأخذوا يحشدون قوات كبيرة ويعدون أنفسهم للوثوب على المرتفعات المجاورة والسيطرة على بيت لحم مما اضطر قيادة (صور باهر) إلى إرسال قوة كبيرة لتقوم بهجوم مضاد تستعيد به هذا المرتفع وبدأت المعركة بين الفريقين حامية شديدة وكان مما يستلفت النظر ويدعو للإعجاب براعة اليهود وسرعتهم الفائقة في أعمال التحصين فلا تكاد قواتهم تستقر في موقع من المواقع إلا وتسارع بتحويله إلى قلعة محصنة .

وكان ذلك مما يساعدهم دائما على الاحتفاظ بالمواقع التي تسقط في أيديهم ويبدو أن هذه الظاهرة ناتجة عما عرف عن المقاتل اليهودي من جبن وضعف فهو يستعيض عن الشجاعة الأصلية بتحصينات مصطنعة ولا يقوى على مواجهة خصمه في الدفاع إلا إذا كان مختفيا خلف أطباق كثيفة من (الدشم) والأسلاك الشائكة .

نجح الإخوان في الهجوم الذي شنوه وتراجع اليهود بعد مقاومة شديدة وخسائر من الطرفين وكان يضاعف من هذا النجاح أهمية الموقع وخطورته الشديدة لو بقى في يد اليهود وهاأنذا أنقل نص إشارة رسمية بعثتها قيادة (بيت لحم)) إلى الجهات العسكرية المسئولة بتاريخ (20 أكتوبر 1949) .

( قام العدو بهجوم عنيف على جميع مواقعنا الدفاعية تحت ستار غلالة شديدة من نيران الأسلحة الأوتوماتيكية والهاونات وقاذفات الألغام والمدفعية الثقيلة صدت قواتنا الهجوم تمكن العدو من الاستيلاء على مواقعنا بجبل( اليمن) قامت قوة من الإخوان المسلمين بقيادة الملازم أول خالد فوزي بهجوم مضاد فطردت العدو بعد أن كبدته خسائر فادحه (خسائرنا ضعيفة وقد أبلغنا مراقبي الهدنة). وقد علقت أغلب الجرائد العربية واليهودية على هذه المعركة وذكرت جهود الإخوان فيها بالإكبار والإعجاب وكتبت (جريدة الناس العراقية ) في عددها الصادر يوم(7|11) مقالا تحت عنوان : (بسالة منقطعة النظير من متطوعة الإخوان المسلمين فقد استولى اليهود شمالي غربي بيت لحم بعد محاولات عديدة على جبل مرتفع يسمى ((تبة اليمن) ويشرف على قرى (الولجة))و(( عين كارم)) و((0 المالحة)) وما جاورها وأصبحوا يهددون كل المناطق المحيطة بها .

ورأت قيادة الجيش المصري ضرورة تطهيرها فندبت لذلك عددا من متطوعة الإخوان المسلمين في (صور باهر) فتقدمت سرية منهم ولم تمر ساعة حتى كانت هذه الفرقة قد أجهزت على القوة اليهودية وغنمت ذخيرتها ومتاعها وحررت قرية ((الولجة)) وأصبحت تسيطر على منطقة واسعة وقد أصدرت قيادة الجيش المصري أمرا بتسمية الجبل (تبة الإخوان المسلمين) وقد استشهد من الإخوان كل من مكاوي سليم على من الزقازيق والسيد محمد قارون من المنصورة وإبراهيم عبد الجواد من الفيوم رحمهم الله رحمة واسعة). يئس العدو من اقتحام ((بيت لحم )) و((الخليل )) لوجود هذه القوات المؤمنة فيها فبدأ يركز هجومه على مناطق ((أسدود)) و((المجدل)) واستطاع أن يرغم القوات المصرية على إخلاء هاتين المنطقتين والإيقاع بقوة كبيرة حاصرها في الفالوجا وظل يحاصرها حتى نهاية الحرب وبحصار الفالوجا عزلت قوات المتطوعين عن القيادة العامة تماما ولم يعد لها طريق يصلها بالقاهرة سوى الطريق الجوى الذي يصل عمان بالقاهرة .

وبدأت هذه القوات المغامرة تقاسى محنا شديدة سببها الحصار الشديد وكثرة ما تعرضت له من هجمات متواصلة ورغم ذلك كان كل ما يشغل الإخوان هو مصير إخوانهم المحصورين في الفالوجا فبدءوا ينظمون بمعونة المجاهدين العرب خططا لتموينهم وتسللت قوافلهم عبر الصحارى الواسعة التي يسيطر عليها العدو تحمل المؤن للقوات المصرية المحصورة وتتعرض في طريقها الطويل لكثير من المآزق والأخطار .

وكم من مرة اصطدمت القوافل مع دوريات اليهود واشتبكت معها في معارك دامية ونتج عن ذلك كثير من الخسائر ولكن الإخوان لم يكونوا يحسبون للموت حسابا مادام ذلك في سبيل وطنهم وكرامة جيشهم .

وإذا ذكر هذا النشاط الرائع فلا يمكن أن نغفل الدور الخطير الذي قام به اليوزباشى (معروف الحضري) حين قاد جماعات الإخوان المسلمين في تسللها إلى (الفالوجا) وظل يؤدى واجبه بأيمان وثبات حتى ظفر اليهود به في إحدى العمليات ونقلوه إلى خطوطهم الخلفية حيث ظل يقاسى مرارة الأسر في معسكراتهم حتى من الله عليه بالنجاة حيث انتهت الحرب وتم تبادل الأسرى .

وبينما كان الإخوان يعملون بهمة وإخلاص في تموين (الفالوجا) ومعاونتها على تحمل آلام الحصار ويستميتون في الدفاع عن مناطق (بيت لحم ) و(الخليل) إذ روع العالم الإسلامي بنبأ القرار الغاشم الذي أصدره (النقراشى) وحل بموجبه هيئة ((الإخوان المسلمين)) في مصر وكانت طعنة نجلاء وجهها الإنجليز على يد صنائعهم من المستوزرين إلى ظهر الشبيبة الإسلامية المحاربة .

وجن جنون الإخوان عند سماعهم هذا النبأ غير أن الأوامر التي وصلتهم بعد ذلك من المرشد (الشهيد) كانت تأمرهم بالتزام الهدوء والإخلاد إلى السكينة ولن يتصور أحد عظم الكارثة التي كان يمكن أن تقع لو ركب (الإخوان) رءوسهم وقاموا بأي إجراء طائش إذ كانوا هم وحدهم يدافعون عن منطقة من أكبر المناطق والعدو يحيط بهم من كل جانب وينتظر الفرصة ليبتلع هذه المدن الغنية الواسعة وقدر الإخوان عظم الخطر فقهروا عواطفهم واكتفوا بإرسال برقية إلى كبير الأمناء بقصر عابدين ضمنوها سخطهم الشديد لصدور هذا الإجراء الظالم .

ثم عكفوا على أداء واجبهم من جديد وكأن شيئا لم يحدث حتى انتهت الحرب وأعلنت الهدنة وبدءوا يغادرون أسر اليهود ليقعوا مرة أخرى في أسر السعديين وقدر لهم أن يلبثوا في الأسر الآخر عاما كاملا قضوه بين معسكرات الاعتقال في (رفح) و(العريش) حتى انهارت قوائم العهد الأغبر بما حملت من أوزار وآثام وبدأ المجاهدين يستردون حرياتهم المفقودة شيئا فشيئا ..!!


13-دخول الجيش المصري إلى فلسطين

(( ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها يحكم الله بينه وبين عدوه)) .. محمد رسول الله (ص)

توغل الجيش المصري في أرض فلسطين غير مبال بخطر شديد يجثم على ميمنته ويتمثل في عدد هائل من المستعمرات المحصنة التي أعدت بإتقان لتقوم بدورها في الوقت المناسب 0

وكانت الخطة العربية العامة تقضى بأن يحتل هذا الجيش قطاعا هائلا يمتد من قرية (رفح) على الحدود المصرية إلى قرية (يبنا) على مسيرة عشرين ميلا من تل أبيب حيث تكون الجيوش العربية الأخرى الزاحفة قد احتلت نقطا مماثلة قريبة منها ثم تتجمع هذه القوات وتتصل مكونة حلقة فولاذية حول عاصمة العدو لتفصلها عن بقية المناطق 0

وكان واضعو الحطة يعتقدون أن احتلال العاصمة سينهي هذه الحرب ويضطر العصابات اليهودية المسلحة إلى الاستسلام ولقد فات هؤلاء أن المستعمرات اليهودية قد وزعت في فلسطين توزيعا عسكريا -تحت إشراف الإنجليز يضمن لليهود الاستمرار في القتال مدة طويلة وأن كل مستعمرة من هذه المستعمرات كانت تحتوى على أعداد كبيرة من الجند ومقادير هائلة من السلاح والعتاد ويمكن لهذه القوات أن تتجمع وتكون جيشا لجبا وتستمر في المقاومة حتى تتدخل الدول الكبرى وتضيع على العرب ثمرة انتصارهم 0

على أن هذه الخطة لم يقدر لها النجاح لما انطوت عليه من جهل بالغ يقوى العدو وأساليبه في المقاومة فضلا عن عدم التعاون الذي لم نلمس أي أثر في تنفيذها بين الجيوش العربية التي كان مفروضا أن تعمل تحت قيادة موحدة ولكن ما كادت المعركة تدخل دورها الحاسم حتى أصبح كل جيش يقاتل على حدة في المنطقة التي اختص بها ولقد زادت هذه الحقيقة وآثارها وضوحا حين اشتد الضغط على جبهة الجيش المصري في الجنوب وظلت الجيوش العربية الأخرى تنعم بالهدوء والراحة خلال الهدنة 0

لم تحاول المستعمرات اليهودية إذن أن تعترض طريق الجيش المصري حسب الخطة اليهودية العامة بل أظهرت كل معاني الضعف والاستسلام وكان بعضها يرفع الأعلام البيضاء على قمم الأبراج الشاهقة حتى يمضى الجيش في تنفيذ خطته 0

ولقد حاول الجيش المصري دخول بعض المستعمرات القريبة من مواصلاته وتركه اليهود يقترب منها ثم أخذوا يطلقون النار على وحداته من أبعاد قريبة فحاول الجيش اقتحامها بالقوة وكانت أول محاولة له أن هاجم مستعمرة (نيريم ) الدنجور على الحدود المصرية في (16) مايو ودكها بالمدفعية ثم حاول اقتحامها بمشاته ولكنه وجد فيها مقاومة عنيفة اضطرته لصرف النظر عن محاولته ومواصلة الزحف مكتفيا بمحاصرتها 0

وتكررت المحاولة على كثير من المستعمرات ولكن هذه المحاولات ذهبت عبثا رغم كثرة الخسائر التي تكبدها الجيش ولا أستطيع أن أمر على ذكرى هذه المعارك دون أن أشير إلى الروح المعنوية العالية التي كان يتمتع بها أفراد هذا الجيش هذه الروح التي دفعتهم لملاقاة الموت بصدور عارية والتقدم صوب الأبراج المحصنة دون أدنى وقاية يحتمون بها إلا إيمانهم بالله وثقتهم في نصره وتأييده 0

ولقد أثبتت هذه الروح القوية وجودها وآتت ثمارها يوم أصر الجيش على اقتحام مستعمرة دير سنيد المحصنة في يوم (19) مايو وقاوم العدو مقاومة عنيفة غير أنه اضطر إلى إجلائها أمام ضغط هؤلاء الجنود البواسل وشدة بأسهم تاركا خلفه عشرات من القتلى وكميات وفيرة من المؤن والعتاد مما سيرد تفصيله بعد قليل ثم واصل تقدمه شمالا وأخذ يهاجم (كفار ديروم) و(بيرون إسحاق) و(كوكبة) و(نجيا) وغيرها وقد نجح في اقتحام (نيتسانيم) بعد معركة دامية أظهر الجنود المصريون فيها من ضروب البسالة ما يجعلهم في طليعة المقاتلين الممتازين غير أن هذه الروح العالية لم تلبث أن ضعفت بعد تدخل السياسة وفرض الهدنة الأولى والثانية وما صحب هاتين الهدنتين من انسحابات وهزائم 0

ومما يجدر بي ذكره في هذا الموضع أن الجنود المصريين على الرغم من هذا الروح العالية وما أظهروه في بداية الحرب من شجاعة وثبات كان واضحا ما عليه حالته من نقص في التدريب والمقدرة وبخاصة فيما يتعلق (بالأعمال الليلة) حين كانت هذه الناحية متوفرة تماما في قوات العدو ولا لأطن إلا أن حضرات الضباط ممن اشتركوا في الحملة يوافقونني على هذه الملاحظة إذ كان العدو يقوم بأغلب معاركه في الليالي المظلمة وبصورة تنبئ عن مقدرة فائقة ومستوى عال في التدريب .

كان مقررا للجيش المصري كما ذكرت أن يواصل تقدمه إلى ( يبنا ) حسب الخطة العربية العامة ما كادت طلائعه تتجاوز ( أسدود ) وتقترب من الهدف حتى تجمعت القوات اليهودية من منطقة ( رحبوت ) وهاجمته هجوما عنيفا غير أن الجيش أفلح في صد هذا الهجوم وتكبيد العدو خسائر فادحة ولكن اليهود بهجومهم هذا حققوا نتيجة واحدة هي ( تثبيت ) الجيش المصري في أسدود وكانت هذه هي نقطة التحول في الحرب ه هي نقطة التحول في الحرب ذ لزم الجيش نظرة القيادة العامة للموقف وأخذت تنحو منحى جديدا فبدل أن تبذل مستعمرات النقب عن بقية أجزاء فلسطين فزحفت القوات المصرية شرقا واتصلت بقوات المتطوعين تكون إطارا وهميا منطقة معادية تموج بعشرات المستعمرات وعشرات الألوف من الجنود . والآن أريد أن أتساءل ما الذي كان يحدث لم تجمع اليهود على حدود مصر الشرقية وحاولوا الاشتباك مع الجيش المصري عند دخوله لمنعه من التوغل في أراضى فلسطين ؟ لاشك أن القيادة المصرية كانت ستراجع موقفها وتحجم عن المضي في تنفيذ خطتها قبل أن تظهر هذه ((الجيوب)) الخطرة التي يتجمع فيها العدو 0

ولكن اليهود لم يفعلوا ذلك لا ضعفا منهم كما يقول البعض ولكنهم وضعوا خطتهم الدفاعية على أساس (بعثرة) الجيش المصري وإعطائه الفرص ليحتل مساحات شاسعة مع علمهم أنه لا يملك القوة العددية الكافية ليسيطر على هذه المناطق الواسعة سيطرة صحيحة وعندئذ تقوم المستعمرات بدورها المرسوم فتهاجم قواته ويصبح من الميسور القضاء عليه 0

ولقد كان الإنسان منا يعجب كثيرا وهو يمر على بعض المراكز الهامة التي يحتلها الجيش فلا يجد إلا قوات ضئيلة مبعثرة هنا وهناك لا يمكنها الوقوف أمام أي هجوم لأكثر من دقائق معدودة 0

وكان هذا هو الوضع الطبيعي لجيش قليل العدد اضطرته ظروفه إلى حماية مناطق شاسعة يعجز عن حمايتها أضعاف أضعافه وليست هذه الخطة التي اتبعها اليهود من تفكيرهم ووضعهم ولكنها خطة قديمة استعملت أكثر من مرة: استعملها الروس أمام نابليون حينما تركوه يحتل المناطق الشاسعة من الأراضي الروسية قبل أن يقوموا بالهجمات المضادة على جيشه واستعملها الروس مرة أخرى حين عبرت الجيوش الألمانية الأراضي الروسية في يونية عام (1941) عندما تركت المناطق الشاسعة ليحتلها النازيون فتتبعثر بذلك جيوشهم ويصبح من الميسور القضاء عليها وإيقاع الهزائم بها كما حدث بعد ذلك 0

وقد تعجب حين تعلم أن كثيرا من ضباط أركان الحرب في الجيش الإسرائيلي كانوا ضباطا في الجيش الروسي خلال الحرب الروسية الألمانية وكانت هذه الخطط دروسا مستفادة نفذت بصورة مصغرة في فلسطين ونجحت نجاحا منقطع النظير 0

ولست أدرى كيف غابت هذه المعاني عن أذهان القادة العسكريين في الجيوش العربية ولا يزال سر هذه الخطة قائما يتذبذب بين (اللواء المواوى) القائد الأول للحملة والساسة المصريين الذين كانوا يحركون القتال من القاهرة والذين كان أكبر همهم كسب الرأي العام وانتزاع تصفيقه للجيش الباسل الذي احتل ثلث فلسطين في مدة لا تتجاوز عشرين يوما ببركة وزارة السعديين وحسن سياستهم!! على أن أنصار (المواوى) يقولون : إن الرجل لم يغب عن ذهنه ما في هذه الخطة من خطر ولكنه كرجل عسكري كان ينفذ ما يؤمر به مضطرا ويواصل الزحف كلما صدرت إليه الأوامر ولكن أنصاره يعودون فيقولون : إن الواجب كان يقضى عليه باعتزال القيادة ومغادرة الميدان وعدم المجازفة بسمعته العسكرية كقائد وسمعة الجيش بتعريضه للهزيمة المنكرة من جراء خطة مرتجلة 0

ولسوف تظل هذه النقطة الخطيرة التي ترتب عليها ما حل بالجيش وما حدث في فلسطين سراً مغلقا حتى يأتي يوم يستطيع فيه (المواوى) أن يواجه أمته وأن يحدد مسئولية الكوارث التي تعرض لها جيشنا في فلسطين والتي كادت تودي به لولا لطف الله وعنايته 0

ولقد أوضحت في كلامي عن جهود المتطوعين في الدفاع عن بيت لحم كيف رأت القيادة العامة أن تجمع كتائبهم في بيت لحم والخليل وحين تمت هذه الخطوة لم يبق مع القوات الرئيسية المصرية سوى قوات الإخوان الحرة التي كان يقودها مؤرخ هذه الصفحات والتي نفرد الأبواب التالية لمتابعة أعمالها والوقوف على مدى تأثيرها في سير العمليات التي دارت في هذه الجبهة 0

كانت مهمة الإخوان في ذلك الوقت تتخلص في إرباك مستعمرات النقب وشغلها في الدفاع عن نفسها أمام هجماتهم المتكررة حتى لا تفكر في الانقضاض على مؤخرة الجيش وهو مشغول بمعاركه الأمامية في مناطق أسدود والمجدل والفالوجا فمرت بالإخوان في ذلك الوقت فترة من أنشط الفترات وبلغت المعارك بينهم وبين اليهود عنفوان شدتها ولم يكن يمر يوم واحد حتى تنشب الاشتباكات الدامية في مناطق مخالفة من الصحراء والإخوان في كل ذلك غير مقيدين مطلقا بما جد من أساليب الخداع والتثبيط كقرارات الهدنة ووقف القتال بل لا أكون مبالغا إذا قلت : إن الإخوان كانوا يعملون في فترات الهدنة أكثر مما يعملون في أوقات القتال حتى وقع منهم في ذلك الحين كثير من الجرحى وعدد من الشهداء 0 ولم تكن جهود الإخوان مقصورة على مهاجمة القوافل ومحاصرة المستعمرات بل كانوا يشتركون مع الجيش المصري في عملياته الهجومية ولأضرب مثلا على ذلك بمعركة ((بيرون إسحق)) إذ قرر الجيش اقتحامها ووضع خطة محكمة لذلك 0

وكان كل ما تخشاه قيادة الجيش أن تتدخل المستعمرات الجنوبية في المعركة فطلبت إلى البكباشى ((عبد الجواد طبالة)) أركان حرب المنطقة في ذلك الحين أن يقوم الإخوان بقطع الطرق التي تصل هذه المنطقة ومنع اليهود من دخول المعركة من هذه الطرق فعهدت إلى الأخوين ((نجيب جويفل)) و((محمد على سليم)) إلى القيام بهذه المهمة فخرجا بفصائلها ورابطا على نقاط متقاربة على الطريق وحين بدأت المعركة واشتد الضغط على حامية ((بيرون إسحق)) بعثت تطلب المزيد من القوات واستجابت لها القيادة اليهودية وما هي إلا برهة يسيرة حتى امتلأ الطريق بالمصفحات القادمة من مستعمرات النقب الجنوبية ونشبت معركة شديدة بين الإخوان وهذا العدد الهائل من المصفحات وحاول اليهود التخلص من هذا الحصار والوصول إلى ميدان المعركة ولكن قوة النيران الموجهة إليهم من الأسلحة الأوتوماتيكية ومدافع الهاون ((البيات)) وحقول الألغام التي بثت في طريقهم أقنعتهم بأن طريق العودة هي أسلم طريق فبدءوا يتراجعون تاركين حامية ((بيرون إسحق)) تعانى وحدها شدة المعركة وتستغيث بقيادتها ولا مغيث!!

ولست أنسى يوم هاجم اليهود أحد مضارب العرب الآمنة وأضرموا فيها النار بعد أن قتلوا كثيرا من رجالها وجاء الأحياء منهم يشكون إلينا إذ كان سبب المذبحة التي أوقعها اليهود بهم أنهم يتعاونون مع الإخوان ((المجرمين)) على خد تعبيرهم!

ولقد كنا مضطرين لمجابهة هذا العدوان بمثله حتى يأمن البدو على أنفسهم ويظلوا على ولائهم لنا فقررنا إيقاع مذبحة مشابهة باليهود وتسلك قوة من الإخوان في جوف الليل إلى إحدى المناطق الداخلية متوغلة في أرض يعتبرها اليهود حرمهم الخاص وهناك على طريق السيارات بثوا حقلا كبيرا من الألغام وانفلتوا في أحد الوديان المجاورة ينتظرون مقدم ((الصيد)) وجاءت قافلة كبيرة عند الفجر فلم تكد تمس الألغام حتى انفجرت وتطايرت أجزاء السيارات في الفضاء وظل الإخوان في مكمنهم حتى انجلى دخان الألغام وقام من نجا من اليهود فأخذوا يطلقون عليهم النار حتى مات من مات وفر من استطاع الفرار ثم جمعوا القتلى وكدسوهم كومة واحدة بعد أن أخذوا ما وجدوه من سلاح وعتاد ولم ينس الإخوان أن يتركوا منشورا كتب فيه أن الحادث بمثابة رد لما ارتكبته العصابات الصهيونية ضد العرب الآمنين 0

ولقد سمع القائد العام بهذه العملية الجريئة فأبدى رغبته في رؤية بعض الأسلحة التي غنمها الإخوان وأعجب كثيرا بما شاهده منها وبخاصة أحد مدافع ((المورتر)) المصنوعة حديثا في بلجيكا وكانت هذه واحدة من عشرات المعارك التي قام بها الإخوان وسببت ارتباكا عنيفا لليهود وأكسبت الإخوان خبرة لا تجارى في وسائل حرب العصابات الحديثة 0

ومع انشغال الإخوان المسلمين بالأعمال الفدائية على طول الجبهة الجنوبية كما أسلفنا فإن قيادة الجيش كانت تستدعيهم في كثير من الأحيان للاشتراك في الأعمال الهجومية على المستعمرات أو في مرات كثيرة كان وجودهم على ساحة المعركة هو العامل الحاسم بين النصر والهزيمة كما سيتضح لنا في الفصول القادمة ولنضرب مثلا على هذا النوع من العمليات التعرضية في الهجوم الذي وقع على مستعمرة دير سنيد((ياد مردخاى)) في (19 مايو 1948) وهي إحدى المستعمرات اليهودية القليلة التي سقطت بيد الجيش المصري وهي تستحق بسبب ذلك شيئا من التفصيل 0

كانت مستعمرة ((ياد مردخاى))شأن المستعمرات اليهودية الأخرى تحتل نقطة حاكمة بالنسبة للمناطق العربية المجاورة لها غير أن هذه المستعمرات كانت تقوم على الطريق الساحلي الرئيسي للجيش في قطاع غزة المجدل ولم يكن بالإمكان تجاهلها أو الاكتفاء بحصارها كما حدث بالنسبة ((لكفار ديروم)) أو((نيريم) وغيرها من مستعمرات النقب 0

كانت أول تجربة شخصية لي مع ((ياد مردخاى)) أن أحمد عبد العزيز طلب إلى في منتصف إبريل أن أصحب قوة من المتطوعين الليبيين والسودانيين لتحتل موقع ((عراق المنشية)) في الشمال نظرا لأننا كنا أسبق منه في المنطقة وأدرى بأوضاعها وظروفها وكانت تلك القوة تتحرك في سيارات ((أتوبيس)) عادية مما يعرضها لأخطار كبيرة فيما لو علم العدو بتحركها وفكر في إقامة كمين لها وقد أخذت إحدى مصفحاتنا لتكون في مقدمة طابور ((الأتوبيسات)) بينما ركبت مع ((محمود عبده) في سيارة الجيب القديمة التي أخذناها من اليهود في مناسبة سابقة وكان أكثر ما يخيفني هو المرور بهذه القوة المكشوفة من مستعمرة ((ياد مردخاى)) التي تقوم علي جانبي الطريق الرئيسي وترتفع أبراجها ومواقعها المحصنة علي قمم التلال المشرفة 0

كانت الشمس تميل للغروب حين وصلنا إلى آخر منخفض يشرف علي المستعمرة وهناك أوقفت الركب واندفعت وحدي بسيارة الجيب للاستكشاف وهناك وجدت عدداًً كبيراً من اليهود خارج المستعمرة يعملون في المزارع المجاورة وكانت فهذه فرصتنا الذهبية للمرور دون اشتباك كانت الخطة ببساطة أن تقترب مصفحتنا الوحيدة لتقف وسط اليهود العزل وتصوب رشاشاها عليهم بينما تواصل بقية السيارات المرور كان عنصر المغامرة في هذه اللعبة وهو أن اليهود لن يجرءوا علي إطلاق النار علي سياراتنا مخافة أن نحصد رجالهم في الحقول فيتركوننا نمر بسلام ولا أدرى كيف كان يفكر قائد المستعمرة أمام هذه المفاجأة وهنا انتهي لمثل ما انتهينا إليه من استنتاج ؟ ولكن المهم أن طلقة واحدة لم تطلق من المستعمرة علي قوتنا وحين أنهينا مهمتنا في ( عراق المنشية ) في منتصف الليل وقفلنا راجعين بمصفحتنا وسياراتنا الجيب أخذت المخاوف تعود علي رأسي أعنف مما كانت إذا كيف سنعبر هذا الطريق المخيف مرة أخرى ولن ينفعنا تكرار نفس اللعبة كما أن من المرجح أن اليهود قد دخلوا الآن إلى حصونهم المسلحة وسيكون في مقدرتهم أن يحصدونا حصدا دون أن نتمكن من رؤيتهم فضلا عن مقاومتهم في هذا الظلام الكثيف وبينما كنت أفكر علي هذا النحو وسائق السيارة الجيب ينطلق بأقصى سرعته في اتجاه المستعمرة وأنوار مصفحتنا تتبعنا كظلنا من قريب برزت من الظلام أشباح تستوقفنا وتصيح بانفعال ظاهر وحين وقفنا عرفنا فيهم بعض أصدقائنا البدو من سكان المناطق المجاورة للمستعمرة . قال أحدهم وقد حياني باسمي (( يبدو أن اليهود يدركون أنكم عائدون الليلة وذلك فقد وضعوا ألغاماً علي الطريق قوة صغيرة من رجالهم تقف الآن بين الأشجار في انتظاركم )) وحين أخذنا نتدبر أمرنا قال آخر (( أنى أعرف طريقا رمليا يدور حول المستعمرة وينتهي بكم إلى آخرهم من جهة الجنوب وهو ليس ممهداً ولكن لا بأس من تجربته فإن الغوص في الرمال احسن من الموت المحقق علي كل حال )) ولم يكن لدينا خيار في الموقف فقررنا أن نأخذ الطريق الرملي الطويل .

كان الطريق وعرا مليئا بالحفر والصخور وكان دليلنا البدوي يسبر علي مهل أمامنا ليجنبنا النزول في المنحدرات الوعرة ونحن نسير خلفه بدون ضوء ولقد اكتشفت أن طريقنا الجديد يقترب جدا من مستعمرة يهودية أخرى حتى لكاد لامس أسلاكها وكان عنصر المغامرة هذه المرة أن المستعمرة الأخرى ربما تكون نائمة ولا تنتظر قدوم أحد وهناك احتمال معقول أننا سنمر بسلام 0

لقد استغرقنا ساعات قبل أن نكمل الدائرة الواسعة ونرى أضواء ((ياد مردخاى)) تظهر أمامنا من الجهة الجنوبية مرة أخرى وشعرت بزهو الانتصار بعد هذه المغامرة الخطرة وفجأة وجدت نفسي وسط شبكة من النيران المتقاطعة تتخللها انفجارات قنابل المدافع المضادة للمصفحات وفي لمح البصر أدركت الحقيقة المخيفة وصحت علي غير إرادة :((لقد وقعنا في كمين)) وفي اللحظات التالية برزت أمامنا ثلاث مصفحات يهودية كأنها قطع من الظلام المحيط بنا ولا يجد ملامحها سوى خيوط النار المنبعثة من فوهات المدافع وفي نفس الوقت أخذت مصفحاتنا تطلق مدافع ((البازوكا)) ورشاشات الفيكرز علي الوحوش المتقدمة من الجانبين ولكن وضح أننا نخوض معركة خاسرة وأن النجاة منها بأرواحنا هي قمة الانتصار يتخبط في دمه ولم أره بعد ذلك حتى الآن وبقيت و((محمود عبده )) في المقعد الخلفي بضع لحظات وخيوط الرصاص المتناثرة من حولنا في الهواء ولقد حاولت أن أقود السارة وأواصل التقدم ولكنها لم تتحرك إلا خطوات قليلة حن أحترق ((الموتور)) دفعة من الرصاص فتوقفت تماما عن الحركة 0

وعندما قفزت وزميلي إلى الأرض وأخذنا نزحف علي بطوننا تحت وابل من الرصاص الطائش كانت مصفحتنا لا تزال مشتبكة مع المصفحات المعادية وحين ابتعدنا بضع ياردات عن مكان السيارة الجب المحيطة شعرنا أننا أصبحنا في مأمن لأن نيران العدو لم تعد مسددة علينا وأصبح بإمكاننا أن نسير بصورة عادة ونحن نستتر بالأشجار الكثيرة المتناثرة في تلك المنطقة وحين شعرنا أكثر بالأمن بدأنا نقلق علي إخواننا الآخرين والمصفحة ولكنني كنت أحس باطمئنان داخلي لأن هؤلاء الرجال قد وقعوا مرارا في كمائن يهودية ربما أشد إحكاما من هذا الكمين ومع ذلك فقد أسعفتهم الشجاعة والمران من الخروج منها وقد أصاب حدسي مرة أخرى حين التقينا معهم في الصباح التالي عند مدخل قرية ((دير سنيد)) العربية وكانوا جميعا في أحسن حال فيما عدا سائق السيارة الجيب الذي سقط في اللحظات الأولي للمعركة 0

لقد أبلغنا تجربتنا تلك مع ((ياد مردخاى)) إلى أحمد عبد العزيز وأبلغناه عن خطر تلك المستعمرة وما تمثله من تهديد لأي تحركات علي خط -غزة المجدل وطلبنا إليه أن يكتب للقيادة العامة للجيش لتضع هذا الأمر في تقديراتها للموقف 0

لقد كان علي الجيش المصري أن يواجه ما واجهناه قبل شهور حين دخل فلسطين في (15 مايو 1948) وحين اجتازت كتائبه مدينة غزة في زحفها شمالا إلى أسدود كان عليها أن تصطدم هذه المرة اصطداما حاسما مع المستعمرة ولقد قدر لوحدة من رجالنا ولي شخصيا أن نشترك في هذه المعركة الهامة 0 الواقع أن العمليات ضد ((ياد مردخاى)) بدأت يوم (16) مايو حين طلبت منا القيادة كالمعتاد أن نقطع مواصلات المستعمرة لنمنع وصول النجدات من المستعمرات المجاورة ونحكم علي قوة الهاجاناه المحدودة أن تواجه ثقل الجيش المصري وحدها وفي نفس الوقت تحركت مدافع المدان لتحتل مواقع قريبة من المستعمرة غير أن الهجوم الفعلي لم يبدأ إلا عصر يوم (19) حين أخذت المدفعية تركز نيرانها علي موقع المراقبة الأمامي القائم جنوب المستعمرة حتى دمرت أجزاؤه البارزة علي سطح الأرض تدميرا تاما ثم حاولت المشاة اقتحامه ولكنهم فوجئوا بنيران شديدة من الرشاشات مما اضطرهم إلى تأجيل الهجوم الحاسم 0

وفي صباح اليوم التالي واصلت المدفعية ضرب المستعمرة بما فيها الموقع المذكور وفي المرة نجح جنود الجيش في اقتحام الموقع بعد معركة ضارية استخدمت فيها القنابل اليدوية والسلاح الأبيض وأظهر جنود الجيش ضروبا من الفدائية والاستبسال 0

كانت قوة الإخوان المسلمين الصغيرة تقوم بحصار طرق المواصلات كما أسلفنا خلال الأيام الأربعة التي شهدت معركة ((ياد مردخاى)) ولقد كانت هناك محاولات جريئة من جانب العدو لتعزيز وحدة الهاجاناه في المستعمرة وإمدادها بالمؤن والذخائر غير أن هذه المحاولات قد صدت بنجاح إلا أن وحدها مصفحة من عشرين قطعة هاجمتنا من صوب مستعمرة ((جيفا رّام)) في ليلة (24) وبعد معركة ضاربة بالرشاشات ومدافع ((البازوكا)) نجح جزء صغير منها في دخول المستعمرة أما بقية السيارات فقد ردت علي أعقابها ولاشك أن صمود الإخوان ونجاحهم في عزل المستعمرة قد ساعد مساعدة فعالة علي سقوطها بعد بضعة أيام وحين كانت معركة الطرق تدور بيننا وبين العدو كان الجيش يحاول اختراق المستعمرة الرئيسية دون جدوى ذلك أن تحصينات المستعمرة وخنادق الاتصال كانت مقامة بعناية مكنت رجال الهاجاناه (رغم قلة عددهم في تلك المرحلة علي المعركة) من الصمود أمام محاولات الاقتحام المتكررة.

كانت ((ياد مردخاى)) غرضنا رئيسيا للجيش وكان لابد من احتلالها وتدميرها أو الحكم علي الحملة المصرية كلها بالفشل ولما يمض علي بدايتها أسبوع واحد وكانت الروح المعنوية للجنود والضباط لا تزال عالية لم تؤثر فيها العوامل التي ظهرت بعد ذلك علي الميدان والحقيقة أن هذه المعركة أظهرت معدن الجندي المصري الصبور إذا أتيحت له القيادة الصالحة والمعدات الكافية وحين اشتدت مقاومة العدو طلب منا أن نجلب فصيلة من رجالنا لتساهم في عملية الاقتحام النهائي للمستعمرة وفعلا اشتركنا في هذا الدور الحاسم بفصيلة وثلاث مصفحات كنا غنمناها من اليهود في معارك النقب 0 غير أن الدور الأهم دون شك كان هو نجاحنا في منع وصول النجدات اليهودية للمستعمرة وربما لو أخفقنا فيه وأتيح للعدو أن يقيم جسرا بين المستعمرة المهاجمة ومجموعة المستعمرات المجاورة لتغيرت حتماً نتيجة المعركة . سقطت مستعمرة ((ياد مردخاى)) في يد الجيش المصري وكان لسقوطها دوى عظيم كما كان له أثر سيئ في نفوس الإسرائيليين وبسقوطها أصبح الطريق مفتوحا أمام الجيش المصري ليواصل زحفه شمالا ومع أن نتيجة هذه المعركة كانت انتصارا بارزا للجيش كما كانت مسرحا لبطولات فردية نادرة إلا أنها أثبتت للقيادة العامة أيضا أن مهاجمة المستعمرات ليست رحلة مسلية واعتقد أن هذه التجربة ساعدت علي وجود الاتجاه الذي برز فيما بعد لعدم مهاجمة المستعمرات اليهودية والاكتفاء باحتلال جوانب الطريق الرئيسي والدفاع عنه حتى لم يعد للجيش أي هدف إستراتيجي يسعى لتحقيقه وكان هذا الاتجاه هو المناخ الذي أدى للهزيمة النهائية في الحرب الفلسطينية 0

كان دخول الجيش المصري إلى فلسطين بالنسبة إلينا حدثا هاما أثر علي كل أوضاعنا ولقد مر بك في فصول سابقة أن وحدات الإخوان المسلمين في الجبهة الجنوبية قد دخلت إلى فلسطين بعد إعلان قرار التقسيم مباشرة وظلت تعمل وحدها في الميدان قبل دخول الجيش النظامي بخمسة شهور علي الأقل وقد ظلت تعمل حرة حتى بعد دخوله إلى أن طلبت القيادة العامة للجيش قيام تنسيق وتعاون بينها وبين المتطوعين ولقد تطور هذا التنسيق فيما بعد حتى أصبح نوعا من التبعية للجيش ولم نجد غضاضة في ذلك مادام الهدف هو العمل لإنقاذ فلسطين غير أن محاولات متكررة وقعت فيما بعد لإذابة هذه الوحدات وصهرها في الجيش صهرا تاما وكنا نعلم أن وراءها توجيها سياسيا من حكومة النقراشى يدفعه تخوفها من الإخوان وخشيتها من نمو قوتهم العسكرية في فلسطين ومع أنني وافقت تماما علي فكرة التنسيق والتبعية لتحقيق وحدة القيادة في الميدان ولضمان نجاح العمليات العسكرية ضد العدو إلا أنني رفضت عملية الإذابة وقاومتها بعناد شديد وقد تكلفت في ذلك كثيرا من العناء 0

لقد كان رفضنا الاندماج الكلي في الجيش المصري موضوعا يستحق التسجيل والتوضيح ذلك أن بعض العناصر السياسية في القاهرة اتخذته دليلا علي أن الإخوان كانوا يرمون إلى بناء قوة عسكرية مستقلة تعمل علي الإطاحة بنظام الحكم المصري ولكن دوافعنا كانت في الواقع لا علاقة لها بالسياسة وإنما تمليها اجتهادات خاصة تتعلق بالمهمة التي كنا نعمل لها وهي قهر الصهيونية في فلسطين فما هي هذه الدوافع والأسباب؟

كانت تربية شباب الإخوان المسلمين تقوم علي أساس المساواة والتكافل والحرية ولم تكن هناك أية ميزات بين المسئولين علي اختلاف رتبهم وبين الأفراد إلا ميزة السمع والطاعة في العمل والواجبات وكانت العلاقة بين الضباط والجنود علاقة أخوة ليس فيها شئ من الرسميات ولم نكن نسمع أن هناك تفاوتا في اللباس أو المأكل أ, المسكن بين أعلي رتبة وأصغر رتبة وكانت هذه الأوضاع يمليها المفهوم الإسلامي للجندية والجهاد كما تمليها ظروف هؤلاء الأفراد وثقافتهم وأوضاعهم الاجتماعية فمثلا قد نجد جنديا عاديا يحمل شهادة جامعية عالية بينما قائد فصيلته أو سريته عامل بسيط أو فلاح ذو ثقافة متوسطة ولكنه اجتاز تدريبا خاصا أو قضى في الميدان مدة طويلة أظهر خلالها شجاعة فائقة أو دراية واسعة في القيادة حتى يمكن القول : إن قائد الفصيلة أو الجماعة كان أشجع أفرادها علي الإطلاق وأكثرهم خبرة في القتال ومكانه دائما هو المقدمة عند الاشتباك مع العدو 0

أعتقد أن هذه التربية الحرة القائمة علي الكرامة والمساواة كانت من بين الأسباب التي تدفعهم لتحدى الموت والصمود عند اللقاء علي أن هذه الأوضاع التي تحكم علاقات الإخوان المسلمين كانت عكس الأوضاع في الجيش المصري تماما حيث تسيطر العقلية العسكرية الصارمة وحيث يقوم الخوف بين الجندي وقائده مقام الحب والاحترام وحيث تقوم فجوة بين الرتب تشمل المأكل والملبس والمسكن من هنا وجدنا أن إذابة الإخوان في الجيش ستعنى هدم النظام الذي يقوم عليه كياننا الجهادى وبالتأكيد محو الملامح والخصال التي تنتج عنها خصال الفدائية والتضحية والتسابق علي الشهادة فهل يمكن أن ألام لإصراري علي ضمان الحرية الداخلية لوحدات الإخوان المسلمين في نطاق الإطار العام للجيش المصري وتحت قيادته الموحدة ؟ 0

الواقع أن قيادة الجيش أقرت هذا المبدأ بعد تردد شديد ومشاجرات متعددة بيني وبين ضابط اتصال الجيش ((البكباشى زكريا العادلي إمام)) وهي مشاجرات كانت كثيرا ما تنقلنا إلى مكتب القائد العام للتأنيب أو المصالحة 0

كان دخول الجيش المصري في فلسطين نقطة تحول بالنسبة لوحدات الإخوان المسلمين وأصبح علينا منذ الآن أن نحاول ملاءمة نشاطنا مع خطط الجيش وسياسته العامة كما أصبح علينا أن نشترك في عملياته الهجومية والدفاعية وكان يطلب منا علي الأغلب أن تقوم بالأعمال التعرضية الخطرة وأحيانا لتحقيق الأهداف التي تعجز عنها الوحدات النظامية كما سيتضح في الفصول المقبلة0



14-أخطاءوانسحابات

((إن كل قائد عام يعهد إليه بتنفيذ خطة يراها غير صالحة يعد مجرما إن واجبه يقتضيه الإدلاء ببواعثه والمطالبة بتغيير الخطة . وأخيرا يقدم استقالته حتى لا يكون أداة للقضاء علي جنوده)) نابليون

أود قبل أن أستطرد في بيان ما خفي من نشاط الإخوان المسلمين وأثرهم في الميدان أن أشير إلى بعض التغيرات الجوهرية التي طرأت علي جبهات القتال بعد فرض الهدنة الأولي ليكون القارئ علي بينة من حقيقة الموقف .

لزم الجيش المصري مواقعه التي احتلها وأخذت وحداته تنظم وسائل الدفاع عن نفسها وتستعد لاستئناف القتال وعند نهاية الهدنة أخذ الجيش يهاجم مراكز اليهود بعنف وشدة ويضيق الخناق علي المستعمرات الجنوبية حتى كادت تموت جوعا وعطشا وأدركت القيادة اليهودية حقيقة الخطر الذي يحيط بهذه المستعمرات فحاولت تمويتها بالطائرات ولم تنجح في هذه الخطة أيضا إذ كان السلاح الجوى المصري في تلك الحين لا يزال يسيطر علي الجو .

وأذكر أنهم قاموا بمثل هذه المحاولات في المستعمرات التي يتولى جنود (الإخوان)) حصارها غير أن الإخوان أرغموها أكثر من مرة علي إلقاء حمولتها بعيدا عن المستعمرات تحت تأثير نيران المدفعية الرشاشة التي كانت تسلط عليها من أبعاد قريبة وعلي الفرار راجعة إلى قواعدها وكانت هذه الحركة مصدر غنائم جديدة للإخوان ومصدر مضايقات مثيرة لليهود .

وفرضت الهدنة الثانية واستطاع اليهود خلالها أن يجلبوا أنواعا جديدة من الأسلحة الثقيلة والطائرات الضخمة وحين آنسوا في أنفسهم شيئا من القوة والإعداد ضربوا بالهدنة عرض الحائط وبدءوا عمليات حربية واسعة النطاق فهاجموا ((تقاطع الطرق)) في (14) أكتوبر واحتلوها وبذلك تحطم الحاجز الذي يفصل الشمال عن الجنوب وانطلقت القوات اليهودية المدرعة تحمل الأسلحة والجنود وانتفضت المستعمرات الهادئة الوادعة ودبت معالم الحياة والنشاط في أوصالها وقامت لتؤدى دورها المرسوم فقطعت طرق المواصلات حين كان الضغط يشتد علي خطوط الجيش الأمامية مما اضطر قيادة الجيش إلى تقصير خطوطه والتخلي عن مناطق ((المجدل)) و((أسدود)) والعودة إلى النظرية القديمة والتجمع في منطقة ((رفح -غزة)) تاركة خلفها قوة قوامها خمسة آلاف جندي في منطقة ((الفالوجا)) لم تستطيع الإفلات واللحاق بالجيش المنسحب إلى غزة .

ولقد اعتبر إجلاء هذه المناطق فشلا ذريعا منيت به قيادة الجيش المصري ومما يزيد في ضخامة هذا الفشل أن يتم الانسحاب بسرعة وارتباك وقبل البت في مصير لواء ((الفالوجا)).

ولا أمر علي ذكر هذه الانسحابات دون أن أتعرض لحقيقة مؤلمة ذلك أن هذه المناطق لم تتعرض لهجوم ذي بال وكان من الميسور البقاء فيها والمحافظة عليها أو علي الأقل الانسحاب منها بنظام وهدوء حتى تعمل الترتيبات اللازمة لإنقاذ قوات ((الفالوجا)) إذ كان كل ما فعله اليهود أن أمروا قوة صغيرة من جنودهم لا تزيد علي (سرية)) فاحتلت قرية (بيت حانون) في (16) أكتوبر وبذلك قطعوا طريق المواصلات الرئيسي الذي يربط (غزة ) ببقية المناطق وكان الوضع الطبيعي أن يبادر الجيش فيهاجم هذه القوة الصغيرة ويؤمن طريق مواصلاته وكان من السهولة عليه أن يفعل ذلك بل إن خطة وضعت فعلا لتطهيرها وكان كاتب هذه السطور أحد شهودها وكان مفروضا أن تقوم قوات لتطهير هذه المنطقة ولكن الأمر العجيب الذي لا أستطيع تعليله حتى هذه اللحظة أن تصدر الأوامر بالكف عن تنفيذ الخطة وتصدر الأوامر في الوقت نفسه لحاميات ((المجدل)) و(أسدود) لتنسحب إلى غزة عن طريق الساحل وبذلك تفقد السيطرة علي منطقة من أهم مناطق فلسطين دون سبب ظاهر بل أن نتعرض لهجوم جديد واحد ..!

ولقد حدثني بعض ضباط المخابرات أن اليهود كانوا ينظرون إلى تحركات الجيش المصري بعين الريبة والحذر .

وكانوا يعتقدون أن قواته تتجمع لتضربهم الضربة القاتلة ولم يكن يدور في خاطرهم مطلقا أن هذه القوات تتحرك منسحبة للخلف دون سبب واضح ولو علموا أنه يتحرك منسحبا لهاجموا قواته المختلة وأحالوا انسحابه هزيمة منكرة ولكانت مهزلة يتندر بها الناس لأجيال طويلة ومأساة مروعة يتخذها التاريخ العسكري عنوانا للجهل وسوء التصرف .

والعجيب أن قوات ((الفالوجا) ظلت في مواقعها لا تبدى حراكا حتى أحاط بها العدو من كل جانب ومن هنا تتعارض الأقوال في تعليل هذا الموقف فبينما يقول البعض: إن ((المواوى)) انسحب إلى غزة ولم يصدر تعليمات إلى لواء ((الفالوجا)) إلا متأخرا بعد أن أطبقت الحلقة ووقعت هذه القوات في (المصيدة) بينما يقول البعض هذا القول ويضع التبعة كلها علي (المواوى) يقول البعض الآخر: إن التعليمات قد صدرت فعلا لقائد (الفالوجا) (الأميرالاى السيد طه ) لينسحب بقواته لا إلى غزة ولكن إلى (بئر السبع) حيث يرابط ويحتل أجزاء من الطريق الذي يصلها (بغزة( بينما تكون القوات الرئيسية قد أتمت انسحابها إلى غزة وامتدت جنوبا تلتقي بقواته وبذلك يفصل الشمال عن الجنوب مرة أخرى ويكون الانسحاب انسحابا منظما (لخطة موضوعة) كما قيل يومئذ لا هروب علي غير خطة إلا حب السلامة والإبقاء علي الحياة .

يقول البعض هذا ويقولون : إن المهلة كانت كافية أمام (السيد طه) لينفذ هذه التعليمات ويؤولون عدم تنفيذها بأسباب كثيرة لا تشرف أحد الرجلين .

ولست أجد وسيلة تضع حدا لهده الاتهامات وتقضى علي هذه البلبلة الفكرية إلا أن يتكلم أحدهما ويحدد التهمة أو أن تفتح وزارة الحربية فمها وترسل شعاعا ضئيلا علي هذه الظلمات أم تراها لا تزيد الكلام ليظل الشعب جاهلا بحقائق الأمور وحتى لا يتعرض (الرد الفعل) السيئ بعد شعوره بالهزيمة المتكررة التي منى بها في حرب فلسطين؟

وليست التهمة مقصورة علي بقاء قوة معطلة في قرية (الفالوجا) وقت أن كان الجيش في حاجة إلى جندي واحد ولا لتعريض قرابة خمسة آلاف للإفناء والأسر .

لكن التهمة أكبر من ذلك بكثير لأن بقاء هذه القوات الكبيرة في الفالوجا ترتب عليه ضياع مدينة (بئر السبع) وإعطاء اليهود فرصة التجمع في مستعمرات النقب وما أعقب ذلك من انهيار القطاع الجنوبي (عسلوج) (العوجا) ثم اقتحام اليهود لحدود مصر الشرقية والزحف حتى مشارف مدينة (العريش) .

والتهمة كما ترى جدا لو وقعت في أي جيش من جيوش الأرض لشكلت لها المحاكمات العسكرية ولصدرت قيها العقوبات القاسية أو علي الأقل لتحددت المسئوليات والتبعات حتى يمكن استخلاص العبر والعظات هذا في أي جيش أما في جيشنا فإن هذه الأمور تعتبر تافهة صغيرة لا تستحق التفكير فيها فضلا عن تشكيل المحاكمات من أجلها!

أما قوة (الفالوجا) فقد أحكم اليهود حولها الحصار وأخذوا يوجهون لها الضربات القاسية من الجو والأرض وظنوا أن الصيد الدسم قد وقع في أيديهم وأن هذه القوات لا تلبث أن تستسلم غير أن القوات الباسلة خيبت ظنهم ومضت تدافع عن مراكزها بعناد واستبسال وإذا ذكرت هذه الفترة من الحرب فلا يسعني إلا أن أسجل فخرا للأميرالاى (السيد طه ) قائد هذه القوة إذ كان لروحة العالية وإيمانه القوى أبعد الأثر في ثبات جنوده ووقوفهم هذا الموقف الرائع ومما بذكر أيضا أن فرصا كثيرة تهيأت له للإفلات والنجاة ولكنه كان يركلها بقدمه لشعوره أن في قبولها مساسا بكرامة الجيش والأمة ويظل يكافح بجنوده كفاح الأبطال حتى منى الله عليهم بالنجاة الكريمة بعد انتهاء الحرب وإعلان الهدنة وغادروا أرض (الفالوجا) بأسلحتهم ومعداتهم في (11 مارس سنة 1949).

وهكذا أخليت أهم المناطق وحوصرت (الفالوجا) وعزلت قوات المتطوعين المصريين والإخوان المسلمين في (جبال الخليل) ووقعت القيادة المصرية في مأزق حرج لم تستطع معه السيطرة علي الموقف ومواجهته بما يحتاج غليه من حكمة وحزم ولم يضيع اليهود الفرص فشددوا النكير علي حامية مدينة (بئر السبع) مفتاح فلسطين الشرقي وحاضرة النقب وقذفوها بمئات الأطنان من القنابل من الجو دون أن تملك أي وسيلة لمقاومة هذه الغارات الوحشية ثم هاجموها بشدة مما اضطرها للتسليم في (27) أكتوبر سنة 1948) .

ولقد استنجدت هذه الحامية بقيادتها العامة وتوسلت إليها أن ترسل إليها بعض الجنود والسلاح حتى يمكنها الثبات أمام هذه الهجمات المنكرة ولكن القيادة العامة كانت في شغل شاغل في ذلك الحين فهي تحاول تثبيت أقدامها في منطقة غزة وجمع قواتها المبعثرة بعد الانسحاب والعدو الماكر يأبى إعطاءها فرصة للتفكير في أمرها بما يقوم به من هجمات (وهمية) علي غزة ومن غارات جبارة علي مراكز الجيش بها ويزيد في إشغالها بالمناورات البحرية التي تقوم بها قطع أسطوله وتحاول قطع الطريق الساحلي الذي تسلكه القوات في انسحابها من (المجدل) .وهذا تركت (بئر السبع) لتواجه مصيرها المحزن في أيدي حامية صغيرة من الجيش ومجموعات مفككة من المتطوعين الليبيين والمناضلين العرب وبسقوط (بئر السبع) أصبح لليهود السيطرة الفعلية على أجزاء النقب الشمالية وأصبح في مقدورهم التنقل بحرية بين أرجائها المختلفة في تلك اللحظات الحرجة كانت الفرصة سانحة أمام اليهود للهجوم علي المناطق الجنوبية وإعادة مأساة الفالوجا في غزة ولم تكن هناك خطة منظمة للدفاع عن هذه المنطقة إذ كان الجيش كما ذكرت مشغولا في عمليات الانسحاب ولم يكن في هذه المنطقة كلها حتى ذلك الحين غير عدة (سرايا) من الإخوان المسلمين ووجد هؤلاء الإخوان أنفسهم أمام حقيقة واقعة هي عبء المحافظة علي جيش مصر وحمايته من أي عدوان يحركه اليهود من هذه المنطقة ولا يستطيع أحد أن يتكهن بفداحة الكارثة التي كانت وشيكة الوقوع لولا وجود هذه الفئة المؤمنة المجاهدة في ذلك الحين .

شعرنا بخطورة الموقف فقدمت مشروعا إلى القيادة العامة بينت فيه الأخطار الكبيرة التي يمكن أن تقع لو فكر اليهود في مهاجمة هذه المناطق وقطع خط الرجعة علي الجيش وطالبت في ختام التقرير بإطلاق يد الإخوان وإعطائهم العتاد اللازم والترخيص لهم بإحضار قوات أخرى من مصر حتى يمكنهم تنفيذ ذلك المشروع .

وكان المشروع الجديد يقضى باحتلال مواقع (حاكمة) حول كل مستعمرة من المستعمرات الكبيرة ومحاصرتها وعدم إعطائها أية فرصة للتكتل حتى يفرغ الجيش من تنظيم خطوطه الدفاعية .

ولقد استدعتني القيادة العامة في غزة وناقشتني في تفاصيل الخطة ثم أبدت موافقتها المطلقة علي تنفيذها وأذكر أن اللواء (المواوى) قد وعدني بكتابة خطاب إلى الأمانة العامة [[[جامعة الدول العربية|للجامعة العربية]] وإلى رئاسة أركان الحرب يطلب فيه تجنيد كتيبة من الإخوان عن طريق المركز العام والشعب وإرسالهم فورا إلى الميدان ليتمكن من السيطرة علي الموقف .

ولقد ذهبت من فوري إلى فضيلة (الأستاذ محمد فرغلي) رئيس الإخوان في فلسطين وعضو مكتب الإرشاد العام وأطلعته علي تفاصيل الخطة فسافر من فوره إلى مصر ليعمل علي تجهيز هذا العدد الكبير وعمل الترتيبات اللازمة نحو ترحليهم إلى الميدان .

وأذكر أن اللواء (موسى لطفي) وكان يشرف علي إدارة العمليات الحربية في الميدان قابلني بعد ذلك وأبدى إعجابه الشديد بالمشروع وأفهمني أن هذه الخطة لو نفذت بدقة وإحكام فسوف يكون لها الفضل الأول في حماية الجيش في هذه المرحلة الخطيرة والاحتفاظ بهذه المنطقة الباقية من فلسطين فوعدته خيرا ومضيت إلى المعسكرات لأعد العدة وأبدأ العمل .

جمعت الإخوان في ساحة التدريب بالمعسكر وقلت لهم : إن الله قد فتح لهم بابا جديدا للجهاد وإن الظروف قد ألقت علي كواهلهم عبء المحافظة علي الجيش وكرامته وإنه لولا ثقتي في قوة إيمانهم ورغبتهم في الكفاح ما قبلت أداء هذه المهمة الشاقة التي أعلم فداحتها وخطرها .

ولن أستطيع أن أصور شعور الإخوان وهم يستمعون لهذه الأنباء كانوا يقبلون في ابتهاج واضح وكأنهم يدعون لحفلة عرس أو نزهة خلوية لا إلى ميدان قتال فيه من المشقة والخطر ما فيه .!!!

ولقد خرج الإخوان المسئولون في استكشاف حول المستعمرات وعاينوا المواقع التي رأوا احتلالها ثم عاد كل واحد منهم يعد (فصيلته) ليحتل بها مواقعه وكانت مشكلة المشاكل إقناع أفراد من الإخوان بالتخلف عن فصائلهم والبقاء في المعسكر ولست ما كان من أمر المجاهد الشاب (عبد الحميد بسيونى خطاب) نجل العالم الجليل الشيخ( بسيونى خطاب) لقد كان هذا الشاب يبكى بكاء مرا حين أمره قائد فصيلته بالبقاء في المعسكر ومازال يبكى ويبعث بالوساطات حتى أشفقت عليه فسمحت له بالخروج وخرج من المعسكر وهو أشد ما يكون فرحا وابتهاجا ولقد أخلص النية للجهاد فاجتباه ربه وأكرمه واتخذه شهيدا في إحدى المعارك المشهورة التي جاءت بعد ذلك .

وأقيمت المواقع الجديدة حول المستعمرات ولم تكن سيارة يهودية تجرؤ علي التنقل بين مستعمرة وأخرى إذ أقام الإخوان (الكمائن) علي الطريق وملئوا الأرض بالألغام وأخذت دورياتهم المصفحة تجوب الصحراء الواسعة وتصل في طوافها حتى مدينة (بئر السبع) نفسها .

ولكي أصور أهمية هذه الحركة وأثرها يمكن أن أقول " إن خمس عشرة سيارة مصفحة ودبابة قد دمرت خلال أسبوع واحد من بدء العمل عدا أنابيب المياه التي كانت تدمر كل يوم مما اضطر اليهود إلى ملاقاة الإخوان وجها لوجه فنشبت معارك رهيبة سقط فيها بعض الإخوان ولكنها جاءت بأحسن النتائج وأبرك الثمرات .

ولقد ضج اليهود بالشكوى وأبلغوا مراقبي الهدنة احتجاجهم أكثر من مرة وعلقت (محطة إسرائيل) علي هذه الحركات وهددت باستئناف القتال ضد الجيش إن لم تكف عصابات الإخوان عن نشاطها في هذه المنطقة.

ولقد فكر بعض كبار الضباط في زيارة تلك المواقع البعيدة حول (وادي الشلالة) و(تل جمعة) و(الرابية) و(الشعوث) وكان يرافقهم أحد الإخوان يدلهم علي الطريق فلما رأوا أنفسهم يتوغلون في الصحراء مبتعدين عن خطوط الجيش لأكثر من خمسة عشر كيلو مترا إلى الشرق وهالهم أن رأوا المستعمرات اليهودية خلفهم داخلهم شئ من الشك والريبة ومال أحدهم علي الجندي المرافق لهم يسأله (أتراك ضللت الطريق؟ )) فلما أخبره أنهم يسيرون في الطريق الصحيح قال لهم : ((إني أعتقد أنكم متفقون مع اليهود وإلا لما جرؤتم علي التوغل في مناطقهم بهذه الصورة الجنونية !) وضحك الأخ المرافق وضحك الضباط جميعا وحين رجعوا إلى معسكراتهم أخذوا يشيدون بما رأوا من بسالة الإخوان وشدة بأسهم .

ويجدر بي قبل أن أنتهي من الكلام عن هذه العمليات الناجحة التي قام بها الإخوان والتي أفادت كبرى في سير الأمور -أن أذكر المعونة القيمة التي قدمتها لنا القبائل العربية من البدو وبخاصة عشائر (الترابين) و(الحناجرة) و(النصيرات) و(التياها) و(المعالقة) الذين وضعوا كل شبابهم تحت تصرف الإخوان وكل ما لديهم من سلاح وذخيرة وسيارات ...

ولقد تمت عمليات الانسحاب وبدأ الجيش يستقر في المواقع الجديدة التي اختارها وبضياع المناطق الجديدة السالفة الذكر وضحت نهاية الحرب وأصبح من اليسير التنبؤ بنتيجتها ويمكن تلخيص ما أسلفناه في الأبواب الماضية فيما يلي:

أولا: توغل الجيش المصري في فلسطين دون أن يضع خطة عملية لفض ((الجيوب )) اليهودية الخطرة التي توزعت في الصحراء ((النقب )) كان أساسا لكل ما حدث بعد ذلك من أخطاء .

ثانياً : قبول الهدنة الأولي والثانية أعطى لليهود فرصة نادرة لاستجلاب أحدث أنواع الطائرات والدبابات وغيرها فوق أنه اثر تأثيراً عكسيا في روح جنودنا المعنوية .

ثالثا ً: كان ((الغرض)) الأصلي كما أسلفنا هو احتلال (( تل أبيب )) ولقد رأينا كيف فشل الجيش في المحافظة علي هذا الغرض ثم تعددت أغراضه وأهدافه بعد ذلك حتى لم يعد له غرض معين يسعى له ويعمل علي تحقيقه .

رابعاً : كان واضحا ما عليه جندنا من قصور وعجز في التدريب وبخاصة ما يتعلق بالعمال الليلية ولو كانوا يحسنون هذا النوع من العمليات لهاجموا المستعمرات ليلا واستفادوا من ميزة ((المفاجأة ))ولما تعرضوا للخسائر الكثيرة من جراء الهجمات النهارية .

خامساً : لم يكن الجيش يملك دبابات ثقيلة تسهل له مهاجمة المستعمرات الحصينة مما اضطره إلى العمل بالنظريات القديمة فيحاول دك التحصينات بمدفعية قبل الهجوم غير أن قوة تحصينات اليهود وبراعتهم في طرق الإخفاء والتستر في باطن الأرض كانت تجعل هذه الطريقة مضيعة للجهد ومضيعة للذخيرة علي قلتها .

سادسا : لم يكن لدى جنودنا ما يمكن تسميته برغبة ((الاستكشاف )) أو معرفة الأرض واستخدامها حين كان ذلك واضحا كل الوضوح عند جنود الخصم ويكفي أن نقول :إنه كان يسلك طرقا يصعب علي أهل البلاد أنفسهم معرفتها !

سابعاً: التزام الجيش لخطة الدفاع بعد الهدنة الأولي حطم روح جنودنا المعنوية وأعطى اليهود سيطرة تامة علي الموقف الحربي والاشتغال بعد ذلك بالعمال الهجومية وبخاصة إذا علمنا أن قوات العدو الرئيسية ((البالماخ )) لم تكن تشغل نفسها إطلاقا بالدفاع .

ثامناً : لم تكن الجيوش العربية تتصرف بموجب خطة مرسومة وقيادة موحدة مما جعل اليهود يركزون هجماتهم علي كل جيش علي حدة ولقد رأينا كيف ركزوا اهتمامهم علي الجيش المصري أقوى جيوش العرب وأفضلها نظاما وتسليحا دون أن يخف زملاؤه لنجدته في الجبهات الأخرى .

تاسعاً: كان الواجب يقضى بالإفادة من القوى الشعبية الفلسطينية وتسخيرها للمجهود الحربي وكان يمكن أن تشكل قوات كبيرة من ((الحرس الوطني )) ورجال العصابات فتتولى الأولي الدفاع عن المدن والقرى وتتولى الثانية مهمة إنهاك العدو وتوزيع قواته بينما تظل قوات الجيش حرة غير مرتبطة بأوضاع الدفاعية إطلاقا .

عاشراً : لم يكن هناك أي داع لبقاء ((القوة الخفيفة )) في جبال الخليل حيث إن تلك الجهات كانت تدخل ضمن المنطقة الأردنية مما سبب كثيرا من المشاكل السياسية بينما بين القوات الأردنية ولو بقيت هذه القوات في يد قيادة الجيش المصري لأمكن استغلالها كقوة ضاربة ((احتياطية )).

تغيير القيادة وحل الإخوان .

((كان الإخوان المسلمون جنوداً أبطالا أدوا واجبهم كأحسن ما يكون )) فؤاد صادق

استقرت القيادة العامة في ((غزة )) بعد إخلاء المناطق المتقدمة الذكر وبدأ ((المواوى )) ينظم نفسه في الوضع الجديد وقبل : إنه قد فرغ من تنظيم خطط عسكرية جديدة وإنه سيباشر تنفيذها بنفسه ولقد قال لي القائمقام ((علي مقلد )) أركان حرب القائد العام في ذلك الحين إن هناك خطة توضع لاختراق الحصار المضروب حول حامية وإنقاذها بالقوة .

وبعد أن بين لي بإيجاز تفصيل هذه الخطة :قال لي : إن الرأي متجه إلى أن يقوم الإخوان المسلمون بأهم أجزائها فأبديت له ترحيبي للقيام بأي عمل مهما كانت خطورته إذا كان فيه نجاة لإخواننا . غير أن الظروف لم تسمح للمواوى بتنفيذ الخطة إذا تقرر سحبه إلى مصر وغادر الميدان (11) نوفمبر بعد أن سلم مهام القيادة العامة إلى اللواء أحمد فؤاد صادق .

جاء اللواء ((فؤاد صادق)) ليتسلم قيادة الحملة وتناقل الضباط والجنود قصصا كثيرة عن قسوة القائد الجديد وشدته وبالغوا في إظهاره بمظهر القائد الفظ الذي يبطش لأتفه الأسباب . وكانت مهمة القائد الجديد شاقة للغاية فحالة الجيش كانت قد وصلت إلى درجة كبيرة من السوء والفوضى وكانت الروح المعنوية في الجنود قد هبطت إلى الحضيض من جراء الهزائم والانسحابات المتتالية فقوات الفالوجا لا تزال تعانى مرارة الحصار ويتناقل الجنود أنباء الهجمات الجوية والرضية التي تتعرض لها القوات الباسلة وقوات المتطوعين في مناطق الخليل وبين لحم تقاسى مرارة حرمان من جراء انفصالها عن القوات الرئيسية والعدو يعمل جاهدا لإفنائها واستخلاص تلك المناطق الحيوية من أيديها .

أما القوات الرئيسية في غزة فقد كان عانى ضعفا شديدا ورعبا قاتلا بسبب هذه الأباء المثيرة بسبب الوضع الدفاعي الشاذ الذي لزمته في الخنادق الموحلة تخت رحمة الأمطار .

تلك كانت حالة الميدان حيت تغيرت القيادة وجاء ((فؤاد صادق)) ليتسلم التركة فكان أول عمل قام به أن طاف مع كبار ضباطه علي الجنود في مواقعهم وخنادقهم يتحدث إليهم ويثير الروح الكامنة في أعماق قلوبهم تلك الروح التي حطمتها أخطاء السياسة ونزلت بها إلى الحضيض .

وكانت سنة حميدة سنها القائد الجديد فجاء بالنتائج الطيبة وكان لها أثر كبير في النجاح الموضعي الذي أحرزه تلك القوات بعد ذلك وما لبثت الصورة القاتمة التي رسمها الضباط والجنود لقائدهم أن تبدلت وحلت محلها عاطفة متبادلة من المحبة والإعجاب .

ولقد زار القائد الجديد معسكرات الإخوان في الأسبوع الأول وجلس إليهم وأبدى إعجابه الشديد بروحهم العالية وكان يقول لهم في أول لقاء : إنه سمع عن بطولتهم وأعمالهم وإنه يتمنى آن لو كانت روح أفراد الجيش علي هذه الشاكلة .

ثم تكررت زياراته لهم في مواقعهم ومعسكراتهم وتلك الإخوان في كل مرة يزدادون بالرجل وإعجابا به وكان الإخوان حتى ذلك الوقت لا يزالون يحتلون المواقع المحيطة بالمستعمرات ولا تزال تقارير المخابرات الحربية ترد تباعا إلى القيادة العامة عن مبلغ الخسائر الكبيرة التي ينزلونها بالعدو ولقد مر بك كيف ضج اليهود بالشكوى وهددوا باستئناف القتال إن لم يوقف الجيش هذه العصابات عن نشاطها .

وفوجئت ذات يوم بطلبي إلى رفح حيث كانت القيادة العامة قد انتقلت إليها وهناك تسلمت أمرا يقضى بسحب الإخوان من تلك المواقع وإرجاعهم إلى المعسكرات وحاولت أن أجد تعليلا لهذا الأمر المفاجئ فكنت أقابل بالصمت من الجميع وقد همس لي بعض ضباط الرئاسة العمليات واردة من القاهرة .

وعجبت كثيرا لصدورها وخصوصا في هذه المرحلة الخطيرة من الحرب وبعد أن آمن الجميع بالفائدة التي يجنيها الجيش من بقاء الإخوان في هذه المنطقة وكنت اعلم أن اليهود سيبادرون حتما لاحتلال هذه المواقع ليأمنوا شر العصابات وبالتالي ليضعوا خطوط الجيش المصري تحت رحمتهم فمضيت اشرح وجهة نظري إلى المسؤلين وأبين الأضرار التي يمكن أن تنجم عن هذا الأمر ولكن المسئولين أصروا وأفهموني بلباقة أن هذه الأوامر ((تعليمات عليا )) ليست قابلة للنقاش والتعديل .

فمضيت أنفذ هذا الأمر علي كره منى وعلي كره من الإخوان جميعا وسحبت الإخوان جميعا من مواقعهم تنفيذا لهذه التعليمات وبذلك انحلت القيود التي كانت تكبل مستعمرات النقب ومضت القوافل اليهودية تجوب الصحراء بحرية من جديد وتحشد الجنود والمعدات في المستعمرات القريبة استعداد للعمليات المقبلة وفقد الجيش عيونه المبصرة التي طالما نبهته للخطر قبل وقوعه .

ولقد صح ما توقعته وما حذرت منه فلم تمض إلا أيام قلائل حتى هاجم اليهود ((تبة الشيخ نوران )) واحتلوها وأصبح في مقدورهم مراقبة الجيش المصري وإحصاء حركاته وسكناته ولقد حاول الجيش استرداد هذه التبة المنيعة فهاجمها في (6) ديسمبر بقوات كبيرة ولكن ذهبت محاولاته أدراج الرياح رغم كثرة التضحيات والخسائر التي منى بها وكان الفصل في ذلك لمناعة هذه التبة وخصائصها الطبيعية وتحكمها في السهول المنبسطة التي تحيط بها وكان هذا الموقع واحدا من الموقع التي ظل الإخوان يدافعون عنها بإصرار طوال عام كامل رغم الهجمات والمحاولات المتعددة التي قام بها العدو.

أما بقية المواقع فقد احتلها اليهود بدون قتال كذلك فاحتلوا (( تل جمعة )) في ((15)) ديسمبر و((تل الفرعة )) في (( 18 )) ديسمبر وبذلك فقد الجيش المصري منطقة تربو مساحتها علي سبعمائة كيلو متر مربع فقدها دون قتال كما فقد المناطق المتقدمة قبلها دون قتال أيضا أما الأرض التي احتلها اليهود عقب انسحاب الإخوان منها فقد أقاموا فوقها المستعمرات المحصنة وحشدت فيها القوات اليهودية التي هاجمت الجيش المصري في ختام الحر ب .

أما سحب الإخوان من مواقعهم المنيعة والحد من نشاطهم العسكري فكان صدى للإجراءات التمهيدية الشاذة التي اتخذتها الحكومة السعدية قبيل حل جماعة الإخوان في مصر وكانت الحكومة كما أبلغت مؤخرا تخشى أن يقوم الإخوان في فلسطين بحركات انتقامية وهكذا صور لهم الوهم أن هؤلاء الشباب المؤمنين سينقضون علي جيشهم وقت أن كانوا يقذفون بأنفسهم في لهب المعارك دفاع عن جيش بلادهم وكرامة أمتهم.

ولقد مر بك اللواء ((المواوى )) طالب بإرسال عدد كبير من الإخوان وإرسالهم فورا إلى الميدان وسافر لهذه الغابة الأستاذ (محمد فرغلي ) رئيس الإخوان في فلسطين ولقد حدثني الصاغ (محمود لبيب ) وكيل الإخوان أن عبد الرحمن عزام أمين الجامعة قد استدعاه في ذلك التاريخ ورجاه أن يعمل علي تجنيد هذا العدد لأن خطورة الموقف العسكري تتطلب إرسالهم علي وجه السرعة ومضى الصاغ (لبيب) فاتصل بشعب الإخوان في القطر وأمر كل شعبة بتجهيز فرد واحد من أعضائها وإبقائه مستعدا للسفر في مدة معينة .

ولكن ما أن تناهي النبأ إلى مسامع النقراشى حتى هاج وماج ورفض قبول الفكرة من أساسها ولم يستطع الإخوان تعليل ذلك الرفض حتى جاءت الحوادث القريبة بعد ذلك لتعلن الحقيقة المرة ذلك أن النقراشى كان مشغولا في ذلك الحين بتنظيم القضاء علي جماعة الإخوان ومحوها من الوجود .

وأعود بالذاكرة قليلا إلى الوراء فأذكر الوقت الذي كان فيه المرشد العام رحمة الله ورضوانه عليه يعد ضخمة للدفاع عن القدس حيث كان اليهود يشنون هجمات عنيفة علي مراكز الجيش الأردني بها مما خشي معه أن يستولي اليهود علي المدينة المقدسة وأذكر أن حديثا تليفونيا جرى بيني وبين فضيلته وكان يقول لي : إنه يجهز قوات كثيفة ليدخل بها فلسطين وأنه سيعلن الجهاد الديني والتعبئة الشعبية بعد أن فشلت الحكومات وجامعاتها وكان يسوق لي هذه الأنباء مرددا هذه العبارة : (ما فيش فايدة الناس دول مش عاوزين يحاربوا) وكان فضيلته يرمى من وراء ذل إلى إثارة الشعور الديني في العالم الإسلامي ودفع الشعوب الإسلامية والحكومات الإسلامية لعمل شئ ما .

علي أن الحركة العسكرية التي أرادها المرشد العام لم يقدر لها النجاح إذ وقف عناد النقراشى الزعيم النزيه حجر عثرة في سبيلها استجابة لرغبات الإنجليز وتمشيا مع سياستهم حيث كان يفزعهم اسم الإخوان وأنباء قتالهم الرائع في فلسطين .

ولقد سمع ضباط الجيش وجنوده بأنباء هذه الحركات الشعبية التي أرادها المرشد العام وارتاحوا لها وعلقوا عليها كثيرا من الآمال الكبار وكان الجميع يعلمون أن مجيئه كفيل ببعث الروح المعنوية التي سحقتها الهزائم وشد أزر المحاربين الذين فقدوا الثقة في قادتهم وزعمائهم ولم يكن يدور في خاطر أحد أن هذه الوقت العصيب هو الوقت الذي حدده النقراشى ليركب رأسه ويرتكب فيه أبشع حماقة عرفها تاريخ مصر الحديث .

ولم تلبث الأنباء أن جاءت بعد ذلك بقيام المذبحة الهائلة فسيق زعماء الإخوان إلى المنافي والمعتقلات وكان من بينهم الأستاذ (محمد فرغلي) الذي ذهب ليستحضر جنودا للميدان !

حتى ذلك التاريخ لم يكن الإخوان المحاربون يعلمون شيئا عن حقيقة ما يجرى في مصر وعن سر هذه الإجراءات المريبة التي تتبع إزراءهم في الميدان ولقد أدهشهم كثيرا إصرار المسئولين العسكريين علي جمعهم في معسكر والحد من نشاطهم حتى كانت ليلة (7 ديسمبر سنة 1948) حين جاءني اللواء (البردينى) وكان يشغل منصب (قائد ثان) للقوات المصرية في فلسطين وقد حضر إلى المعسكر في ساعة متأخرة من الليل يصحبه عدد كبير من ضباط أركان الحرب وجنود البوليس الحربي واقتحم حجرتي الخاصة أحد ضباط البوليس الحربي وقال لي :

إن وكيل القائد العام موجود في المعسكر ويريد أن يراك لأمر هام فارتديت ملابسي علي عجل وتبعته إلى الخارج فأدهشتني السيارات العسكرية التي ملأت ساحة المعسكر وأخذت أسأل نفسي عن سر هذه المظاهرة دون جدوى وأقدمت عليهم مسلما ومحييا فانبرى (البردينى) قائلا : إنه يريد التحدث معي علي انفراد فصحبته إلى حجرة المكتب وجلسنا ومعنا بعض كبار الضباط وافتتح الكلام قائلا: طبعا يا فلان كلنا إخوان وكلنا مسلمون فضلا عن أننا نحارب عدوا مشتركا ولغاية واحدة ولا يمكن أن يضرب بعضنا وجوه بعض مهما كانت الدوافع والأسباب ثم أخذ يردد هذه المعاني ويصوغها في جمل مختلفة وشاركه ضباطه في تأكيدها وكنت في حيرة شديدة ولا أفهم معنى لهذا الكلام فقلت له : ألا أرحتني من عناء التفكير وبينت لي الموضوع دون حاجة لهذه المقدمات فلست أشك أننا جميعا إخوان نحارب عدوا مشتركا ولغاية واحدة وإلا لما رأيتني هنا في هذا الميدان .

قال: اسمع يا فلان ! أنت رجل عاقل وحكيم وتستطيع أن تزن الأمور بميزانها الصحيح ولقد أبلغنا أن قرارا سيصدر غدا بحل جمعية الإخوان المسلمين بمصر والقائد العام بناء علي طلب الحكومة يريد منك أن تسلمه جميع الأسلحة ومعدات الحرب حتى تهدأ الحال وتستبين آثار هذا القرار خشية أن يركب بعض الإخوان رءوسهم ويقوموا بحركات انتقامية يكون فيها أبلغ الضرر في هذه المرحلة الخطيرة التي يجتازها الجيش

ونرجو ألا تمانع في تسليم الأسلحة والمعدات لأمد محدود رغم أننا نثق في حكمة الإخوان وإيمانهم ونؤمن أيضا أنهم لن يقدموا على عمل ينجم عنه الضرر مهما كانت الأسباب !

فقلت له : إن مسألة حل جمعية الإخوان مسألة نتوقعها بين يوم وآخر ولسنا نعجب لوقوعها مادام الإنجليز وصنائعهم يحكمون هذه البلاد ثم إننا نؤمن أن هذه الدعوة ليست قابلة (للحل) لأنها دعوة الله ودورنا فيها لا يتعدى الإخلاص لها والعمل لتحقيقها كل جهد استطاعته فإن فعلنا ذلك فقد أدركنا بغيتنا وأدينا واجبنا وحل الإخوان عندنا لن يتعدى نزع اللافتات وإغلاق الأبواب أما الدعوة فموضعها قلوب الصفوة المؤمنة وهي قلاع منيعة لا يمكن قهرها ولا اقتحامها ولو نصبت الحكومة المشانق في الطرقات وراجعت سجلات الإخوان المسلمين لتشنق كل صاحب اسم أدرج فيها بلا استثناء فلن تصل إلى ما تريد لأن دعوة الإسلام ستجد حتما من يعمل لها ولو بعد أجيال كثيرة وليست هذه أول مرة يتعرض فيها دعاة الإسلام للمحن والنوازل فصحائف التاريخ مفعمة بأنباء الطغاة والجبابرة الذين وقفوا في وجههم وحاربوهم بكل سلاح وكانت النتيجة في كل مرة أن يمحى الطغاة وتمحى آثارهم ثم يخرج الإسلام من محنه مرفوع الهامة موفور الكرامة

هذا كل ما عندي بشأن حل جمعية الإخوان أما خشية الحكومة السعدية من قيام حركات انتقامية في الميدان فتلك خشية لا موضع لها فإن إيمان الإخوان ووطنيتهم الصحيحة يمنعانهم من التفكير في مثل هذه الأعمال وإن هؤلاء الشباب الذين باعوا أنفسهم وهجروا الدنيا بمن فيها لن يختموا جهادهم بضرب وجوه المؤمنين من إخوانهم وزملائهم ثم إننا لو فكرنا في الانتقام من مرتكبي هذا الجرم ومقترفيه لما فكرنا في الجيش مطلقا لأننا نعلم أن الجرم كله يتركز في قلة تافهة من الحكام والكبراء وهم وحدهم سيتحملون التبعة أمام الله وأمام الناس وسيأتي يوم ينزلون فيه من عليائهم ليحاسبوا علي كل صغيرة وكبيرة .

أما دعوتنا فستظل كما هي كالطود الراسخ لا تزيدها المحن إلا قوة وصلابة وعلي هذا فتسليم الأسلحة والمعدات يعتبر أمرا لا لزوم له ومن واجب القائد العام ألا يفكر فيه مطلقا وعليه أن يبلغ المسئولين رأيه الصريح وأن يتحمل التبعة وهو رجل شجاع جرئ لاتهمه المسئوليات والتبعات وأرجو أن يعلم أيضا أن هذه الأسلحة ليست ملكا للحكومة ولا للجيش ولكنها ملك لأفراد هذا المعسكر الذين اشتروها بمالهم الخاص ومنهم من باع ملابسه وحلي زوجته لشرائها ولن يستطيع إنسان كائنا من كان أن يقنعه بتسليمها والوقوف بدونها .

كنت أقول هذا الكلام وقد بلغ منى الغضب منتهاه وأخذ الرجل يحاول إقناعي دون جدوى وأخيرا اتفقنا علي كتمان هذا الأمر حتى أقابل القائد العام في الصباح بمركز رئاسته في رفح ومضى (البردينى) وصحبه وبقيت وحدي فترة من الزمن ثم غادرت المكتب وقد عولت علي كتمان هذا الأمر حتى يمكن معالجته بحكمة ولباقة.

وهناك علي باب الحجرة وجدت جمعا كثيرا من الإخوان ينتظرني وقد دهشوا لهذا المظاهرة العسكرية التي اقتحمت بسياراتها وبوليسها ويبدى كل واحد منهم يبدى سببا من الأسباب ويتكهن بالأحداث الجسام التي لابد أن تكون قد وقعت أو علي وشك الوقوع ودلفت إلى الغرفة بعد أن طمأنتهم بكلمات مختلفة وبينت لهم أسبابا وهمية عن معارك وشيكة الوقوع وأن هؤلاء الضباط قد جاءوا ليبينوا لي دور الإخوان فيها فانصرف الإخوان كل إلى موضعه ولم يبق إلا عدد قليل دخلوا معي إلى الحجرة وأذكر أنني قمت لأصلي العشاء وجدت نفسي بلا إرادة أقرأ سورة البروج فلما وصلت إلى قول الله تعالى { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ....الآية) ..لم أتمالك نفسي فبكيت .

كان الإخوان المحيطون بي قد فهموا كل شئ فما كدت أنتهي من الصلاة حتى كانوا جميعا يبكون وبادرنى أحدهم وهو الأخ (سيد عيد يوسف) بقوله : هل حلت الإخوان في مصر ؟ قلت له نعم وطلبت إليهم أن يكتموا هذا الأمر حتى نتبين عواقبه وخرج الإخوان وبقيت وحدي في غرفتي ولم يغمض لي جفن طوال تلك الليلة .

كان مفروضا أن أذهب في الصباح الباكر لمقابلة القائد العام حيث ثبت له أمر الإخوان عقب هذه الحوادث فصليت الصبح ثم ركبت سيارة المعسكر وتوجهت إلى قرية رفح حيث القيادة العامة وكنت أفكر طوال الطريق عما عسى أن يحدث لو أصر (فؤاد صادق) علي رأيه في تجريد الإخوان من سلاحهم وكنت أعلم سلفا أن الإخوان لن يقبلوا تنفيذ هذا الأمر بسهولة ولن يلقوا أسلحتهم بهذه الصورة المزرية .

وظللت أقلب الأمر علي وجوهه كلها فلم أجد إلا وسيلة واحدة تريحنا من هذا العناء هي أن يقتنع القائد العام بما أقوله ويدع الأمور تمضى في مجراها الطبيعي حتى دخلت رفح وكان الضابط يقبلون علي مرحبين وكانوا جميعا ناقمين علي هذه الأوضاع ولم يخف أحد منهم استنكاره لهذا الإجراء الظالم الذي استهدفت له أكبر هيئة شعبية في مصر علي أنهم كانوا مجمعين علي أن جماعة الإخوان لم تحل ولكن الأحزاب الحاكمة هي التي حلت نفسها بنفسها حين أقدمت علي هذه الخطوة الطائشة ثم التقيت بكبار المسئولين في الرئاسة وقال لي القائمقام (إبراهيم سيف الدين) وكان أركان حرب القائد العام وساعده الأيمن ومن خيرة الضباط الذين عرفناهم في الميدان : إن القائد قد فكر كثيرا في الأمر وتحدث مع المسئولين في القاهرة وأغلب الظن أنهم قد تركوا له معالجة الأمر بالصورة التي يراها وبعد لحظات دعيت لمقابلة القائد العام فقابلني الرجل بوجه باسم ورحب بي ثم عرج علي حوادث القاهرة فقال : إنه يرجو ألا يتأثر الإخوان بما يجرى هناك وأن يركزوا جهدهم في المهمة العظمى التي يقومون بها في سبيل الله والوطن واستطرد يقول : إنه قد فكر كثيرا في الأمر فاستقر رأيه علي معالجته بالحكمة والحسنى وإنه سيترك للإخوان الخيرة فيأمرهم وعليهم اختيار الأوضاع التي يرتاحون إليها فإن رأوا كلهم أو بعضهم مغادرة الميدان والذهاب إلى بلادهم ليشاركوا إخوانهم في محنتهم فسوف يسهل لهم أمر العودة وإن رأوا أن يستمروا مع زملائهم حتى تستقر الحالة العسكرية علي وضع من الأوضاع فسيظلون في أماكنهم دون أدنى تغيير في أوضاعهم ونظمهم .

علي أنه يرجو أن يتدبر الإخوان الأمر وأن يعلموا أن الجيش في حالة ماسة إلى جهودهم ولا يليق بهم التخلي عنه وهو علي هذه الحالة ثم طلب إلى أن أجمعهم في موعد معين حتى يذهب إليهم ويتحدث معهم كعادته فوعدته خيرا وخرجت وقد زال من صدري هم ثقيل واختفي من أمام ناظري شبح أزمة مخيفة كنت أحسب لها ألف حساب .

ولما عدت إلى المعسكر وجدت أبناء القرار المشئوم قد سبقتني إليه عن طريق الصحف وأجهزة الراديو ورأيت الإخوان يتجمعون في حلقات كثيرة ويتناقشون في أمر هذا القرار وقد علت وجوههم علامات الغيظ والحنق فطلبت إليهم الانصراف إلى أعمالهم ثم عقدت اجتماعا عاما حضره قواد السرايا وضباط الفصائل وشرحت لهم ما دار بيني وبين قيادة الجيش وطلبت منهم بحث الموقف واتخاذ قرارات بشأنه فتداولوا الرأي بينهم ثم قرروا مفاتحة الإخوان في الأمر وعقد اجتماع عام حتى يمكن معرفة رأيهم جميعا واتخاذ قرار موحد علي أساس من الرغبة والاختيار .

جمعنا الإخوان في مسجد المعسكر وتحدثت إليهم طويلا في هذا القرار الأحمق وبينت لهم حقيقة ما دار بشأن تسليم الأسلحة والمعدات وما تم التفاهم عليه ثم أخيرتهم بين الاستمرار في القتال أو الانسحاب إلى مصر وطلبت إليهم الإدلاء بآرائهم الصريحة دون ضغط أو إكراه ثم أعقبني الأخ المجاهد (حسن دوح) من قواد المعسكر فحدثهم عن المحن كمرحلة ضرورية في الدعوات وأنهي كلمته بمطالبتهم باتخاذ قرار موحد نلتزمه جميعا ونتعاون علي تنفيذه .

واستأذن أخ آخر في الكلام وقال : إن عنده وصفا لهذه المحنة من كلام المرشد العام نفسه ! وأخذ يقرأ كلمات من رسالة كتبها الإمام الكريم قبل ذلك التاريخ بسنوات وتنبأ فيها بمحن قاسية تعترض الإخوان فيعتقلون وينقلون ويشردون وتصادر حريتهم وأرزاقهم وتلصق بهم التهم الباطلة ظلما وعدوانا ويتعاون عليهم أعداء الإسلام من مستعمرين وحزبيين ولكن الله وعدهم بعد ذلك كله مثوبة العالمين ونصرة المجاهدين .

وذكر الأخ المتكلم أن الأستاذ الإمام كان يتعجل المحنة ويتعجب من تأخرها ويعتبر وقوعها علامة النصر وبداية إلى الفوز المبين .

وبعد أن انتهي المتكلمون طلبت إلى الإخوان الإدلاء بآرائهم فوجدت إجماعا تاما علي ضرورة البقاء ومواصلة القتال حتى ينتهي الجيش من مهمته وتعود فلسطين كما كانت دائما أرضا عربية مسلمة . وفي اليوم التالي حضر اللواء (فؤاد صادق) يرافقه جمع كبير من ضباطه وأبدى رغبته في الجلوس إلى الإخوان والتحدث إليهم بنفسه فلم تمض إلا دقائق حتى كانوا جميعا في مسجد المعسكر ولما دخل عليهم حيوه بهتافات الإخوان المعروفة ثم قام الأخ (حسن دوح) فتحدث نيابة عن الإخوان وبين للقائد إجماع الإخوان علي البقاء ومواصلة الجهاد حتى تنتهي الحرب دون أن يتعرض مطلقا رأى ضرر تخشاه الحكومة وتحدث القائد إلى الإخوان وشكرهم علي هذه الروح السمحة الطيبة وأبدى استعداده لإجابة مطالبهم كلها .

وهكذا انحصر تفكير الإخوان في الجهاد في فلسطين ووضع مصلحة الجيش والأمة فوق كل اعتبار . فهل كان الموقف يتنافى مع رأى قيادة الإخوان في مصر؟

المفروض أن (قيادة الإرهاب العليا) لن تحارب فلسطين ومصر معا في توزيع قواتها بين جبهتين ! والوضع الطبيعي أن تبادر القيادة العليا المذكورة فتسحب قواتها من فلسطين لتواجه بهم هجمات البوليس المصري وتنفذ مؤامرتها الكبرى لقلب نظام الحكم في الدولة وتحقيق المسرحية المثيرة التي ألفها (عمار) وأخرجها (النقراشى) وخليفته كان هذا هو المفروض في مثل هذا الموقف ولكن يظهر أن قيادة الإرهاب لم تكن لها حكمة (عمار) ولا ذكاء (إبراهيم عبد الهادي) فكان أن أرسل المرشد العام خطابا مع أحد الإخوان يقول فيه :( إنه لا شأن للمتطوعين بالحوادث التي تجرى في مصر ومادام في فلسطين يهودي واحد يقاتل فإن مهمتهم لم تنته ) ثم يختتم الرسالة بوصية طويلة للإخوان بالتزام الهدوء وحفظ العلاقات الطيبة مع إخوانهم وزملائهم من ضباط الجيش وجنوده .

والواقع أن خطة المرشد العام كانت تقضى بعدم المقاومة حتى لا يستفيد الإنجليز من الفتنة إذ كان يدرك خيوط هذه المؤامرات كانت في يدهم فهم الذين احتضنوا الصهيونية منذ كانت فكرة وحلما حتى أصبحت دولة وجيشا .

ورأى الإنجليز أن مصر كلها تقف صفا واحدا لمواجهة الخطر اليهودي وأن هيئاتها المختلفة لم تتفق علي أمر بقدر ما اتفقت علي محاربة اليهود ومكافحة شرهم رأى الإنجليز ذلك ورأوا أن هيئة الإخوان هي التي تتزعم الحرب ضد اليهود في البلدان العربية وفي فلسطين وخشوا أن يتناول الإخوان لواء الجهاد وبذلك تتحول الحرب إلى معركة شعبية لا سيطرة فيها لقرارات الأمم المتحدة ولا لمجلس أمنها المنكود .

والإنجليز يريدون أن تستمر هذه الحرب حكومية رسمية حتى يمنعوها أو يدعوها فتسير .

ولقد زاد من خوفهم ما أذاعه المرشد العام عن عزمه علي إعلان التعبئة الشعبية والجهاد الديني وهو ما ذكرته في موضع سابق كل هذه الأسباب وغيرها جعلت بريطانيا وزميلتها الاستعماريتين فرنسا وأمريكا تضغط علي النقراشى وتأمره بحل الإخوان المسلمين والتضييق عليهم فإن قاوم الإخوان وتحولت الفتنة إلى حرب أهلية فهي الفرصة الذهبية لبريطانيا وإن سكت الإخوان واحتسبوا فقد نجحت في تحطيم الوحدة الشعبية وتوجيه قوى الأمة والحكومة وجهة مضادة .

ولقد حدثني أحد الإخوان العائدين إلى الميدان أن نفرا من شباب القاهرة توجهوا للإمام الشهيد عند طغيان موجة الاعتقالات وسألوه عن رأيه في هذه الحركة واستأذنوه في المقاومة حسب الطاقة ولكن الرجل المؤمن حذرهم من هذا وبين لهم أن الإنجليز هم السبب وأنهم هم الذين أوحوا إلى النقراشى بحل الإخوان والتضييق عليهم عسى أن يقاوموا فيغتنم الإنجليز الفرصة للتدخل المباشر في شئون البلاد ثم وضح لهم الدور في القصة المشهورة التي تروى عن سليمان الحكيم عليه السلام حين اختصمت إليه امرأتان علي طفل وليد وادعت كل واحدة منها بنوته فحكم بشطره نصفين بينهما فوافقت المرأة التي لم تلده علي قسمته بينما عز ذلك علي الأم الحقيقة وآلمها قتل فلذة كبدها فتنازلت عن نصيبها فيه نظير أن يظل متمتعا بحياته وقال الإمام الشهيد : ((إننا نمثل نفس الدور مع هؤلاء الحكام ونحن أحرص منهم علي مستقبل هذا الوطن وحرمته فتحملوا المحنة ومصائبها وأسلموا أكتافكم للسعديين ليقتلوا ويشردوا كيف شاءوا حرصا علي مستقبل وطنكم وإبقاء علي وحدته واستقلاله)).

وصدع الإخوان بالأمر وتحملوا مصائب المحنة بصبر وجلد ومضى السعديون في خطتهم الطائشة يقتلون ويشردون ولا ينام زعيمهم مطمئنا إلا إذا ارتاحت نفسه لعدد من المشردين والمعذبين وكان كلما زاد العدد كان ذلك أدعى لراحته وسعادته حتى كنفت مصر كلها في سحابة كثيفة داكنة من الظلم والظلمات وبات أي فرد في مصر تحت رحمة البوليس السياسي إن شاء عذب وإن شاء غفر وشهد الناس ألوانا جديدة من الطغيان لم يعرفوها قبل هذا العهد الأسود فمساجد الله تهاجم وتراقب ويوضع روادها في قائمة المشبوهين وكتب الله والسنن تعتبر نشرات ممنوعة لا يجوز تداولها ومبادئ الإسلام الكريمة تضم إلى غيرها من المبادئ الهدامة التي يحاربها القانون ...

قانون الدولة التي يزعمون أن دينها الرسمي هو الإسلام !

وكان طبيعيا أن تبرز الحكومة موقفها وتخلق سببا أو أسبابا لهذه المذبحة المريعة فأخذت أبواقها في االجمهور أبناء مختلفة عن مؤامرات تدبر في الخفاء لقلب نظام الحكم وطفحت الصحف الحكومية المغرضة بتفاصيل هذه المؤامرات الوهمية وتعدتها إلى الكلام عن الجمهورية الإسلامية ودستور القرآن الذي يريد الإخوان تطبيقه وصور الخيال أركان النظام الجديد حتى ذكرت إحدى هذه الصحف أسماء بعض وزراء الحكومة الإسلامية الجديدة !...

ولم يكن الإخوان يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في ذلك الجو الخانق الأغبر فالحكومة تقبض بيد من حديد علي وسائل الإذاعة والنشر وتملي عليها ما تكتبه وما تذيعه وخزائن الدولة مفتحة الأبواب أصحاب الأقلام المأجورة والذمم الخربة ليغترفوا منها ويدبجوا المقالات ويكتبوا ما يمليه عليهم الهوى والغرض ويساهموا مساهمة فعالة في تضليل الشعب واستعداء الحكومة التي لم تكن في حاجة إلى استعداء وهي تعلم جيدا معالم الطريق الوعر الذي خططه لها أسيادها المستعمرون واندفعت فيه دون روية أو تفكير .

والشعب المسكين يقف مذهولا من هذه الحركات ولا يكاد يفقه معناها فهو يستقى معلوماته من الصحف المغرضة والأقلام المأجورة ويطالع كل يوم أنباء العثور بها على أسلحة ومفرقعات هي في الواقع من مخلفات الكميات الهائلة التي بعث بها الإخوان إلى فلسطين ولكن أبت الروح الحزبية الخبيثة إلا أن تجعل منها أسلحة لجيش سرى خطير !.

في هذا الجو المسموم كانت تعيش مصر وتلك كانت حالتها الداخلية عقب هذا القرار الأحمق فأي توافق عجيب بين هذه الحركات الداخلية وبين توتر الحركة العسكرية في الميدان ؟!.


16-الإخوان بعد قرار الحل (معركة التبة 86)

((أيها الإخوان لا يهمكم ما يجرى في مصر فإن مهمتكم هي مقاتلة اليهود ومادام في فلسطين يهودي واحد فإن مهمتكم لم تنته)). حسن البنا

لم يؤثر قرار الحل في سياسة الإخوان في فلسطين وظلوا يؤدون واجبهم المقدس في مجاهدة أعداء الإسلام رغم ما كان يصلهم من أنباء مثيرة عن الإرهاب الحكومي في أرض الوطن .

وما كاد شهر ديسمبر ينتصف وتصل الحالة الداخلية في مصر إلى أسوأ مراحلها حتى استغل اليهود الفرصة وقاموا بأعنف هجمات شهدتها حرب فلسطين وكان الإخوان في ذلك الحين يعاد تدريبهم في المعسكر بعد أن قضوا أكثر من عام في معارك متواصلة ومما تجدر الإشارة إليه أن اللواء (فؤاد صادق) كان قد افتتح بعض المدارس العسكرية في رفح للتدريب علي الأسلحة الصغيرة وفنون القتال وطلب انتساب نفر من الإخوان إليها ليعاد تدريبهم فبعثنا عددا كبيرا من الإخوان ووزعناهم علي الفرق المختلفة ولقد كان إقبالهم علي الدرس والتدريب ورغبتهم الشديدة في تعلم أساليب الحرب الحديثة مثار إعجاب الضباط الذين زاملوهم في الدرس أو اتصلوا بهم .

ولما انتهت فترة التدريب اقترح القائد العام أن يظل الإخوان في معسكراتهم ليكونوا (قوة ضاربة) تكون مستعدة دائما للدخول في أية معركة 0

ولم يطل الانتظار طويلا ! إذ نقض اليهود الهدنة في (23) ديسمبر وهاجموا مرتفعا حاكما جنوبي دير البلح يعرف باسم التبة(86) وكان نجاحهم في احتلال هذا الموقع يعنى عزل (حامية) غزة وتمثيل مأساة الفالوجا مرة أخرى .

ولقد رأينا كيف اضطر الجيش إلى إخلاء مناطق برمتها عندما احتل اليهود موقعا مشابها عند (بيت حانون) وكان هذا ما يرمى إليه اليهود من معارك (الطرق) التي اتسمت بها حربهم في فلسطين من قطع مواصلات الجيش وإرغامه علي التقهقر ثم طلب الهدنة لتمكنهم من المحافظة علي ما وقع في أيديهم وكان هذا ما أرادوه من احتلال مرتفع (دير البلح) الذي نتحدث عنه .

ولقد حدث إلى الأميرالاى (محمود رأفت) قائد قطاع (دير البلح) بالتليفون في ساعة متأخرة من ليلة (23) ديسمبر وأخبرني أن العدو قد نجح في اختراق خطوطنا الأمامية في دير البلح وانتزع المرتفع من أيدي جنودنا الذين أذهلتهم ((المفاجأة) وأن قواته تتجمع الآن وتحاول الوصول إلى طريق المواصلات الرئيسي ولكن قوات الجيش تحاول حصره فوق المرتفع حتى الصباح حيث يمكننا أن نقوم بهجمات مضادة لاسترداده وتطهيره ثم صارحني بأن الموقف جد خطير وأن هذه المعركة سوف يكون لها أثر بالغ في النتيجة العامة للحرب وختم حديثه طالبا أن يستعد الإخوان ليكونوا آخر (ورقة) نقذف بها في وجه اليهود 0

فألقيت سماعة التليفون وخرجت من المكتب وكانت أصوات الانفجار العنيفة تسمع عن بعد في جبهة القتال وطلقات الرصاص المضيء تمزق حاجب الليل المظلم وترسم علي صفحة السماء خطوطا حمراء متشابكة فأمرت بصفارة الإنذار فأطلقت ولم تمر دقائق علي إطلاقها المعسكر قد أخذوا مواضعهم الدفاعية وتجمعت القوات الاحتياطية في ارض التدريب وكل فصيلة أمامها قائدها ومعها أسلحتها ومعداتها وتحركت مصفحات المعسكر وسياراته المدرعة وانتظمت في تشكيلات الاستعداد واخذ قوادها يمدونها بحاجتها من البترول والماء ثم دعوت الإخوان المسئولين وشرحت لهم الموقف في إيجاز وطلبت تجهيز سرية للاشتراك في هذه المعركة وكانت المشكلة أمامي وأمام الإخوان المسئولين إقناع بعض الأفراد بالبقاء فكل فصيلة تريد أن يكون لها شرف العمل دون غيرها فلما وقع الاختيار علي الفصائل الثلاث هلل أفرادها وكبروا وأخذوا يهتفون من أعماق قلوبهم :(( هبي ريح الجنة هبي هبي ))ومضوا يعدون أسلحتهم ويستعدون لمنازلة العدو وبعد ساعة تحركت السيارات بمن فيها لترابط قريبا من أرض المعركة .

كانت نسمات الفجر تحمل إلى أنوف المحاربين رائحة البارود المحترق مختلطة بأنفاس الشهداء الأبرار وكانت أشعة الفجر الأولي تتسلل إلى الميدان فتكشف معاملة شيئا فشيئا والغيوم تتكاثف وتلقى حمولتها من الماء فوق رءوس المحاربين وكان اليهود حتى ذلك الحين لا يزالون فوق المرتفع الذي احتلوه ولا تزال مدافعهم تسيطر علي مسافات شاسعة من الأرض المنبسطة حوله .

ولم تكد الشمس ترسل أول أشعتها حتى صدرت الأوامر لجنود الجيش بالتقدم فانسحبوا في أفواج متلاحقة تريد أن تصل إلى القمة وتطرد العدو الرابض فيها ولكن ارتفاع الموقع وسيطرة أسلحة اليهود علي الأرض المحيطة به كانا يمنعان الجنود من الاقتراب وظلت الحالة هكذا موجات إثر موجات وجرحى كثيرون وشهداء يسقطون دون الهدف وكيف يمكن للحوم آدمية أن تقاوم القنابل والرصاص والعدو الماكر يربض خلف خنادقه التي أعدها بعناية ويصوب نيرانه منها علي لحوم بشرية متراصة وبدا جلي للعيان أن لا أمل مطلقا في كسب المعركة إلا في حضور عدد من الدبابات فأرسلوا في طلبها على عجل وجاءت الدبابات ودفعت إلى المعركة واحدة تلو الأخرى فأطلت منها اثنتان علي سفح التل ولم يستطيع أحد الاقتراب من مواقع العدو .

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر والريح لا تزال تدوي بشدة وتسوق أمامها موجات من السحب الكثيفة وعواصف المطر الباردة ووقف الضباط يتطلعون لي السماء يلتمسون العون من الله العلي الكبير بعد أن جربت كل الأسلحة ووضح جليا أن هذه المعركة قد ((ماعت) وضعت الأمل في حسمها قبل الليل . وكان لابد من إلقاء الورقة الأخيرة فطلب الأميرالاى (محمود رأفت) إحضار الإخوان علي عجل وما إن سمع الجنود والضباط اسم الإخوان حتى سرت في نفوسهم روح جديدة من الأمل والثقة وطلبت إلى القائمقام (على مقلد) قائد الفرسان أن يوفر دباباته ليدفع بها أمام جنود الإخوان وبعد لحظات وصل جنودنا إلى ميدان المعركة وترجلوا عند مكان أمين لتنظيمهم وإعدادهم وكانت الخطة تقضى بتقسيم الإخوان إلى ثلاث مجموعات تهاجم اثنتان منها الموقع من الأمام ومن جهة الشمال بينما تدور القوة الثالثة حول المرتفع وتهاجم مؤخرته وتمنع تدفق الإمدادات عليه وتجذب اهتمام لمدافعين إليها وتشغلهم عن القوتين الأخريين وكان المفروض أن تتقدم الدبابات متجمعة أمام قوة الإخوان تحت ستار من نيران المدفعية والأسلحة الرشاشة وتحت غلالة من قنابل الدخان التي كانت تطلقها مدافع الهاون التابعة للإخوان المسلمين وبدأت المعركة على هذا الأساس وانطلق الإخوان إلى أهدافهم وقد علت وجوههم إشراقة الإيمان القوى وكانوا ينشدون في حماسة نشيدهم المعروف :

هو الحق يحشد أجناده

ويعتد للموقف الفاصل

فصفوا الكتائب آساده

ودكوا به دولة الباطل

وأمسك الضباط والجنود أنفاسهم وهم ينظرون إلى هذا الشباب المؤمن يتوائب في ثبات وقوة ولا يثنيه الرصاص والقنابل عن التقدم لملاقاة أعدائه لقد آمن الضباط والجنود أن هناك نتيجتين لا ثالث لهما : إما أن ينتصر هؤلاء الشباب أو يموتوا جميعا لأن الانسحاب والتراجع لا يدخل في برنامجهم إطلاقا وبخاصة في مثل هذا الموقف الحرج الخطير .

وظلت مدافع الإخوان تقذف الموقع بقنابل الدخان فترة طويلة حتى أحالت القمة إلى سحابة قاتمة لا ترى خلالها غير ألسنة اللهب الناتج عن انفجارات القنابل وسكتت المدافع وانساب المجاهدون إلى أهدافهم وبدأت معركة الخنادق وروع اليهود حين رأوا الإخوان يلقون بأنفسهم فوقهم في الخنادق والدشم ويعاركونهم بالقنابل والحراب والأيدي ورغم كثرة الضحايا من الإخوان فإن القوة قد تمكنت من احتلال خنادق العدو وأخذت تطهرها جزءا جزءا ولم يجد اليهود بدا من إخلاء الموقع فصمتت مدفعيتهم وأسلحتهم وشوهدت مصفحاتهم تتحرك للخلف حاملة الجرحى والهلكى وكان هذا المنظر حافزا للجنود الآخرين ملهبا لحماسهم فأخذوا يتكاثرون علي الموقع ويتمون تطهيره حتى بدأت أخيرا الحمالات (قاذفات اللهب ) تطارد فلول العدو المنهزمة وانتهت المعركة بنصر حاسم وكانت إحدى المعارك الكبرى التي تكبد فيها العدو خسائر فادحة دون أن يحصل علي نتيجة تذكر ووجد ضمن القتلى عدد من كبار الضباط الإسرائيليين وبينهم قائد المعركة وهو (كولونيل) روسى يحتل مركزا هاما في الجيش الإسرائيلي ووجدت في جيبه تفاصيل الخطة التي اتبعت في دير البلح والخطط المقبلة التي كان يراد منها إلقاء الجيش المصري في أعماق البحر .

كانت الشمس قد مالت للمغيب حين انتهت المعركة وأخذ الجنود يحتلون الموقع بعد فرار اليهود منه أما جنود الإخوان فقد انسحبوا في سكون وهدوء بعد أن أخذوا منهم كميات وفيرة من الأسلحة الألمانية والروسية وأكداسا من القنابل والذخائر وكان الضابط يعانقونهم عند خروجهم ويهنئونهم بهذا النصر الحاسم ويشيدون بجهودهم وفضلهم .

ولقد سقط من الإخوان في هذه المعركة وحدها عدد كبير من الجرحى والشهداء وكان أول الشهداء قائد الفصيلة المرحوم (السيد محمد منصور) من إخوان الشرقية ومما يروى عن هذا الشهيد المبرور أنه حين أصيب بالضربة القاتلة التف حوله نفر من إخوانه وشغلوا به عن الهجوم فنهرهم بشدة وحينما حملوه إلى الخطوط الخلفية أفاق من غيبوبته وسألهم عن سير المعركة فأجابوه بما طمأن نفسه فابتسم وتمتم الحمد الله

ولم يقف لسانه عن الدعاء لحظة : اللهم انصر دعوتنا وحقق غايتنا حتى لفظ أنفاسه الطاهرة ومضى إلى جنة ربه الواسعة ليحمل البشرى إلى سكانها (إن شجرة الإسلام الخالدة قد بدأت تورق من جديد)). أما الشهيد (حسن العزازى) من إخوان العريش فقد أصيب بجرح في كتفه وكان في وسعه أن يعود ولكنه ظل يكافح بصعوبة حتى احتمى بنتوء بارز في مواجهة العدو وأخذ يلهب خنادقه برصاص مدفعه الرشاش حتى أسقط منهم عددا كبيرا مما اضطرهم إلى تركيز نيرانهم عليه فأصابته عدة طلقات في مواضع مختلفة من جسمه فسكت مدفعه وصعدت روحه الطاهرة بعد أن ثأر نفسه ومتع نظره برؤية الدم الصهيوني المراق .

وقد كان عدد الجرحى كبيرا ومنهم من مات متأثرا بجراحه بعد وصوله للمستشفي ومنهم من عاد في (إرساليات) مرضية إلى مصر ثم تم علاجه في معتقلات الطور وهايكستب ! ولا تظنني أمزح أيها القارئ الكريم فإنني لا أسجل إلا الحق والصدق فإن اثنين من جرحى هذه المعركة وهما الاخوان المجاهدان (عويس عبد الوهاب )و( سيد عيد يوسف) قد نقلا بعد المعركة إلى مستشفيات مصر لمعالجة جراحها الخطيرة ولكن البوليس السياسي أشار بنقلهما إلى الطور ولعله خشي انضمامهما إلى الجيش (الإرهابي السري) فنزعا من المستشفيات وجراحهما لا تزال تنزف دما وألقيا في أحد العنابر الرطبة دون غذاء أو علاج ولا يزال أحدهما يعانى ألما مراً من رصاصه مستقرة في يديه(!!..

انتهت معركة (دير البلح) علي الصورة التي ذكرنا وكان دور الإخوان فيها مفخرة كبرى من مفاجر هذه الدعوة وأثرها في تكوين المحارب الناجح وبجانب الكسب الأدنى فقد غنم الإخوان عددا كبيراً من الأسلحة الرشاشة التي كانوا في أمس الحاجة إليها ولقد كلفهم هذا الانتصار غالبا فسقط منهم عدد كبير من الجرحى والشهداء وكان يزيد في عظم الخسارة استحالة تعويضهم من مصر وقت أن كانت المذبحة قائمة علي قدم وساق غير أن هذه الخسارة وما لا بسها من ظروف ومحن لم تزعزع من إيمان الإخوان وثباتهم ولقد خشيت أن تكون كثرة الخسائر قد نالت من روحهم القوية فقمت في الصباح الباكر بجولة بين حجراتهم فما وجدت للحزن أثرا وما وجدت إلا استبشارا وغبطة للنتيجة التي أرادها الله وكانوا يتناقلون فيما بينهم قصص البطولة التي سجلها شهداؤهم علي أرض المعركة ويمنى كل واحد منهم نفسه بنتيجة مماثلة ويرجو أن يكون خطه من جهاده طلقة تؤدى به إلى رحاب الجنة فالشهادة في نظرهم ليست موتا ونهاية ولكنها بداية لحياة هنيئة طيبة في جوار الله فلم لا يتعجلونها وقد رأوا أماراتها بأعينهم في ابتسامات الشهداء وسمعوا بشرياتها بآذانهم في آخر كلمات نطق بها المحظوظون السعداء وهم يستروحون أولي نسمات الجنة ويضعون أقدامهم علي أولي درجات الحياة الباقية .

ولقد زارني في ذلك الصباح مندوب من قبل القائد العام وأخبرني أن اللواء (فؤاد صادق) يرغب في مطالبة الحكومة بالألغام بأوسمة عسكرية رفيعة علي الإخوان إشادة بفضلهم واعترافا بجهادهم في هذه المعركة وغيرها وهو يريد منى كتابة كشف بأسماء (الإخوان) الذين اشتركوا في معركة الأمس فمانعت أولا في تقديم كشف لهذا السبب وقلت : إن الإخوان لا يعملون بغية أوسمة وشارات ولكنهم طلاب ثواب ومغفرة وليس لهم مطمع من جهادهم غير الاحتفاظ بكرامة أمتهم وجيشهم والإبقاء علي عروبة فلسطين كجزء من وطنهم الإسلامي الكبير فإن حققوا ذلك فقد وصلوا إلى أقصى ما يريدون من نتائج ولكنه ألح إلحاحا شديدا وحاول إقناعي بأن الألغام علي الإخوان لا يعد انتقاصا لبرئهم وثوابهم بل هو اعتراف من الدولة بشجاعتهم وصدق جهادهم ثم هو فوق ذلك اعتراف بفضل الدعوة التي صنعتهم .

وأمام هذا الإلحاح لم أجد بدا من إجابة مطلبه فأعطيته الكشف المطلوب ولقد أخبرني بعض ضباط الرئاسة أن اللواء (فؤاد صادق) تقدم للحكومة السعدية طالبا منح نياشين رفيعة للإخوان غير أن الحكومة اعتبرت تنفيذ هذا المطلب اعترافا منها بجهاد [الإخوان] وحسن بلائهم فكيف توفق بين ذلك الاعتراف وبين خطتها في القضاء علي جماعة الإخوان وتشويه كل مظهر من مظاهر نشاطها ؟.

وكيف توفق بين هذا المسلك وبين ما تكتبه صحفها (للعقاد) وغيره من الكتاب المرتزقة من مقالات وبحوث يدللون فيها علي خيانة هذه الجماعة وتأمرها مع اليهود؟ فماطلت الحكومة السعدية زمنا طويلا وحاولت إقناع (فؤاد صادق) بالعدول عن مطلبه غير أن الرجل الشجاع أصر علي ذلك واعتبر هذه المماطلة امتهانا لكرامته وإحراجا لمركزه مما اضطر الحكومة لإجابة مطلبه فاختارت حلا وسطا وصدرت النشرة العسكرية في مايو سنة (1949) تحمل أسماء خمسة عشر جنديا من الإخوان المسلمين المصريين والفلسطينيين ورأت الحكومة أن تدارى موقفها المخجل فسمتهم في نشرتها (جماعة المتطوعين المصريين) ! ثم تتابعت النشرات العسكرية تحمل الألغام علي أبطال الإخوان المسلمين في (بيت لحم) و(صور باهر) وغيرهما من المناطق ومن المضحك أن تصدر النشرات العسكرية وفيها اعتراف رسمي ببطولة جنود الإخوان وقت أن كان الأبطال المنعم عليهم لا يزالون يقاسون مرارة الاعتقال ويعيشون كالمجرمين الخطرين خلف الأسلاك الشائكة بين معسكرات (رفح) و(الطور) و(الهايكستب) !! وهكذا أباحت العقلية المنكوسة لنفسها معاملة طائفة من الناس علي أنهم أبطال مغاوير ومجرمون خطرون في آن واحد .

ولاشك أن استمرار هذه الخطة في كبت الحريات الإسلامية القوية في صفوف الشعب والجيش مهما كانت دوافعها ومبرراتها ومهما كانت فوائدها القريبة السطحية للحاكمين فهي لن تؤدى في المدى الطويل إلا إلى قتل فعاليات الأمة ,إضعاف مناعتها الذاتية وتعويدها على الخنوع والاستسلام حتى إذا هاجمها العدو الخارجي كانت أشبه ما يكون بالجسم الذاوي النحيل الذي يتهاوى تحت أول هجمة من هجمات المرض دون أن تكون لديه القدرة على المقاومة والثبات وفي تقديرنا أن إصرار الحكام المصريين على السلطة المطلقة وكراهيتهم للشورى والحكم الشعبي الحر وتوجسهم من الدعوة الإسلامية لما تحمله من حد لشهواتهم وغرائزهم مع خضوعهم الأعمى في كثير من الأحيان للسلطة الأجنبية سواء كانت سياسية أو عقائدية كل ذلك يدفعهم إلى التصدي للحركات الشعبية القوية التي هي في واقع الحال قوة للوطن في مجموعه فيعملون فيها يد الكبت والاضطهاد والتشريد وتكون النتيجة دائما شيوع الأحقاد والفتن في صفوف الأمة وقيام فجوة عميقة من الشك المتبادل بين الحاكم والرعية ولو أنهم كانوا يضعون مصلحة الوطن والدين فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية لاستطاعوا إيجاد المناخ السليم الذي تعمل فيه جميع الأفكار الصالحة متعاونة لبناء وطن قومي سليم قادر على الصمود في وجه المؤامرات والأعاصير .

إن دور الإخوان في حرب فلسطين يجب أن يكون درسا وعبرة لأولئك الذين يفكرون بإخلاص وتجرد في بناء قوة عربية إسلامية تكون قادرة على مواجهة التحدي الإسرائيلي والتغلب عليه وحين نتحدث عن دور الإخوان المسلمين لا ينحصر تفكيرنا في النطاق الضيق لجماعة معينة أو هيئة معروفة ولكننا نستشرف الإسلام في معناه الرحب الواسع كفكرة سماوية تخلق المجتمع المتكافل النظيف وتصنع الفرد الجاد المستعد دوما لتلبية النداء وتقديم النفس رخيصة في سبيل الله دفاعا عن العقيدة السامية والوطن العزيز وليس جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين وما سجله من بطولات فردية وجماعية خارقة سوى ثمرة محتومة لهذه التربية الإسلامية التي أنبتت قديما خالدا وأبا عبيده وطارقا وشرحبيل وغيرهم من قادة الفتح وجنود الإسلام عبر قرون طويلة وفي ملاحم لا تزال قمما شامخة في تاريخ الصراع بين الخير والشر وهي تربية لا تزال قادرة على أن تنبت أمثالهم في كل عصر ومصر إذا ورد المسالمون نبعها الصافي والتمسوا عندها العلاج لأمراضهم ومشكلاتهم 0

إن دور الإخوان المسلمين في الحرب الفلسطينية عام (1948- 1949) يجب ألا يقاس بمقياس مادي صرف نعنى : بعدد القوات التي اشتركت منهم في المعركة ونسبتها العددية إلى القوات العربية النظامية والقوات الإسرائيلية ولكن يقاس في إطاره المعنوي والروحي ذلك أن الإنسان الذي يصد في ظروف صعبة يدافع عن عقيدته وإيمانه ويموت وعلى شفتيه ابتسامة الرضا والظفر لأنه يؤمن بالقضية التي يحارب من أجلها ويعتبر الموت ثمنا متواضعا يقدمه في سبيلها هذا الإنسان كان دائما هو العنصر الحاسم في الحروب وسيظل كذلك مهما تطورت أسلحة الحرب وفنونها ووسائلها وإذا كانت الحرب الفلسطينية الأخيرة كما أسلفنا في موضع سابق هي ((مزرعة تجارب)) لنا وللعدو يستفيد كل فريق من دروسها واختباراتها ما يعينه على خوض الجولات المقبلة بصورة أفضل فإن الإنسان العربي الذي سيخوضها في المستقبل يجب أن يحظى بعناية ألا تقل عن العناية بتطوير أمام الصهيونية يجب أن تقدم قصة الأخ المسلم في الحرب الفلسطينية أو بعبارة أدق عقيدة الإسلام الخالدة كمدرسة لإنتاج الأبطال الذين نريدهم في هذه المحنة التاريخية أمام الغزو الصهيوني

وإذا كان محتوما على المسلمين ولاسيما العرب أن يرتبطوا بالإسلام وأن يبنوا حياتهم وكيانهم على أساسه المنيع في كل وقت فإن التحدي الصهيوني الراهن يجعل ذلك أكثر حتمية وأشد إلزاما لأنه سيكون في تقديرنا الفرق الرئيسي بين الهزيمة والانتصار وبين الظفر والاندحار وبين أن تبقى الأمة العربية بعد هذه التجربة أو لا تبقى على الإطلاق أو يصبح وجودها ذليلة مستعبدة أعدم سواء بسواء .

إن الحركة الصهيونية التي تقوم على التوراة والتلمود وتوحد يهود العالم تحت حائط المبكى ومدينة داود لا يمكن أن تواجهها إلا أمة إسلامية متماسكة تمشى بينها آيات القرآن وتحركها سيرة محمد وبطولات الصحابة والتابعين وترتبط بأرض الإسراء والمعراج ارتباط عقيدة وإيمان وترى الموت دفاعا عنها أقرب سبيل إلى الجنة والرضوان عقيدة تجعل الملمين حكاما وشعوبا يدركون معنى الآية الكريمة التي جعلها الإخوان المسلمون شعارا لهم { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } ويجعلون منها واقعا حيا ملموسا ى إعداد الأمة كلها شيبا وشبابا لقتال العدو وتسخير أموال الشعب في التماس أسباب القوة الرادعة في مجالات التسليح والتدريب حتى يصبح الوطن قلعة عنده أساسها الإيمان والعقيدة ولحمته الرجولة والتضحية وغطاؤها أقوى ما وصل إليه العقل البشرى من وسائل الإعداد وفنون القتال وهذه الصورة التي يرسمها القرآن الكريم للأمة الإسلامية المجاهدة هي لعمري الصورة الوحيدة لأي أمة تريد أن تبقى حرة كريمة في العالم يموج بتيارات الشر والاعتداء والتوسع على حساب الضعفاء .

وهذه الصورة هي التي يريدها الإخوان المسلمون للأمة العربية ولا يريدون لها بدلا وهذا هو السبب في صدامهم دوما مع الحكومات المصرية المتتابعة التي لا يؤمن إلا بكراسي الحكم والثراء الحرام .

ومن هنا نود أن نكرر أن تسجيلنا لجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين لم يكن مجرد امتداح للجماعة أو تغنيا بأمجاد فئة معينة وإنما كان إلى جانب الاعتراف بالفضل محاولة لإبراز هذا الدرس العملي الملموس ووضعه أما المسلمين حكاما وشعوبا وهم يدعون أنهم بسبيل الاستفادة من دروس النكبة وعبرها المريرة لبناء قوى رادعة تسمح العار وتنقذ الديار لعله يرشدهم إلى الاتجاه الصحيح لإقامة مجتمعات منيعة وجيوش صلبة إن ما أردنا أن نصل إليه هو أن نقول لهم جميعا إن الإسلام بمفهومه الواسع الصحيح هو الرد على الصهيونية المعتدية فإما أن تسلكوا سبيله أو تنظروا المزيد من الكوارث والنكبات فهل يسمعون أم تغلبهم النزعات الشخصية والضغوط الأجنبية ؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام ؟!!.

بعد النكبة.

نعود الآن لنتساءل إذا كانت الجولة الأولى من حرب فلسطين قد انتهت فهل يعنى ذلك نهاية القضية الفلسطينية ؟ وهل أشرفت الشعوب العربية والإسلامية على سلم دائم طويل ؟ وهل يمكن أن نكتب خاتمة هذا الكتاب ونحن مطمئنون أننا نسجل الحوادث من بدايتها إلى نهايتها ؟.

الواقع أن كل الدلائل تشير إلى أن الحرب لم تنته وكل ما حدث في الماضي ويقع اليوم يمهد لمواصلتها ويدفع بنا قدما للسير في طريقها وإن الجولة التي أجملنا وقائعها في هذا الكتاب لا تعدو أن تكون تمهيدا لحرب طويلة المدى مجهولة النتائج فأي أوضاع خلقتها هذه الجولة ؟ وأين نحن الآن بعد أن توقفت العمليات الحربية إلى هدنة مسلحة ؟.

دعونا نجوب خلال الأرض المقدسة وتحسس طريقنا وسط الخرائب والأنقاض لنرى الأوضاع الجديدة التي خلفتها الحرب الفلسطينية إننا سنجد أنفسنا أمام حقائق لا عهد لنا بها من قبل ولا مفر من مواجهتها بعزم وصراحة هذه الحقائق فهي :

أولا: قيام دولة إسرائيل.

ثانيا: تشريد الشعب الفلسطيني .

1- إسرائيل :

وصلت السياسة الاستعمارية لأبعد غاياتها فقامت دولة (إسرائيل) وتكون السرطان الخطير في أدق أجزاء الوطن العربي بعد أن هيأت بريطانيا له وسائل التكوين وتركته ينمو ويتوسع ويمتلئ بإفرازات السم والدمار وبات واضحا أن الأمم العربية والإسلامية إن لم تسارع بفضه والقضاء عليه فإن الجسم كله سيتسمم ويذل ويسرع نحو خاتمته الرهيبة .

ويجب أن تعلم أن إسرائيل الحاضرة في نظر اليهود لا تزيد على كونها نقطة ارتكاز تحشد فيها قواتهم وأموالهم حتى إذا اكتمل لهم ما يريدون من قوة تدفقت أمواجهم في زحف رهيب لتغمر الأرض الموعودة حيث إمبراطورية إسرائيل التي تمتد من الفرات إلى النيل ...وإلا ففي هذا الإعداد الهائل الذي تموج به أرض إٍسرائيل ؟ وفي هذا الجهاز العسكري الجبار الذي يستهلك وحده ثلث ميزانية الدولة؟ وكأن الحرب في نظرهم قد أصبحت على الأبواب؟ قد يقول قائل : إن إسرائيل مضطرة لإعداد نفسها وهي تشعر أنها تقع في محيط يبغضها ويتحين الرص للانقضاض عليها .

ولكن ينسى هؤلاء أن إسرائيل مطمئنة لسلامتها في حدودها الراهنة مطمئنة وهي ترى ما عليه الولايات العربية من ضعف وانحلال ومطمئنة وهي تشعر أن بريطانيا وأمريكا تقفان في صفها وتؤيدانها بكل ما تملكان حتى سمعنا وزيرا أمريكيا مسئولا يقول منذ أيام (( يجب أن تعلم الدول العربية أن إسرائيل خلقت لتعيش )) ولقد بلغ من اطمئنانها لهذه السلامة أنها تفرض آراءها على الدول العربية وتوجه لها اللطمات القاسية واحدة تلو الأخرى دون أن تجرؤ إحداها على مجابهة العدوان أو على الأقل التظاهر بنيتها في مجابهة العدوان .

وإذن فما الذي يدفع إسرائيل لتوجيه همها لشئون الجيش والدفاع ؟ ليس من شك أن ذلك الإعداد يقوم لمواصلة العمل من جديد واقتناص الفرص المناسبة لمغالبة العرب على بعض ما في أيديهم وإسرائيل تخشى أن تتغلب حركات الإصلاح في الدول العربية فتفيق من غشيتها وتحطم طواغيت الحكم التي تقف في طريقها وتمنعها من مواصلة التقدم فلا تستطيع أن تنال منها كسبا جديدا .

والاستعمار حين احتضن الفكرة الصهيونية وهيأ لها الوسائل لتنجح وتنتصر كان يسلم بمطالبها كلها ويؤمن بالبرنامج الذي تسعى لتحقيقه وإن كان قد نجح في انتزاع جزء من فلسطين فمما لاشك فيه أنه يواصل السعي من جديد ليسلم بقية البضاعة ويصل بالفكرة إلى آخر مراحلها المبتغاة إسرائيل اليوم تموج بجيش صهيوني كبير والإعداد قائم فيها على قدم وساق وهذا الجيش ليس في الواقع إلا وحدة من جيشها الكبير الذي يتغلغل في الدول العربية ويسيطر على كثير من منابع الثروة فيها ويرصد حركاتها وسكناتها وفيه مجندون ومتطوعون من باشوات العرب وكبراءهم ممن يتعاونون مع اليهود ويعملون في شركاتهم ومؤسساتهم ويساهمون في المعركة المحتدمة بجهد مقصود وغير مقصود .

ولقد حدثني أحد ضباط المخابرات أخيرا أن الحكومة الإسرائيلية قد افتتحت مدرسة في إحدى المستعمرات الواقعة حول تل أبيب لتدريب الشباب اليهودي الذي يعيش في الدول العربية على عمال الجاسوسة والتدمير وأن كثيرا من اليهود المصريين والسوريين ينزحون إلى هذه المدرسة بطرق مختلفة حيث يتلقون دروسهم في الجاسوسية وأعمال التخريب ثم يعودون إلى ((أوطانهم)) مصر أو سوريا وينتظمون في الجيش اليهودي السري حين تحين الفرصة المنشودة لتطبيق ما تعلموه .

هذا الجيش الداخلي يزيد في خطورته على قوات إسرائيل العسكرية لأنه موجود في بلادنا ويتزيا بزينا ويتحدث بلغتنا وينتظر القوت المعلوم ليؤدى فيه دوره المرسوم .

وحتى الدول العربية التي كتب الله لها السلامة وطهر أرضها من هذا الرجس الوبيل تحاول اليهودية الدولية أن تدخل إليها بعض فرادها هذا الجيش الخطير ولقد حدثني زعيم عربي كبير له مكانته وإلمامه أن اليهود كانوا لا يزالون يلحون على حكومة أمريكا ويوسطونها لدى الملك عبد العزيز بن سعود ليسمح لعدد من المهاجرين المشردين بدخول أرض الجزيرة العربية وليعودوا إلى القرى التي طردهم منها نبي الإسلام منذ أربعة عشر قرنا من الزمان وقد كانت هذه المساومة العجيبة على رأس الأمور التي أثارها الرئيس الأمريكي الراحل (روزفلت) مع الملك عبد العزيز حين اجتمع به على أرض مصر في نهاية الحرب العالمية الأخيرة ولكن الملك السعودي رفض هذا العرض رفضا باتا .

هل فهمتم يا شباب الإسلام؟ وهل أدركتم حقيقة

هل فهمتم يا شباب الإسلام؟ ولم يقلل من هذه الحقيقة أن صحفنا كانت تضيف إليها لقب ((المزعومة) كلما تحدثت عنها وإسرائيل تستعد وتهيئ نفسها لعدوان جديد ولن يقلل من هذا الخطر أو يهون من شأنه ما يردده الحالمون الخياليون عن الضائقة الاقتصادية فيها وعن رغبتها الأكيدة في السلام .

وإذا كانت هذه هي إسرائيل وتلك حقيقة الخطر الذي يتحفز أمامنا فماذا أعددنا لمجابهته ووقفه عند حده؟

إن علينا أولا أن نعرف أبعاد الخطر الذي يمثله الوجود الصهيوني في فلسطين على حاضر أمتنا ومستقبلها وأن ندرك أنه لن يكون هناك سلام أو استقرار لهذه المنطقة من العالم مادام هذا الكيان العدواني باقيا ومعرفتنا بحدود الخطر وروافده المحلية و الدولية وأثره الهدام على كياننا يجب أن يدفعنا إلى إعادة النظر في أوضاعنا السياسية والاجتماعية والعسكرية من أساسها وتنظيم حياتنا كلها تنظيما يكفل الاستمرار في حرب طويلة الأمد قد تمتد مائة عام وليسلنا من سبيل سواها لأن التسليم بواقع إٍسرائيل في أي نطاق وعلى أي صورة لن يعنى على المدى الطويل إلا خضوع الشعب العربي لاستعمار صهيوني جديد .

يجب أن ينطلق تفكيرنا دوما من الحرب الطويلة مع إسرائيل وأن تخضع جميع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه القاعدة الأساسية وأن نعود أنفسنا وشعوبنا على تحمل ما تعنيه هذه السياسة من تقشف وخشونة حتى نكون على استعداد دائم لتقبلها والالتزام بتبعاتها ونظرية الحرب الطويلة مع إٍسرائيل تحتم أيضا إنهاء المنازعات العربية ومعالجة الأسباب التي تؤدى إليها بروح أخوية تستشعر خطورة القضية وآثارها التاريخية على الشعوب العربية والإسلامية والانتقال بعد ذلك إلى مرحلة عملية من التعاون العربي القائم على الثقة والمحبة لتسخير جميع الموارد والطاقات لتقوية الجبهة الموحدة أمام الخطر المشترك .

ويقتضي الحرص على معرفة العدو والاستعداد لمقاومته على أسس سليمة راسخة أن يعكف خبراؤنا العسكريون والسياسيون على استخلاص العبر والدروس من المرحلة الماضية التي بدأت بوعد بلفور وانتهت بقيام إسرائيل لنعرف على وجه التحديد أين كانت أخطاؤنا وهفواتنا وكيف كان من الممكن أن نتفادى تلك الأخطاء والهفوات وفي الحديث عن عيوب العمل السياسي والعسكري في الجبهة العربية يمكن أن يقال الكثير كما يمكن أن تتعدد الآراء والنظريات وهو موضوع واسع كثير الجوانب وليس محله .

هذه المذكرات ولكن يجب أن تشكل اللجان العلمية والعسكرية تحت إشراف الجامعة العربية أو الحكومات المعنية لدراسة النكبة وتاريخها وعواملها كما يجب أن تعنى المؤسسات العلمية والعسكرية في البلاد العربية بهذه القضية لا لتتلاوم من حولها ولا لتبحث عن ((كباش الفداء)) لتعلق التهمة في أعناقها ولكن لتحدد طريق العمل الجدي من أجل إزالتها وتخليص العالم العربي الإسلامي من شرورها وويلاتها .

إن قيام إسرائيل على أشلاء الشعب العربي الفلسطيني قد فتح بابا لصراع طويل شاق بين حضارتين واقعتين لابد أن تستحق إحداهما الأخرى صراع لا مجال فيه لأنصاف الحلول أو التسويات المبتورة ومن الخير للعرب والمسلمين أن يدركوا هذه الحقيقة وأن يوطنوا النفس على قبول التحدي وخوض المعركة بإيمان وثبات فهل يفعلون؟ .

2- اللاجئون العرب :

نحن أمام شعب محطم مكدود أكلته الحرب وقذفت به أمواجها العاتية زبدا رابيا على شواطئها السحيقة شعب ساهم العالم المتحضر كله في تحطيمه وتشييع جنازته وساهمت الجامعة العربية وحكوماتها بالنصيب الأوفر في ذلك .

والحق أنني أحس بنقمة شديدة على هذه الجامعة العربية ولست أشك في أن القارئ يحس بما أحس به كلما ذكرت محنة فلسطين وحالة شعبها البائس ولا أمر على معسكرات اللاجئين وتصافح عيني صور البؤس والفاقة التي ارتسمت على وجوه سكانها حتى أصب اللعنات على أولئك الذين ساهموا في تنفيذ هذه المؤامرة الدامية ولا أنسى إذا لعنت اليهود مرة أن ألعن الإنجليز مرتين ثم ألعن الجامعة وحكوماتها ألف مرة ذلك لأن اليهود كانوا يعملون لمصحتهم وينفذون فكرة آمنوا بها وسعوا إلى تحقيقها والإنجليز حينما أقاموا (( إسرائيل)) لم يقيموها حباً في اليهود وسواد عيونهم ولكن حبا في إمبراطوريتهم وتمشيا مع مصالحها التي تفرض إيجاد ((توازن)) في الشرق العربي يضمن لبريطانيا البقاء في ربوعه .

ولكن أي عذر نلتمسه لزعماء العرب ورؤساء حكوماتهم وقد وقفوا من القضية موقفا متداعيا حتى كبر الخطر واستحال التغلب عليه وأي عذر لهم اليوم بعد أن وقعت الهزيمة وبدأ العدو يتحفز لوثبة أخرى وهم لا يزالون يجتمعون ويقررون ولاهم لهم إلا القضاء على شعوبهم وكبت كل حركة قوية تظهر فيها وكأنهم قد رضوا بالأمر الواقع ولم يبق إلا أن يتبادلوا التمثيل السياسي مع إسرائيل !... هذا الشعب فقد أرضه ووطنه وفقد معهما كرامته ومعنوياته ولا يزال الأوضاع الحاضرة تعمل عملها لتقتل في نفسه كل دوافع يدفعه لمواصلة الكفاح وأصبح هدفه كله أن يحصل على لقمة الخبز اليسيرة وحتى هذه اللقمة التافهة التي تلقى إليه في المعسكرات يتناولها من يد أعداء أمته وكأن العرب والمسلمين قد طواهم الموت وغيبتهم ظلمات القبور .

كنت أسمع من كثير من اللاجئين لأستطيع أن أجيب عنه ((أين العرب وأين المسلمون ؟ أهذه هي حقوق الجيرة والقرابة والدين ؟ أنترك هكذا نموت جوعا ولا نجد العون إلا من أمريكا وهيئة الأمم ))؟ إني أعلم أن حكوماتنا ((الرشيدة)) تساهم في إغاثة اللاجئين عن طريق هيئة الأمم وذلك هو الغباء المطلق فالوضع الصحيح أن تساهم معنا الحكومات الأجنبية في إغاثة اللاجئين وتقدم لنا ما تستطيع المساهمة به ونقوم نحن بتوزيعه أبنائنا وإخواننا أما أن تعكس الآية فنساهم نحن بالنصيب الأكبر ونغيث إخواننا عن الطريق الهيئة ليقوم بتوزيع المواد على اللاجئين مندوبون من جميع الدول والأجناس إلا الدول الإسلامية والجنس العربي فهذا ما لا تفهمه ولا نستسيغه .

في معسكرات اللاجئين اليوم القوة المعطلة مئات من الشباب يتسكعون على المقاهي والطرقات وينتظرون اليوم الذي ينطلقون فيه لتطهير أرضهم ولا ينقصهم إلا قيادة مخلصة تسوى صفوفهم وتسلك بهم طريق الكفاح الشاق .

ولكن السياسة المتخاذلة التي لعبت دورها في الوصول بهم إلى هذه الحالة لا تزال تلاحقهم ولا تزال مخالبها المخضبة تلتف حول أعناقهم وتعوقهم عن الحركة والتفكير والأغلال التي استدارت حول أرجلهم منذ كان في فلسطين استعمار لا تزال الأغلال التي تكبلهم عن العمل وتقعدهم عن الكفاح.

وكيف لا يكونون كذلك وزمام أمرهم في يد الحكومات العربية و الحكومات الداخلية التي بداخلها الاستعمار ما يشغلها عن التفكير في فلسطين ووضع الوسائل العملية لاستردادها .

ألست ترى أن المحادثات والمفاوضات تدور اليوم حول مشكلة اللاجئين وطريقة إغاثتهم وتهيئة سكن مستقر بهم ؟ أما القضية فلسطين نفسها وقضية الوطن المباح والكرمة المهدرة والإسلام الذبيح تحت أقدام اليهود فهذه كلها أهداف وآمال تدور في عقول الخياليين الواهمين من أمثالنا ممن يبتعدون عن الواقع ولا يفكرون إلا بالعقول التي أراد لنا المستعمر أن نفكر بها وحتى قضية اللاجئين التافهة على ما فيها من وضوح لا تحتمل معه كل هذا الشد والجذب يحاول الاستعمار أن يحلها على حساب العرب أنفسهم دون أن تتحمل إسرائيل شيئا في حلها فتارة يقترحون نقلهم إلى ((سيناء)) وتارة يقترحون نقلهم إلى ((برقة)) والزعماء العرب يصرفون مقالات المديح في ساسة أمريكا وبريطانيا الذين يشغلون أنفسهم بهذه القضية الإنسانية أما إرجاع اللاجئين إلى وطنهم الأصلي حيث ولد آباؤهم وأجدادهم وحيث لا تزال دورهم وأمتعتهم في انتظارهم فهو مالا يسمح به المستعمرون وهو مالا يدور إطلاقا في عقل الزعماء الأمجاد !.

إن دل الاستعمار تريد أن تحل مشكلة اللاجئين لا رحمة باللاجئين أنفسهم لا إشفاقا على وجه الإنسانية الصبوح أن تشوهه المآسي ولكن إشفاقا على إسرائيل نفسها لآن ببقاء اللاجئين على وضعهم الحالي يشعر إسرائيل أن القضية لم تنته ويجعلها في قلق دائم لا تستطيع معه أن تباشر الإعداد والإنشاء في جو هادئ مستقر إذن فلا بد من ((التصفية)) على أن تكون تصفية يتحملها العرب أنفسهم ولا تتنازل ((إسرائيل)) فيها عن شبر من الأرض التي اغتصبتها ولا تنفق مليما واحدا من المال الذي تجمعه لتنفذ به برامجها الواسعة ولا يمكنها أن تنفق منه على هذه التفاهات الصغيرة ..

تلك هي السياسة التي ترسمها دول الاستعمار لحل مشكلة اللاجئين ومن هنا تقترح إسكانهم في ((برقة)) وإسكانهم في صحراء ((الأردن )) وإسكانهم في سيناء .

إن حل مشكلة اللاجئين في أيدينا ولن تحل قضيتهم إلا بالرجوع لأوطانهم وخروج اليهود منها لن يعدا إليها بالمحادثات المفاوضات لن يترك اليهودي أرضا غنمها بالسلاح إلا تحت ضغط القوة المسلحة هذا هو الطريق فاسلكوه ولا تضيعوا الوقت { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ولا تغرروا بالجماهير البائسة فالقضية لا تحتمل كل هذه السياسة وهي أما قتال سريع أو موت بطئ وذل دائم .

إلى العمل :

إن أول ما يجب أن نفكر فيه معشر العرب خصوصا هنا في مصر هو بناء قواتنا العسكرية وخلق الجيش القوية التي تستطيع أن تاجه هذا الخطر لا يبدو في الأفق حتى ما يبشر بالسير نحو تحقيق هذا الهدف .

يجب أن نستورد الأسلحة من أي مكان نستطيع ويجب أن نبذل كل جهد لإقامة المصانع الحربية في بلادنا لأن ((الاستجداء)) والصدقات وشراء الفتات والفضلات ليست من وسائل إعداد الجيوش القوية وما كارثة فلسطين الخيرة ببعيدة .

لنبدأ في بناء قواتنا العسكرية على أسس سليمة ولنستعين بكل وسيلة ممكنة وغير ممكنة للوصول إلى الغاية وليست الأسلحة والمصانع وحدها هي التي تنقصنا بل إن الأسلحة والمصانع تكون هينة ميسورة يوم يتوفر العزم ويوجد الحكام الأقوياء المخلصون لكن هناك أمورا أخرى تنقصنا وتحتاج منا إلى جهود جبارة إيجادها .

لابد أولا من خلق أمة قوية صحيحة تتهيأ فيها الحياة الحرة الكريمة لكل فرد من أفرادها ولابد من إيجاد العقيدة القوية السليمة التي تجمع أفراد هذه الأمة حولها وتدفعهم للعمل والجهاد دفاعا عنها ولابد من محاربة مظاهر الخنوثة والترف التي نشبت في مجتمعاتنا وأصبحت تهددنا بالانهيار العاجل السريع .

أصلحوا الأمة أولا:

هذا الجيش ليس جزءا منفصلا عن الأمة ولكنه صورتها المصغرة وثمرتها الناضجة ولا يمكن أن تبنى أمة جيشا قبل أن تبنى الأمة نفسها على أساس سليم كما لا يمكن أن توجد الثمرة قبل أن تزرع البذرة وتنبت الشجرة والأمة الحرة القوية الصحيحة يكون جيشها ضعيفا جاهلا ذليلا ولو كان لكل جندي دبابة وطائرة هل يمكن بناء جيش على جنود غالبيتهم العظمى من العوام الفقراء الذين لم يستطيعوا دفع البدل العسكري التافه؟ ولقد سمعت كثيرا من هؤلاء الجنود يتساءلون في المرحلة الأخيرة من الحرب لماذا يحاربون اليهود في فلسطين ؟ بل إن هذا الجندي لو ترك على سجيته لما شعر برغبة في القتال حتى عن حدود مصر نفسها ومن أين تأتى الرغبة وهو يؤمن أن حدود وطنه لا تتجاوز حدود قريته التي عاش ودرج فيها ؟!!.

وكان الجنود ولايزالون يشعرون بالعذاب الذي يعانيه أهلوهم تحت نير النظم الاجتماعية الفاسدة ولقد نجح الاستعمار في حرمان مصر من الجيش القوى العزيز حينما سمم التربة التي تنبت أفراد الجيش ولوث المنبع الذي يستمد منه الجيش رجاله فقضى على الفلاح المصري وحكم عليه أن يعيش في مستوى أقل من مستوى السوائم العجماء فظهروا منابع الجيش الأصلية قبل أن تتعبوا أنفسكم في إنشاء الفرق المدرعة والألوية الجوية وأصلحوا الأساس أولا قبل أن تبنوا طابقا ثانيا وثالثا فوق البناء المتداعي أو تضعيوا الجهود عبثا في طلاء الجدران وتركيب الزجاج على النوافذ!!

أصلحوا الجيش كما تشاءون ولكن اذكروا دائما أن الجيش القوى ثمرة طبيعية لأمة قوية فبادروا أولا بإصلاح هذه النظم الظالمة وهيئوا للفلاح البائس حياة حرة كريمة قبل أن تطالبوه بالدفاع عن حرية أمته وكرامتها وأصلحوا التربية التي تنبت لكم الجنود قبل أن تطالبوها بالثمار فتعطيكم ثمرا فاسدا عفنا ليس فيه غناء ولا يرجى من ورائه عزة وانتصار .

أعيدوا للجيش ثقته بنفسه :

من الأمور التي تهتم بها الدول غرس معاني الثقة في نفوس أفراد الجيش والمحافظة عليها وبخاصة بعد الهزائم التي يمنون بها ولي من شك أن جيشنا هذا قد فقد الثقة في نفسه وفقدها في قادته وفقدها في زعماء حكومته فقدها في نفسه يوم رسمت له سياسة خاطئة انتهت به إلى هزيمة لا ذنب له فيها وخرج أفراد الجيش وليس في حلوقهم إلا غصة الهزيمة كلما ذكروا حرب فلسطين وليس في قلوبهم إلا رعب قاتل كلما ذكروا معارك اليهود .

وفقد الجيش ثقته في قادته يوم ساقوه إلى المجازر نتيجة خطط مرتجلة وتركوه عرضة للهزائم والحصار وكم من مرة كانت ترسل الأوامر المتناقضة والتعليمات التي يهدم بعضها بعضا ويحار الجنود أي الأوامر ينفذون ؟ وأيها يتركون ؟ ويظلون في حيرتهم حتى يلاقوا حتفهم الذي يوعدون كم من مرة حدث هذا وما هو ـأكثر منه حتى امتلأ الجنود حقدا على قادتهم ولم تعد تسمع من الجنود تلك القصص المشرفة التي يتحدث بها الجنود عن قادتهم في أعقاب الحروب ولكنك تستمع دائما إلى روايات مضحكة مبكية وقد لا تكون القصص صحيحة وأغلب الظن أنها ليست صحيحة ولكنها عين السخط التي تزن الأمور بميزانها الخاص .

وعين الرضا من كل عيب كليلة  ::: كما أن عين السخط تبدى المساويا

وزاد الطين بلة ما سمعه الجنود عن الأسلحة الفاسدة وعن الدور السيئ الذي لعبته رتب كبيرة وشخصيات عظيمة في نظام الحكومة السعدية .

وفقد الجيش ثقته في زعماء حكومته يوم أسلموا أعنتهم للمستعمر الغاصب يحركهم كيف يشاء وينفذ بأيديهم وعقولهم خططه المرسومة فقبلوا الهدنات المتلاحقة وأضاعوا بتصرفهم ثمار النصر وكلما أحرزت العسكرية نصرا ودفعت فيه ثمنا باهظا خسرته السياسة الهزيلة على موائد المستعمر بثمن بخس .

وسمع الجيش كيف خضع النقراشى وخليفته لسياسة الإنجليز وقام يحارب أخلص فئة من أبناء الوطن ويلقى بهم في غياهب السجون سمع الجيش هذا وقارن بين ما يفعله الإخوان في فلسطين وما يلقونه من حكومتهم في مصر فعل أن البلد الذي يدا فع عنه ليس ملكا له ولكنه ملك للمستعمر وصنائعه! تلك هي النتيجة التي خرج بها الجيش من حرب فلسطين فقد الثقة في نفسه وفقد الثقة في قيادته وفقد الثقة في حكومته فهل يستطيع جيش ضخم ضم هذه العيوب كلها أن يقف ليحارب عدوا يفوقه في العدة ويكاد يكون خاليا من كل هذه العيوب ؟!

أعيدوا للجيش ثقته بنفسه ودعوه يؤمن أن الهزيمة التي وقعت لم تكن من صنع يديه وليس له ذنب فيها وأن الجيش قد أدى واجبه في هذه الحرب كاملا غير منقوص على قدر ما تسمح به موارده وعدته .

ودعوه يعرف الكثير عن خصمه ومواطن الضعف فيه وأن الصورة التي تكونت في ذهنه عن المقاتل اليهودي ليست صحيحة إطلاقا فاليهودي لا يزال كما كان دائما مقاتلا فاشلا جبانا لا يتمتع بقوة من صفات المقاتل الممتاز وتلك ناحية من الأهمية بمكان ولقد كنا نقرأ خلال الحرب العالمية الأخيرة مقالات يكتبها كبار القادة الإنجليز عن الجندي النازي أو الفاشستي أو الياباني فيصفونه ويحللون شخصيته ويوضحون نقاط الضعف في نفسه ويعطون لجنودهم صورة واضحة منه مستمدة من المعارك التي خاضها .

وأعتقد أن من واجب إدارة الجيش أن تبادر بطبع رسائل في هذا الموضوع بأقلام بعض الضباط ممن شهدوا الجولة الماضية حتى تمحى هذه الصورة الخاطئة التي أخذها جنودنا عن العدو كمقاتل ممتاز ومضوا يتداولونها فيما بينهم وينقلونها إلى غيرهم ممن لم يشهدوا هذه الحرب .

وأعيدوا للجيش ثقته في قواده ودعوه يؤمن أنه إن كان أفراد قلائل قد سرقوا فإن أفراد كثيرين لم يسرقوا وأن النزاهة ومعاني الشرف إن كانت قد ضاعت من النفوس المريضة أمام بريق المال فإن النزاهة ومعاني الشرف لا تزال بخير في نفوس الغالبية المؤمنة وأنه إن كان بعض القادة قد أخطئوا في إدارة المعارك فإن كثيرين لم يخطئوا وأن الجيش لا تزال فيه كفايات ممتازة لا تقل عن نظائرها في جيوش العالم الحديثة .

وأعيدوا للجيش ثقته في زعماء حكومته فحاكموا مجرمي حرب فلسطين السياسيين وحاكموا مجرمي الوزارة الماضية على ما ارتكبوه من آثام في حق أبناء الوطن وبادروا برفع المظالم عمن ظلم حتى يؤمن الجيش والشعب أنه إن كان نفر من زعمائه يقع تحت تأثير المستعمر وسير في الطريق التي يرسمها فإن نفرا آخر لا يقع تحت تأثيره ولا يملك أن يسير في طري غير التي ترسم له .

دعوة يؤمن أن عنده زعماء يتمردون على الإنجليز ويرفضون تدخلهم في شئون البلاد ودعوه يؤمن أن حرية الرأي والعقيدة مكفولة في مصر وأن علينا جميعا أن نقف صفا واحدا أمام أي عدو يحاول أن يدوس أرضنا ليحرمنا أول ما يحرمنا من حرية الرأي وحرية العقيدة .

أفسحوا الطريق لمبادئ الإسلام:

لم تتفق النظم العسكرية على أمر من الأمور بقدر ما اتفقت على أهمية الروح المعنوية وأثرها في كسب الحروب حتى إنها لتضعها في المقام الأول قبل التسليح والتدريب فهذا القرآن الكريم يقول في إحدى منشوراته العسكرية {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ..} الخ ويصوغ جبار الحرب الحديثة نابليون هذا المعنى في قوله عن نسبة القوى المعنوية إلى القوى المادية ويجعلها كنسبة 1:3 .

ولأهمية الروح المعنوية يضع قواد الأمم والجيوش أساليب خاصة في المحافظة عليها وتقويتها حتى في ساعات الهزائم فبعضهم يؤجج حماس الجنود في الحرب عن طريق الثأر والانتقام كما فعل النازيون وبعضهم عن طريق تحبيب الغزو والاستعمار والتلويح بالضائقات الاقتصادية لو انكمشت الدولة في رقعتها المحدودة كما فعل الفاشست واليابانيون وبعضهم عن طريق المبادىء والدعوات التي يلقنونها للجنود ويوهمونهم أنهم حملة رسالة من رسالات الخير وحماة عقيدة الإصلاح كما يفعل الشيوعيون وهكذا تختلف الوسائل وتلقى عند غاية واحدة هي تحبيب الحرب للجندي وإمداده بالذخيرة المعنوية التي يقاتل في سبيلها ويستهين بالموت دفاعا عنها .

وعدونا الذي نحابه اليوم يعتنق عقيدة من أخطر العقائد وهي سيطرة جنس على أجناس فهم يوهمون شبابهم أنهم ((شعب الله المختار )) وأن الله قد سخر لهم هذا العالم واجتباهم دون سائر الشعوب لحكمه والسيطرة عليه ويؤججون في صدورهم معاني التضحية والاستماتة حين يذكرونهم بالمذابح الوحشية التي وقعت عليهم في عهود الطغيان وأن الله تعالى قد أراد لهم الراحة من هذا العناء حين وهبهم أرض ((إسرائيل)) .

هذه خلاصة العقائد التي يغرسها الصهيونيون في شبابهم ويربونهم عليها قبل أن يدفعوهم للميدان دفاعا عنها فأي مبدأ كنا نقاتل في سبيله ؟ وأي عقيدة يمكن أن نلتف حلها فنجد حولها فنجد فيها هذا الذخر المعنوي الهائل؟ لقد ثبت أن ((دعاوى العروبة)) وروابط الجنس واللغة والحدود المشتركة كلها فاشلة في إقناع الجندي بالحرب والجهاد وإذن فلا بد من مبدأ قوى يشتمل على هذه المعاني كلها ويزيد عليها ولن تجد ذلك بصورته الكاملة إلا في ((الإسلام ))ومبادئه .

لو آمن الضباط أو الجندي بالإسلام إيمانا صحيحا واختلط هذا الإيمان بدمه وعقله وأعصابه ففي تلك الحالة فقط يمكن أن يقاتل وإن زاد عليه العدو في عدد أو عدة لو آمن بالإسلام لعلم أن الدفاع عن فلسطين وغيرها فرض يحتمه الإسلام { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} ولو آمن بالإسلام لأيقن أن محاربته للعدو سواء كانت دفاعا عن أرض أو تأمينا لمصلحة أو طلبا لحرية هي جهاد في سبيل الله تستحق النصر عليه في الدنيا والمثوبة الكريمة في الآخرة .

ونجد الإسلام ينحو منحى عجيبا في تركيز هذا المعنى { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } فإن كانت الهزيمة فه قوة هائلة تقف في جانب المهزوم وتدفعه لمواصلة الكفاح { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس} وإن كان النصر فه صمام يمنع المنتصر من العدوان { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } .

ولم يقف الإسلام عند حدود المعنويات ولكنه يتجاوزها إلى الماديات أيضا فيضع الأسس الصالحة لبناء عسكرية مثالية قوية فيهتم بالطاعة والنظام ويجعلها أساسا للعسكرية الصالحة { يأيها الذين آمنوا يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} .

ولا يغفل الإعداد والتدريب كمرحلة ضرورية لتكوين الجيوش القوية ويشير بوضوح إلى أن الإعداد هو ضمان النجاح أن الجيوش غير المعدة لا تستطيع أن تؤدى واجبها { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوا الله وعدوكم } {ول أرادا الخروج لأعدوا له عدة} ومن آثار النبي صلى الله عليه وسلم في التدريب أن الرماية نعمة من نعم الله فمن نسيها فقد كفر بأنعم الله تعالى !! إلى غير ذلك من عجائب الآيات والنصوص التي تقيم معالم عسكرية مؤمنة قوية لا ظلم فيها ولا عدوان معها .

وقد يتبادر إلى الذهن أني أقصد من وراء كل هذا إكثار عدد الأئمة والوعاظ الرسميين في كتائب الجيش فتلك طريقة ثبت فشلها بشهادة الوعاظ أنفسهم فالواعظ من هؤلاء لا يجرؤ على مخاطبة أقل الرتب إلا باحتراس وحذر ولا يستطيع أن يقومه على أمر الله وهو آمن على وظيفته ومرتبه ! لكنني أعنى تحوير نظم الجيش كلها بحيث تتلاءم مع تعاليم الإسلام من فرض الصلاة إلى فرض التدريب وإقامة المصانع ولتقوية الناحية الروحية في أفراد الجيش لا بأس من انتخاب عدد من شباب الأزهر النابهين وتدريبهم في الكليات العسكرية وإلحاقهم في الجيش كما هو حادث بالنسبة للمهندسين والأطباء والحقوقيين الذين يلتحقون بالجيش وتكون مهمة هؤلاء الضباط الاندماج في الكتائب ضباطا عاديين يمتازون بثقافة إسلامية تؤهلهم للوعظ والإرشاد وتوضع في أيديهم بعض السلطات التي تكفل لهم أداء واجبهم بنجاح وإذا كان من طباعنا معشر المصريين ألا نؤمن بفكرة إلا إذا سبقتنا لها عقول أوربية فنحن نؤكد أن هذه الوسيلة قد اتبعت في الجيوش الأوربية الحديثة وفي الجيش البريطاني بوجه خاص فقد جندت أخيرا جماعات خاصة مهمتها غرس فضائل الدين في نفوس أفراد الجيش كوسيلة لتقوية المعنويات في الجند فإذا كان الغربيين قد اتجهوا هذا الاتجاه فنحن أولى بإقامة جيشنا على أساس إسلامي متين خصوصا أن الإسلام لا يتعرض للمعنويات فحسب بل يتجاوزها إلى وضع الأسس العلمية لقيام عسكرية مثالية فاضلة .

من السائل الناجحة أيضا أن يدرس التاريخ العسكري الإسلامي في كلياتنا الحربية أن تسمى فرق الجيش وألويته بأسماء مشاهير القادة الإسلاميين وأسماء المعارك المشهورة التي أحرز فيها المسلمون انتصارات كبيرة ((كاليرموك)) و((القادسية)) وغيرهما ولسنا نبتدع هذا النظام من عند أنفسنا ولكنه نظام معترف به حتى في أحدث جيوش العالم ولا تزال فرق من الجيش الإنجليزي تحمل أسماء قواد ومعارك كبيرة من تاريخ بريطانيا العسكري واليهود يطلقون على كتائب جيشهم الوليد أسماء بعض الشخصيات الكبرى في تاريخهم وبناة دولتهم وجيشنا بهذا الوضع يعتبر مبتوت الصلة بتاريخه المجيد وماضيه المشرق بل لا يجد الضباط مثلا عليا يتطلعون إليها غير أمجاد الخصوم ومفاخر قوادهم .

وكتابنا العسكريون على كثرتهم يأنفون من الكتابة في التاريخ الإسلامي مخافة أن يتهموا ((بالرجعية)) وهي التهمة التي أطلقها المستعمر وصنائعه على كل محاولة ترمى إلى إحياء أمجاد الإسلام وتعاليمه والرجوع بها إلى منابعها الأصلية من كتاب الله وآثار نبيه وتاريخ السلف الصالح من أبنائه وفي الوقت الذي يشفق في كتابنا العسكريون على أنفسهم من تهمة ((الرجعية)) لا يستنكف كثير من كتاب أوربا الأحرار فيكتبون المقالات الطوال في مناقب القادة العسكريين الإسلاميين ويقارنون بينهم وبين أشهر مشاهير الحروب الحديثة حتى سمعنا أحد ((مارشالات )) ألمانيا في الحرب العالمية الأولى يقول : إ، مثله الأعلى في العسكريين هو سيف الله خالد بن الوليد .

وليست هذه كل ما يمكن اقتراحه من وسائل للنهوض بالجيش وتوجيهه وجهة إسلامية فإني أعلم أن هذا الموضوع أكبر من أن يوفي في هذا البحث الصغير ولكننا نكتفي بالإشارة تاركين المهمة لرجال العسكرية الذين أنيط بهم واجب الرقى بالجيش وهو أمر يسير هين لو اتحدت الغايات وأخلصت النيات .

حاربوا المنكرات في صفوف الجيش:

لم يسلم الجيش من عدوى التحلل الخلقي التي انتقلت لهذه الأمة فيما انتقل إليها من مفاسد الحضارة الغربية وبلغ من تمكنها أن الذي يجتنبها ويتمسك بدينه وخلقه ورجولته يتهم بالجمود و((الرجعية)) والتخلف عن ركب الحضارة فالخمر والميسر والزنا ومحاصرة النساء كل هذه المصائب أصبحت عنوانا لهذه الحضارة ولازمة من اللوازم التي تعلى من شأن مرتكبها وتجعله في طليعة المتقدمين النابهين .

سمع بعض ضباطنا وقرءوا عن كثير من القادة العسكريين الأوربيين ومن مراجعة سيرهم علموا أن الجنرال (فلان) كان زير نساء وأن المارشال (علان) كان لا يفيق من السكر فظن هذا البعض أن النساء والخمر من مستلزمات العبقرية وأن على الضابط إذا أراد أن يكون قائدا ممتازا فليس أمامه إلا أن يسك هذا السبيل ويا ويل من يقف في هذا الطريق ويحاول انتقاده إنه يصبح رجعيا تافها يجب أن يعود إلى مقبرة أجداده العرب الأقدمين ..

وليس من شك في أن هذا فهم خاطئ لأسباب كثيرة أهمها : أن كثيرا من القادة العباقرة سواء القدامى أو المعاصرون لم يكونوا على هذه الشاكلة فالقواد الإسلاميون الكبار كخالد بن الوليد وسعد بن أبى وقاص وعمرو بن العاص لم يقل أحد إنهم كانوا يحتسون الخمر ويحاصرون النساء حين كانوا في أوج شهرتهم العسكرية وكان التاريخ الإنساني يسلمهم زمامه وأعنته ليوجهوه وجهته الصحيحة .

ولست أعتقد أن أحدا من ضباطنا مهما كانت آماله وأطماحه يمكن أن تصل به مقدرته وكفاءته إلي ما وصل إليه هؤلاء القادة العباقرة الأفذاذ وقبل أن يسخر منى الساخرون ويتهموني بالرجعية أن حشرت هؤلاء القادة في زمرة العظام النابهين أبادر فأقول إن رجلا كالمارشال (( مونتجمرى))أحد أبطال بريطانيا العسكريين والقائد الذي تجاوزت شهرته حدود بلاده وأصبح يحرك اليوم أكبر الكتل العسكرية في العالم مونتجمرى هذا يقولون عنه : إنه لم يشرب الخمر في حياته ولم يدخن ويقول عارفوه : إن الناحية الدينية متمكنة من نفسه حتى إنه يذهب إلى الكنيسة في أوقات دورية منتظمة!!

وإذن فليست الخمر والنساء وإضاعة الوقت والجسم في إرضاء الشهوات والنزعات من مستلزمات العبقرية ولا من العوامل التي تكون شخصية القائد وتؤهله لنيل المناصب الكبرى في الجيش ولكنها عوامل كثيرة تلك التي تخلق الشخصية أهمها : الخلق وقوة البدن وغزارة العلم وثبات الإيمان وكلها عوامل لا تمت للخمر والنساء والميسر بسبب من الأسباب .

أعتقد انه من العسير معالجة هذه الأوبئة تحت كنف النظم الحالية في الجيش فأندية الجيش في بلاد القطر يشرب فيها الخمر ويلعب فيها الميسر ويرغم الضباط إرغاما في الاشتراك فيها والمواظبة على ارتيادها ولا أظن الناس قد نسوا بعد ما كان من أمر الرجل الصالح اللواء ((عبد الواحد سبل)) حين رفض الاشتراك في نادى الضباط إلا أن تنزع منه الخمر واحتدمت معركة عنيفة بين الرجل وبين الخمر أسفرت عن نزعه من الجيش وبقاء الخمر في نادى الجيش!!!

ولست أعنى أن ضباطنا جميعا على هذه الشاكلة ولكن أردت أن أقول: إن النظم الحالية للجيش وعدم تماشيها مع تقاليد الإسلام وما تفرضه على الجندي من رجولة وكرامة لا تقضى على هذه المباذل الخلقية بل تنميها وتشجعها وتأخذ بيدها لأبعد غاياتها وتهدد المعترضين عليها بالنكال سوء المنقلب وما حدث لضباطنا الكبير ((عبد الواحد سبل بك)) قد يحدث لآخرين ممن يبدون اعتراضا على هذه النظم البالية .

ولقد حدثني أخيرا بعض ضباطنا الشبان أن أحدهم رفض الاشتراك في أحد أندية الضباط في منطقة نائية وطولب بقيمة الاشتراك مرارا فكان يرفض ويعلق الدفع على نزع الخمر من النادي مما اضطر قائده المباشر إلى إدخاله إلى مكتب قائد المنطقة الذي أخذ يوجه إليه ((النصح)) ويدعوه إلى الاستقامة والتمسك بالأخلاق الفاضلة التي تتناسب مع وضعه كضابط في الجيش وذلك بأن يدفع الاشتراكات المتخلفة وكان مما قاله : ((يا بنى الحالة كلها بايظة ولن تستطيع وحدك أن تصلح نظام هذا الكون)) ولم تدم مقاومة الضابط الشاب أمام هذا المنطق السليم منطق الرجل الحكيم المجرب فدفع ما عليه وخرج مقتنعا أن نظام الكون المصري ((بايظ)) فعلا بل مقلوب رأسا على عقب .

أعلم أن في قوانين الجيش عقوبة قاسية للضباط الذين يتسببون في امتهان كرامة الجيش ويدخل تحت طائلة هذه القوانين ظهور الضباط بلباس زري أو هيئة مشوهة أفلا يكون شرب الخمر مما يسئ إلى كرامة الجيش وكرامة الأمة التي يدافع عنها هذا الجيش ؟.

إذا كنتم تريدون المحافظة على كرامة الجيش فيجب أن تبادروا دون إبطاء لإلغاء الخمر من أندية الضباط وتحريم بيعها أو دخولها إلى المعسكرات وتوقيع عقوبات قاسية على الضباط الذين يشربونها وذلك هو السبيل الوحيد لحفظ كرامة الجيش .

وإذا كنا نهتم بالقضاء على المسكرات وتطهير أوساط الضباط من هذه الآفات فلا يمكننا إغفال المخدرات التي تغلغلت في أوساط الجيش من مختلف الرتب وبخاصة أوساط الجنود الصغار فالجندي البسيط لا يمكن أن يتناول ((الويسكى)) مثلا لأن مرتبه كله يملأ عدة كئوس من هذه المشروبات ومن هنا يضطر إلى شراء المخدرات كالحشيش والأفيون ومن هنا تفشت هذه الكيوف السامة وأصبحت مصدر خطر كبير لابد من محاربته والقضاء عليه .

وأعتقد أن حضرات الضباط الذين اشتركوا في الحملة يذكرون كيف تسببت هذه الكيوف في كثير من الكوارث حتى سمعت من بعضهم قوله:((إن الحشيش كان من الأسلحة السرية الخطيرة التي حطمت أعصاب الجنود وقواهم المعنوية)) وحين أقول محاربة الكيوف لا أعنى المزيد من النشرات التي كانت ترسلها إدارة الجيش لتوزع على الوحدات وتهددهم فيها بالويل والثبور وعظائم الأمور لمن يضبط متلبسا بشرب هذه السموم الخطرة لا أعنى هذه مطلقا ومن حق إدارة الجيش علىّ أن أطمئنها إلى هذه النشرات لم تكن تجدي أي نفع اللهم إلا في لفافات الدخان والجوز)) المشحونة بالحشيش .

لابد من القيام بحركة واسعة تكون أولى مراحلها إلغاء الخمر من أندية الضباط وتوقيع العقوبات الصارمة على من يضبط متلبسا بشربها فإن الجنود وقد سمعتها من أفواههم عشرات المرات يعتقدون أن محاربة الحشيش في أوساط الجنود مع السماح بتناول الخمر في أندية الضباط إن هي إلا ضرب من الامتيازات والتسهيلات التي تغدق على الضباط ويحرم منها الجنود ويعتقدون أنه مادامت الحكومة تسمح للضباط بالترويح عن أنفسهم بتعاطي الخمور بل وتمهد لهم السبيل للحصول عليها فإن مقتضيات العدالة والمساواة تحتم عليها أن تسمح للجنود بالترفيه عن أنفسهم باستعمال المخدرات خصوصا وهي تعلم جيد أن مرتب الجندي البسيط لا يسمح له مطلقا بشراء الخمور!!

أظن أن رئاسة الجيش في هذه الحالة لا تملك إلا أن تختار أحد حلين إما أن تكون جادة في تطهير الجيش ومكافحة هذه الأخطار من بين صفوفه فتحرم تعاطى المسكرات والمخدرات وتفرض أشد العقوبات على من يضبط متلبسا بتعاطي هذه الأرجاس مهما كانت رتبته أو مركزه في الجيش أو أن تريح نفسها من هذا العناء فتسمح للجنود أيضا بتعاطي الحشيش وتسهل لهم سبل الحصول عليه تمشيا مع مبادئ المساواة والعدالة 0

ولو لم يكن الإسلام يحرم هذه المباذل ويعمل جاهدا للقضاء عليها وتطهير المجتمعات من شرور نتائجها لكان من واجبنا أن نقضي عليها إذا أردنا أن نخلق أمة قوية عزيزة وجيشا عظيما مرهوبا ولقد رأينا كيف قضت روح الترف والانغماس في اللذات على قوى الجيش الفرنسي واضطرته للاستسلام والركوع تحت أقدام النازيين ولقد علل المارشال ((بيتان)) بطل فرنسا العسكري واشهر قوادها في هذا الجيل تلك الهزيمة حين قرر أنها ((جاءت نتيجة طبيعية لانغماس الجنود في اللذة والترف ونفورهم من التضحية والواجب)).

هذا درس نستخلصه من بين أصابع التاريخ وتلك نتيجة وصل إليها قائد محنك يعتبر في طليعة القادة العسكريين وها نحن أولاء نضعها أمام المسئولين عن الأمة والجيش عساهم أن ينتبهوا للهوة السحيقة التي فغرت فمها تحت أقدامهم وما كنا بحاجة إلى أن نتسقط الأدلة والعبر وعندنا كتاب الله يقرر بوضوح وبيان { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } .

القاهرة -27 فبراير سنة 1951 م



للمزيد عن جهود الإخوان تجاه فلسطين وحرب 1948م

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو

أقرأ-أيضًا.png
مرشدو الإخوان والقضية الفلسطينية
الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد حامد أبو النصر والقضية الفلسطينية

الأستاذ مصطفي مشهور والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد المأمون الهضيبي والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

تابع الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

الدكتور محمد بديع والقضية الفلسطينية